تضع التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط الاقتصاد المصري أمام اختبار جديد، في وقت كانت فيه التوقعات تشير إلى تحسن تدريجي في المؤشرات الاقتصادية خلال العامين المقبلين.
وبينما تستهدف الحكومة تحقيق معدلات نمو تتجاوز 5% خلال السنوات المقبلة، تتزايد التساؤلات حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا المسار في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة التجارة العالمية.
وتأتي هذه التساؤلات في لحظة حساسة للاقتصاد المصري، الذي بدأ يسجل مؤشرات تحسن تدريجي بعد سنوات من الضغوط التضخمية وتقلبات سوق الصرف.
وقالت سلمى طه، مدير إدارة البحوث بشركة نعيم للوساطة في الأوراق المالية، إن تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل قد ينعكس على الاقتصاد المصري عبر عدة قنوات رئيسية، في مقدمتها ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضحت أن أي تهديد محتمل لحركة النفط في الخليج، خاصة عبر مضيق هرمز، قد يدفع أسعار خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 100 و120 دولارًا للبرميل، وهو ما يرفع فاتورة استيراد الطاقة لمصر ويزيد الضغوط على الموازنة العامة.
وأضافت أن ارتفاع أسعار النفط قد يفرض تعديلات في أسعار الوقود محليًا، بما ينعكس على هياكل التكلفة في مختلف القطاعات الاقتصادية ويؤدي إلى تسارع الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يدفع البنك المركزي المصري إلى تأجيل دورة التيسير النقدي والإبقاء على مستويات الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
إمام: سلاسل الإمداد واللوجستيات تواجه تحديات مع ارتفاع الطاقة عالميًا
من جانبه قال عبد الحميد إمام، رئيس قسم البحوث بشركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية، إن تداعيات الأزمة بدأت بالفعل في الظهور من خلال ارتفاع أسعار العملات الأجنبية نتيجة تخارج جزء من الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية.
وأضاف أن سلاسل الإمداد واللوجستيات قد تواجه تحديات خلال الفترة المقبلة في ظل ارتفاع أسعار الوقود والطاقة عالميًا، ما سينعكس على تكاليف النقل والتشغيل في العديد من القطاعات الاقتصادية.
وأوضح أن هذه التطورات قد تدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع مجددًا، ما يضع البنك المركزي أمام خيارين؛ إما إيقاف سياسة التيسير النقدي مؤقتًا أو اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى حال تفاقم الضغوط التضخمية.
وأشار إمام إلى أن هذه المستجدات تأتي في وقت بدأ فيه الاقتصاد إظهار مؤشرات تحسن واضحة، حيث سجلت إيرادات السياحة مستويات مرتفعة، كما حققت الصادرات المصرية أداءً جيدًا خلال الفترة الماضية.
لكنه حذر من احتمالات تعرض الصادرات لضغوط خلال الفترة المقبلة نتيجة التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد واللوجستيات وخطوط النقل والموانئ، موضحًا أن تكاليف التشغيل على المصانع مرشحة للارتفاع مجددًا، وهو ما سينعكس بدوره على تكلفة المنتجات وقد يؤدي إلى تراجع نسبي في القوة الشرائية للجنيه.
وأضاف أن جميع القطاعات الاقتصادية ستتأثر بارتفاع التكاليف نتيجة تداعيات الحرب، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.
وأوضح أن حجم التأثير سيتوقف على عدة عوامل، من بينها مدى اعتماد الشركات على المواد الخام المحلية مقارنة بالمستوردة، وكذلك امتلاكها أسواقًا تصديرية خارجية.
في المقابل، بلغ صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري نحو 52.745 مليار دولار بنهاية فبراير 2026، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
كما بدأ البنك المركزي التحول تدريجيًا نحو التيسير النقدي، إذ خفض أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس في أول اجتماعات لجنة السياسة النقدية خلال عام 2026، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 19% وسعر الإقراض إلى 20% وسعر العملية الرئيسية إلى 19.5%.
لكن مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، تتزايد المخاوف من تعرض عدد من المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر لضغوط محتملة، سواء عبر اضطراب الملاحة في الممرات البحرية الحيوية أو ارتفاع أسعار النفط أو خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة بحثًا عن ملاذات أكثر أمانًا.
وتبرز أهمية هذه المصادر في هيكل الاقتصاد المصري، إذ تُعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي للبلاد، حيث تتجاوز عادة 30 مليار دولار سنويًا، فيما تمثل قناة السويس ركيزة أساسية للإيرادات الدولارية بعد أن سجلت إيرادات قياسية قاربت 10 مليارات دولار في السنوات الأخيرة.
كما حقق قطاع السياحة أداءً قويًا خلال عام 2025، إذ استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح بمعدل نمو بلغ 21% مقارنة بعام 2024.
وقال رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن استمرار الحرب لفترة أطول قد يفاقم الضغوط على الاقتصاد، خاصة مع احتمالات ارتفاع تكلفة الواردات نتيجة تحركات سعر الصرف.
وأشار إلى أن الدولار تحرك خلال الأيام الأخيرة من مستويات تقارب 46 جنيهًا إلى ما يزيد على 50 جنيهًا، وهو ما قد ينعكس في صورة ضغوط تضخمية إضافية.
وأوضح أن ارتفاع التضخم المحتمل قد يضع البنك المركزي أمام خيارات صعبة بشأن أسعار الفائدة، إذ قد يضطر إلى رفعها للسيطرة على الضغوط السعرية، وهو ما قد يؤثر بدوره على شهية الاستثمار والاقتراض لدى القطاع الخاص.
خضر: إيرادات قناة السويس مرشحة للتراجع 40 – 60% حال تفاقم الأزمة
بدوره قال سيد خضر، مدير مركز الغد للدراسات الاستراتيجية، إن التوترات الجيوسياسية قد تمثل ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا امتدت الحرب لفترة طويلة.
وأوضح أن أحد أبرز المخاطر يتمثل في تقلبات سعر الصرف، مشيرًا إلى أن تجاوز الدولار مستوى 50 جنيهًا قد يعكس ضغوطًا متزايدة على سوق النقد الأجنبي.
وأضاف أن امتداد الصراع قد يؤثر سلبًا على إيرادات قناة السويس، خاصة إذا تصاعدت التوترات في البحر الأحمر أو تعرضت حركة الملاحة العالمية لاضطرابات، لافتًا إلى أن إغلاق حركة التجارة عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات بنسبة تتراوح بين 40 و60% حال تفاقم الأزمة.
وفي المقابل، أكدت هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي لتقديم الاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، أن الأزمة قد تتيح فرصًا اقتصادية لمصر إذا تم استغلالها بشكل فعال.
وأوضحت أن الموقع الجغرافي لمصر وبنيتها التحتية يمكن أن يعززا دورها كمركز لوجستي يربط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.
كما شددت على أهمية التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والحد من تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
شفيع: تطورات ستدفع المركزي إلى تبني سياسات نقدية أكثر حذرًا
من جانبه قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة أكيومن لإدارة المحافظ، إن التوترات الجيوسياسية الراهنة قد تنعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي في مصر خلال الفترة المقبلة، خاصة في حال استمرار الصراع لفترة أطول.
وأوضح أن تحقيق معدلات النمو المستهدفة خلال عام 2026، والتي كانت تتراوح حول 5% إلى 5.5%، قد يصبح أكثر صعوبة في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية.






