تتسع دائرة الاضطراب في أسواق الطاقة وحركة الملاحة العالمية، ولا سيما في الخليج العربي، مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يومها الخامس، حيث تكدست مئات السفن في عرض البحر عقب استهداف موانئ حيوية وإغلاق مضيق هرمز.
أعلنت طهران إغلاق الممر الملاحي الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بينما تؤكد واشنطن أن المضيق لم يُغلق وأنه خالٍ من أي وجود بحري إيراني. وبين الموقفين، تجد شركات الشحن نفسها أمام حالة من عدم اليقين غير المسبوقة في أحد أهم شرايين التجارة الدولية.
750 سفينة عالقة
هجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية طالت العديد من الموانئ ومرافق الطاقة في الإمارات وعُمان والسعودية وقطر والبحرين. لكن الدفاعات الجوية الخليجية تمكنت من اعتراض معظمها، ما حدّ من الأضرار التي وُصفت بالمحدودة.
وبحسب تصريحات رؤساء شركات الشحن فإن نحو 750 سفينة باتت عالقة في المياه نتيجة التطورات في مضيق هرمز، من بينها قرابة 100 سفينة حاويات، في مؤشر واضح على حجم الاختناق الذي أصاب حركة التجارة البحرية مع تفادي شركات الشحن الكبرى عبور المضيق.
يتزامن ذلك مع إعلان أكثر من نصف أكبر رابطات التأمين البحري في العالم تعليق تغطية مخاطر الحرب للسفن المتجهة إلى الخليج اعتباراً من الخميس المقبل، ما يهدد بزيادة تكاليف الشحن إلى مستويات قياسية.
موانئ الإمارات تحت القصف
ميدانياً، اندلع حريق كبير في مركز الفجيرة لتجارة النفط إثر سقوط حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها، وفق ما أفاد به المكتب الإعلامي في الإمارة.
تُعدّ الفجيرة مركزاً رئيسياً لتزويد السفن بالوقود وأحد أكبر مراكز تخزين وتجارة النفط في الشرق الأوسط، كما ترتبط بخط أنابيب ينقل الخام من حقول أبوظبي إلى بحر العرب، في مسار بديل لتجاوز مضيق هرمز، غير أن طاقته لا تكفي لتعويض كامل التدفقات العابرة للخليج.
وفي ميناء جبل علي، أعلنت “موانئ دبي العالمية” استئناف العمليات بعد تعليق مؤقت كإجراء احترازي، وفق ما نقلته وكالة رويترز. وكان حريق قد اندلع في أحد الأرصفة نتيجة سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض هجمات جوية، ما أدى إلى توقف العمليات في جميع المحطات لفترة وجيزة. ويُعدّ جبل علي أكبر ميناء للحاويات في الشرق الأوسط ومحوراً رئيسياً للتجارة الإقليمية.
وقالت “موانئ أبوظبي” اليوم الأربعاء إن جميع الموانئ والمحطات التي تديرها في الإمارات تواصل عملياتها التشغيلية بشكل كامل، مشيرة إلى أن “ميناء خليفة” سيواصل العمل بطاقته التشغيلية على الرغم من الانخفاض المتوقع في عدد السفن الواردة إليه بسبب تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأضافت أن الغالبية العظمى من أسطولها البالغ 122 سفينة تعمل في مناطق خارج المضيق الحيوي، متوقعة ارتفاع أحجام المناولة عبر شبكتها العالمية المتنوعة نتيجة لتحول مسارات التجارة في ضوء التطورات الإقليمية.
هجوم قرب ميناء سلمان بالبحرين واشتعال سفينة أجنبية
تعرضت منشأة بحرية بالقرب من ميناء سلمان البحريني لهجوم إيراني أسفر عن وقوع حريق سيطرت عليه قوات الدفاع المدني، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية يوم الاثنين بمنشور على منصة “إكس”.
وقالت الوزارة في منشور منفصل إن حريقاً نشب في سفينة أجنبية تحت الصيانة بمدينة سلمان الصناعية جراء سقوط شظايا صاروخ تم اعتراضه وأسفر عن مقتل عامل آسيوي وإصابة اثنين آخرين بإصابات بليغة، مضيفة أنه تمت السيطرة على الحريق وإخماده.
هجومان على ميناء الدقم وقطر توقف إنتاج الغاز
وفي سلطنة عُمان، تعرض ميناء الدقم المطل على بحر العرب لهجومين، أسفر أحدثهما أمس الثلاثاء عن إصابة خزان وقود بطائرات مسيّرة، دون تسجيل خسائر بشرية، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء العُمانية عن مصدر أمني. ويكتسب الميناء أهمية استراتيجية لوقوعه خارج مضيق هرمز وعلى مقربة من طرق الملاحة في المحيط الهندي.
قطاع الغاز بدوره تأثر بالتصعيد؛ إذ أعلنت قطر وقف إنتاج الغاز مؤقتاً بعد تعرض مجمع رأس لفان، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، لهجمات بطائرات مسيّرة، مع خفض عدد العاملين في الموقع. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 54% عقب الإغلاق.
“أرامكو السعودية” تغير مسار شحناتها
أوقفت السعودية بعض وحدات مصفاة رأس تنورة بعد إحباط هجوم بطائرتين مسيّرتين، تسبب سقوط شظاياهما في حريق محدود جرى احتواؤه دون إصابات.
كما أعادت شركة “أرامكو السعودية” تنظيم شحنات النفط الخام مؤقتاً عبر تحويل الكميات المخصصة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في خطوة تستهدف ضمان الإمدادات لعملائها، لا سيما في ظل تحديات تؤثر على دخول بعض الناقلات إلى الخليج العربي، في ضوء إغلاق مضيق هرمز واستهداف أصول الطاقة شرق المملكة.
وفي رد على استفسارات “الشرق”، أوضحت الشركة أنها “عدّلت عمليات شحن الخام لإعطاء الأولوية للسلامة واستمرارية الخدمة والمساعدة في ضمان الموثوقية، وذلك من خلال إعادة توجيه الكميات المخصصة مؤقتاً إلى ينبع كخيار متاح للعملاء غير القادرين على دخول الخليج العربي”.
غير أن البحر الأحمر ليس بمنأى عن المخاطر؛ إذ هددت جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران، باستئناف الهجمات على السفن العابرة لهذا الممر الحيوي. ورغم عدم تسجيل حوادث جديدة حتى الآن، فإن المخاوف دفعت شركات شحن كبرى إلى مراجعة خططها.
وبمجرد وصولها إلى ميناء ينبع، تسلك الشحنات النفطية السعودية أحد اتجاهين: إما جنوباً نحو خليج عدن ثم المحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، ما يضعها في مرمى نيران الحوثيين، وإما شمالاً عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط.
وأعلنت شركات من بينها “إيه بي مولر ميرسك” (AP Moller Maersk) و”هاباغ لويد” (Hapag Lloyd) و”سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) تعليق العبور في قناة السويس وإعادة توجيه سفنها بعيداً عن المنطقة.
واليوم، قالت وحدة شحن الحاويات التابعة لمجموعة كوسكو الصينية إنها علّقت جميع الحجوزات الجديدة من وإلى موانئ الشرق الأوسط، بما يشمل الإمارات والسعودية، بسبب تصاعد الصراع وفرض قيود على الملاحة في مضيق هرمز. وأضافت أن التعليق يشمل أيضاً الخطوط إلى البحرين والعراق والكويت، مع دراسة استخدام موانئ بديلة لتفريغ البضائع الموجودة على السفن.
في المقابل، أكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن الإجراءات التي اتخذتها بعض الخطوط الملاحية مؤقتة ومرتبطة بالتطورات الأمنية، مشيراً إلى أن حركة الملاحة في القناة تسير بصورة منتظمة في الاتجاهين، مع استمرار تقديم الخدمات الملاحية على مدار الساعة، في مسعى للحفاظ على انسياب التجارة العالمية وضمان استدامة سلاسل الإمداد.
لا أضرار مباشرة للموانئ في الكويت والعراق
لم تتضرر الموانئ الكويتية أو العراقية بسبب استهدافات مباشرة، لكن الآثار غير المباشرة لإغلاق مضيق هرمز تجلت في تقليص العراق إنتاج النفط الخام من حقل الرميلة، أكبر حقوله، ومشروع “غرب القرنة 2” بواقع 1.2 مليون برميل يومياً بسبب امتلاء صهاريج التخزين، بحسب ما ذكرته بلومبرغ.
وأضاف أشخاص مطلعون أن العراق يستعد لخفض قرابة 3 ملايين برميل يومياً من الإنتاج إذا استمرت أزمة المضيق.








