تتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتنعكس على أداء أسواق الأسهم في المنطقة ومنها البورصة المصرية في صورة ضغوط بيعية ملحوظة من قبل المستثمرين الأجانب، أثرت على حركة السوق خلال الجلسات الأخيرة.
وتعرض المؤشر الرئيسي EGX30 لتراجعات بلغت نحو 3.45% منذ بداية الأزمة ليغلق عند مستوى 47.5 ألف نقطة بنهاية الأسبوع الماضي، في وقت اتجه فيه المستثمرون الأجانب إلى البيع بصافي 2.886 مليار جنيه خلال الأسبوع المنقضي.
ويأتي ذلك وسط حالة من الحذر التي سيطرت على تعاملات المستثمرين، مع ترقب تداعيات التطورات في المنطقة، بينما يتزايد الحديث داخل السوق حول قدرة الأسهم الدفاعية على الصمود مقارنة بالقطاعات الأكثر حساسية للتوترات الإقليمية، ومدى إمكانية تحول جزء من السيولة الاستثمارية نحو هذه الأسهم كأداة للتحوط وإدارة المخاطر خلال فترات عدم اليقين.
الأسهم الدفاعية أقل حساسية للتقلبات
قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن الأسهم الدفاعية في البورصة المصرية، وعلى رأسها شركات الأدوية، تتمتع بطبيعة خاصة تجعلها أقل تأثراً بالتقلبات السياسية والاقتصادية مقارنة بغيرها من القطاعات.
وأوضح أن هذه الشركات تعتمد في الأساس على تقديم منتجات وخدمات مرتبطة بالاحتياجات الأساسية للمستهلكين، وهو ما يحافظ على استقرار الطلب عليها حتى في أوقات الأزمات أو فترات التباطؤ الاقتصادي.
وأضاف أن هذه النوعية من الأسهم غالباً ما تتميز أيضاً بتوزيعات نقدية مستقرة وجيدة، ما يجعلها خياراً مناسباً للمستثمرين الباحثين عن عوائد دورية والحفاظ على استقرار محافظهم الاستثمارية خلال الفترات التي تتسم بارتفاع مستويات المخاطر.
المصري: تأثير خروج المستثمرين الأجانب محدود في الأجل القصير
ورغم ذلك، أشار المصري إلى أن الأسهم الدفاعية لا تقود عادة موجات الصعود القوية في السوق، نظراً لغياب الطفرات السعرية الكبيرة التي تميز بعض القطاعات الأخرى الأكثر ارتباطاً بالدورات الاقتصادية.
كما لفت إلى أن قطاع الأدوية في البورصة المصرية لا يزال يعاني انخفاض نسبي في السيولة، باستثناء عدد محدود من الشركات الأكثر نشاطاً، وهو ما يقلل من قدرته على التأثير المباشر في حركة المؤشر الرئيسي للسوق، رغم أهميته كأداة دفاعية داخل المحافظ الاستثمارية.
تأثير محدود لخروج الأجانب
وأشار المصري إلى أن تأثير تخارج المستثمرين الأجانب من السوق المصري يظل محدوداً نسبياً في الأجل القصير، خاصة في ظل تراجع وزنهم النسبي داخل السوق خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن المستثمر الأجنبي يميل عادة إلى الخروج سريعاً من الأسواق الناشئة عند تصاعد التوترات الجيوسياسية، كإجراء وقائي لتقليص المخاطر، قبل أن يعاود الدخول مجدداً بعد استقرار الأوضاع حتى وإن كان ذلك عند مستويات سعرية أعلى.
واستبعد أن يكون للأوضاع الجيوسياسية تأثير سلبي طويل الأجل على البورصة المصرية، موضحاً أن الأسواق المالية قد تتحول في بعض الأحيان إلى ملاذ استثماري بديل لبعض المستثمرين، خاصة في ظل صعوبة الوصول المباشر إلى بعض الأصول التقليدية للتحوط مثل الذهب أو الدولار.
وأضاف أن بعض المستثمرين قد يتجهون في هذه الحالات إلى قطاعات تعكس بشكل غير مباشر حركة الأصول الحقيقية، مثل شركات المعادن أو الشركات المصدرة أو القطاع العقاري.
وأكد أن إدخال أدوات مالية جديدة مثل المشتقات المالية وتفعيل آليات البيع على المكشوف يمثل خطوة مهمة في تطوير السوق وتعزيز كفاءته، إذ توفر هذه الأدوات فرصاً أكبر للتحوط وإدارة المخاطر.
كما أشار إلى أن استمرار تطبيق قواعد التداول دون تغيير رغم التوترات الإقليمية يعكس التزام إدارة السوق بآليات العرض والطلب وعدم التدخل في حركة الأسعار، وهو ما يدعم ثقة المستثمرين في السوق على المدى الطويل.
قطاعات قد تستفيد من التوترات
من جانبه، أوضح هاني حمدي، العضو المنتدب لشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، أن الأسهم الدفاعية في السوق المصري لا تقتصر فقط على قطاع الأدوية، بل تمتد أيضاً إلى قطاعات أخرى مثل البترول والأسمدة واليوريا، وهي القطاعات التي عادة ما تحافظ على قدر أكبر من الاستقرار خلال فترات الاضطرابات الجيوسياسية.
وأضاف أن المستثمرين لا ينبغي أن يركزوا فقط على اختيار الأسهم، بل يمكنهم أيضاً اللجوء إلى أدوات استثمارية أخرى ذات طبيعة تحوطية خلال فترات عدم اليقين، مثل صناديق الذهب أو صناديق سوق المال المرتبطة بأذون الخزانة وأدوات الدين، لحين اتضاح الرؤية بشأن تطورات الأوضاع في المنطقة.
وأوضح حمدي أن تأثير خروج المستثمرين الأجانب من السوق المصري يظل محدوداً نسبياً، خاصة مع تراجع وجودهم الفعلي في السوق خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن تحركاتهم غالباً ما ترتبط بعمليات إعادة الموازنة المرتبطة بالمؤشرات العالمية.
حمدى: السوق المصري يمثل وجهة استثمارية جاذبة نسبياً داخل المنطقة
وأشار إلى أن التأثير يتركز بشكل أساسي في عدد محدود من الأسهم القيادية، وعلى رأسها سهم البنك التجاري الدولي، نظراً لارتفاع وزنه النسبي في المؤشر الرئيسي وحجم السيولة المتداولة عليه.
ولفت إلى أن الجزء الأكبر من التداولات في البورصة المصرية يأتي من المستثمرين الأفراد، الذين يمثلون النسبة الأكبر من التعاملات اليومية، إلى جانب صناديق الاستثمار وبعض المؤسسات الإقليمية، وهو ما يمنح السوق قدراً من المرونة في مواجهة موجات التخارج الأجنبية، معتبراً أن السوق المصري قد يمثل وجهة استثمارية جاذبة نسبياً داخل المنطقة.
أدوات التحوط تقلل التخارجات
من جانبها، قالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن موجات التخارج التي يقوم بها المستثمرون الأجانب من الأسواق عادة ما تتزايد مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وهو ما انعكس بوضوح في الضغوط البيعية التي تعرضت لها الأسهم القيادية خلال الجلسات الأخيرة.
وأوضحت أن هذه التحركات تعد رد فعل طبيعي من المستثمر الأجنبي الذي يميل إلى تقليص مراكزه الاستثمارية سريعاً في أوقات عدم اليقين، دون التركيز بشكل كبير على أساسيات الشركات أو قدرتها على تجاوز الصدمات المؤقتة.
وأضافت أن إدخال أدوات مالية جديدة مثل المشتقات المالية قد يسهم في تقليل وتيرة خروج المستثمرين الأجانب مستقبلاً، إذ تتيح لهم أدوات للتحوط داخل السوق بدلاً من اللجوء إلى التخارج الكامل.
وأكدت أن الأسهم الدفاعية عادة ما تكون أكثر قدرة على الصمود خلال فترات الاضطرابات، خاصة في قطاعات مثل الأغذية والدواء، لكنها لفتت إلى أن بعض هذه الشركات قد تتأثر بارتفاع تكلفة الاستيراد نتيجة الاعتماد على مدخلات إنتاج مستوردة، ما قد يضغط على هوامش الربحية.
ضغوط على العملة والسيولة
بدوره، قال معتز الجريتلي، العضو المنتدب لشركة السهم الذهبي لتداول الأوراق المالية، إن التوترات الجيوسياسية الحالية تنعكس بصورة مباشرة على سلوك المستثمرين الأجانب في الأسواق الناشئة، ومن بينها السوق المصري.
وأوضح أن خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين مثل السندات وأذون الخزانة قد يفرض ضغوطاً على مستويات السيولة وأحجام التداول داخل السوق، نظراً لأن المستثمر الأجنبي يمثل عادة قوة شرائية مؤسسية ذات طابع استثماري متوسط إلى طويل الأجل.
وأضاف أن بعض التقديرات تشير إلى خروج نحو 1.2 مليار دولار من استثمارات الأجانب خلال أيام قليلة، الأمر الذي انعكس على تراجع قيمة الجنيه بنحو 2%.
فرص في الأسهم المصدرة
وأشار عمرو الألفي، رئيس قطاع الاستراتيجيات بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إلى أن الأسهم الدفاعية عادة ما تحظى باهتمام أكبر من جانب المستثمرين خلال فترات عدم اليقين، نظراً لانخفاض درجة تذبذبها مقارنة بالسوق.
وأضاف أن بعض الأسهم المرتبطة بالتصدير، مثل شركات الأسمدة النيتروجينية ومصر للألومنيوم، استفادت من ارتفاع سعر الدولار خلال الفترة الماضية، وهو ما يعزز تنافسية الشركات المصدرة ويرفع إيراداتها المقومة بالجنيه.
ضغوط على بعض الشركات الدفاعية
من جانبه، قال عبد الحميد إمام، رئيس قسم البحوث بشركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية، إن الضغوط البيعية التي شهدتها بعض الأسهم القيادية خلال الجلسات الأخيرة تعود في الأساس إلى تحركات المحافظ الأجنبية التي تسعى إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في المنطقة.
وأضاف أن المستثمرين المحليين غالباً ما يتعاملون مع هذه التراجعات باعتبارها فرصاً للشراء، مستفيدين من انخفاض الأسعار في عدد من الأسهم ذات الأساسيات القوية.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن بعض الشركات الدفاعية قد تتأثر بارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج، خاصة مع اعتماد جزء كبير من المواد الخام على الاستيراد، ما يجعل تحركات سعر الصرف عاملاً مهماً في تحديد مستويات الربحية.
توجه دفاعي للمحافظ الاستثمارية
من جانبها، أوضحت سلمى طه، مدير إدارة البحوث بشركة النعيم للوساطة في الأوراق المالية، أن الأزمات الجيوسياسية تاريخياً تدفع المستثمرين إلى تبني سلوكيات استثمارية أكثر تحفظاً، مثل الاتجاه إلى الدولار والذهب بالتزامن مع تصحيحات في أسواق الأسهم.
وأكدت أن البيئة الحالية تشير إلى ارتفاع مستويات التذبذب في البورصة المصرية، مع توسع علاوات المخاطرة، وهو ما يتطلب تبني استراتيجيات أكثر تحفظاً في إدارة المحافظ.
وشددت على أهمية الحفاظ على توجه دفاعي في الفترة الحالية، مع إعطاء الأولوية للشركات المصدرة أو التي تحقق إيرادات بالعملة الأجنبية، إلى جانب الشركات التي تتمتع بقدرة تسعيرية قوية وانخفاض كثافة استهلاك الطاقة.







