باغتت الصدمة الأولى لحرب إيران كل دول الخليج المجاورة لإيران، لكن ما أحدث فرقاً حقيقياً في الشهر الأول من الحرب كانت الاستعدادات التي اتخذتها بعض دول المنطقة قبلها بسنوات، وعلى رأسها السعودية.
فالمملكة أسرعت إلى محاولة تحصين اقتصادها في وجه الضربات الإيرانية، مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وبرزت كمحور رئيسي لإعادة تنظيم تدفقات النفط والتجارة في المنطقة، مستندة إلى منظومة لوجستية متعددة المسارات طورتها على مدى عقود.
ومع امتداد تداعيات الأزمة إلى سلاسل الإمداد والتجارة والغذاء في الخليج، اتجهت المملكة إلى تفعيل شبكة متكاملة تشمل خطوط الأنابيب والموانئ والنقل البري والسكك الحديدية، إلى جانب حلول تشغيلية في قطاع الطيران، بهدف الحفاظ على انسيابية التدفقات وتخفيف أثر الاضطرابات.
رسائل رسمية تؤكد متانة الاقتصاد
الرسالة الرسمية السعودية الواضحة كانت التأكيد على متانة الاقتصاد مع تصاعد تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة والتجارة، حيث صدرت عن مسؤولين سعوديين تصريحات حملت إشارات حول قدرة المملكة على التعامل مع ضغوط الحرب.
وزير المالية محمد الجدعان قدّم هذا التوجه بشكل مباشر، معتبراً أن ما يحدث اليوم يمثل اختباراً عملياً لجدوى هذه الاستثمارات. وقال: “استثمرنا لعقود من دون عوائد مباشرة، لكن هذه الاستثمارات أصبحت اليوم أداة لإدارة إمدادات الطاقة عالمياً”، في إشارة إلى مشاريع مثل خط الأنابيب “شرق–غرب” الذي بات يلعب دوراً محورياً في إعادة توجيه الصادرات بعيداً عن المسارات المتأثرة.
وفيما يتعلق بقدرة الاقتصاد على الصمود أمام الأزمات الكبرى، أشار الجدعان إلى أن المملكة أظهرت تعافياً ملحوظاً بعد جائحة كورونا، رغم إنفاق أقل نسبياً مقارنة بدول مجموعة العشرين، ما يعكس قوة الأسس الاقتصادية. كما أوضح أن النشاط الاقتصادي لا يزال يسير بشكل طبيعي رغم التحديات العالمية، لافتاً إلى أن المستثمرين يميلون في أوقات الأزمات إلى الاقتصادات الأكثر استقراراً، وهو ما يضع السعودية ضمن هذه الفئة.
السيادي السعودي يتكيف مع المتغيرات
في السياق ذاته، سلطت تصريحات محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان الضوء على البعد الاستثماري في هذه المتانة، إذ أكد أن الوضع الاقتصادي والمالي لا يزال قوياً ومستقراً ومرناً، وكذلك محفظة صندوق الاستثمارات العامة، فهي متنوعة ومرنة هيكلياً”، مضيفاً أن “محفظة الصندوق الاستثمارية تتميز بالتنوع والمرونة، ما يعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية”.
ويعكس دور الصندوق هذا التوجه، إذ تستهدف استراتيجيته الجديدة للسنوات الخمس المقبلة الانتقال من بناء القطاعات الاستراتيجية إلى تحقيق تكامل في المنظومات الاقتصادية وتسريع النمو، بما يضع القطاع الخاص شريكاً في صناعة القيمة، في إطار المرحلة الثالثة من “رؤية 2030” وتعزيز الاستثمار طويل الأمد.
من جهته، أشار وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر إلى أن التوسع في الممرات اللوجستية البديلة يأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى ضمان استمرارية تدفقات التجارة، من خلال ربط موانئ الساحل الغربي بشبكات برية تمتد إلى الأسواق الإقليمية، في إطار مبادرة “المسارات اللوجستية” التي تستهدف تنويع المسارات وتقليل الاعتماد على القنوات التقليدية.
تعكس هذه التصريحات قراءة متماسكة مفادها أن البنية التحتية التي جرى تطويرها على مدى عقود، إلى جانب التنوع الاقتصادي والاستثماري، لم تعد مجرد عناصر دعم طويلة الأجل، بل أدوات تشغيلية تُستخدم فعلياً لإدارة الأزمات والحفاظ على استقرار الاقتصاد.
وعلى صعيد التطورات الفعلية، لم تقتصر الاستجابة على التصريحات، بل تُرجمت إلى خطوات عملية على الأرض، عبر توظيف منظومة لوجستية متكاملة لإعادة تنظيم تدفقات النفط والسلع، وهو ما يتضح في المحاور التالية.
خط شرق–غرب: أكبر هامش مناورة نفطي في المنطقة
في قلب استجابة السعودية لاضطرابات سلاسل الإمداد، يبرز خط أنابيب “شرق–غرب” المعروف باسم “بترولاين” كأحد أهم أدوات المناورة التي تملكها المملكة عند تعطل الملاحة البحرية. فالخط ينقل الخام من منشآت المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يتيح تصديراً مباشراً إلى الأسواق غرباً من دون المرور عبر مضيق هرمز.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 5 ملايين برميل يومياً، مع إشارة إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى إمكانية رفعها مؤقتاً في بعض الظروف عبر تحويل بعض خطوط سوائل الغاز الطبيعي لقبول الخام. ويشكل ذلك نحو ثلاثة أرباع الصادرات السعودية النفطية المعتادة التي بلغت نحو 7 ملايين برميل يومياً في فبراير، ما يمنح المملكة قدرة على تحويل الجزء الأكبر من شحناتها بعيداً عن مضيق هرمز في حالات الطوارئ، وإن كان لا يعفيها بالكامل من تداعيات أي إغلاق مطول.
ويأتي ذلك في وقت يمر فيه عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الخليج، ما يجعل الخط السعودي أحد أهم البدائل البرية المتاحة في المنطقة عند تعطل هذا الممر البحري الحيوي. وقد أنشئ الخط في ثمانينات القرن الماضي لتقليل الاعتماد على هرمز كمعبر رئيسي للصادرات النفطية، ويمتد عبر شبه الجزيرة العربية من حقول النفط الضخمة في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وبذلك، لا يقتصر دور “شرق–غرب” على كونه مساراً بديلاً للتصدير، بل يمثل بنية تحتية استراتيجية تمنح السعودية أكبر هامش مناورة بين دول الخليج في مواجهة اضطرابات الملاحة، وتدعم قدرتها على الحفاظ على تدفق جزء كبير من صادراتها النفطية.
ميناء ينبع: نقطة الارتكاز في إعادة توجيه الصادرات
يمثل ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر نقطة الارتكاز الرئيسية في إعادة توجيه صادرات النفط السعودية، مستفيداً من ارتباطه المباشر بخط أنابيب “شرق–غرب” الذي ينقل الخام من الحقول الشرقية إلى الساحل الغربي، ما يتيح تصديراً مباشراً إلى الأسواق العالمية دون المرور عبر مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات “بلومبرج” قفزة ملحوظة في تدفقات النفط عبر خط “شرق–غرب” خلال مارس، تزامناً مع شبه إغلاق مضيق هرمز، إذ ارتفعت الصادرات المنقولة عبر الخط إلى نحو 3.8 مليون برميل يومياً، مقارنة بمستويات لم تتجاوز 0.8 مليون برميل يومياً في يناير وفبراير.
كما تشير بيانات تتبع السفن التي جمعتها “بلومبرغ” إلى أن متوسط شحنات النفط الخام المخصصة للتصدير من محطتي ينبع الجنوبية والشمالية بلغ نحو 4.4 مليون برميل يومياً، في وقت تسعى فيه المملكة إلى رفع الشحنات إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً.
ويعكس هذا التحول قدرة البنية التحتية في ينبع على استيعاب تدفقات إضافية من النفط، مدعومة بمرافق التخزين والتحميل، إلى جانب موقعه الاستراتيجي الذي يتيح الوصول إلى الأسواق عبر البحر الأحمر ومنه إلى قناة السويس. كما يرسّخ الميناء دوره كمنفذ بديل رئيسي للصادرات النفطية في فترات اضطراب الملاحة، ضمن منظومة متكاملة لإدارة تدفقات الطاقة.
الموانئ على البحر الأحمر: بوابة بديلة للتجارة والغذاء
امتد التحول من النفط إلى التجارة، حيث برزت الموانئ السعودية على البحر الأحمر كمحور رئيسي لإعادة توزيع السلع في المنطقة. فقد أضافت الهيئة العامة للموانئ خمس خدمات شحن ملاحية جديدة، بمشاركة شركات عالمية مثل “MSC” و”CMA CGM” و”ميرسك” و”Hapag-Lloyd”، بطاقة إجمالية تتجاوز 63 ألف حاوية قياسية.
تهدف هذه الخطوة إلى توسيع شبكة الخطوط البحرية العالمية، وزيادة خيارات الشحن وتنوع المسارات، وتعزيز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية، بما يسهم في تقليل أثر الاضطرابات في مضيق هرمز.
أصبحت موانئ مثل جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله وينبع نقاط دخول رئيسية للبضائع القادمة من آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، قبل إعادة توزيعها داخل المملكة أو نقلها إلى دول الخليج.
تعزيزاً لهذه الجهود، قال سليمان المزروع، رئيس الهيئة العامة للموانئ في السعودية لـ”الشرق”، إن المملكة تمتلك بنية لوجستية متطورة في موانئ البحر الأحمر بقدرة استيعابية تتجاوز احتياجاتها واحتياجات الخليج. وأضاف أن الاستثمارات المشتركة مع القطاع الخاص تجاوزت 21 مليار ريال ضمن مستهدفات “رؤية 2030” لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي.
ولفت إلى أن الموانئ توفر مسارات نقل متكاملة تربط البحر بالبر، مع تسهيلات جمركية وسرعة في العبور، بما يدعم انسيابية تدفق السلع في ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد.
وتبرز أهمية هذه التحولات في قطاع الغذاء بشكل خاص، إذ تعتمد دول الخليج على الواردات لتأمين نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، وقد استوردت نحو 30 مليون طن من الحبوب العام الماضي. ومع تعطل المسارات التقليدية، أصبحت الموانئ السعودية نقطة ارتكاز لضمان استمرار تدفق الإمدادات، وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ وتكلفة أعلي.
في سياق متصل، أشار عمر باحليوه، رئيس ديوان الأعمال الأساسية للاستشارات الاقتصادية لـ”الشرق”، إلى أن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها هيئة النقل السعودية، مثل منح السفن استثناء مؤقت من بعض متطلبات الشهادات، تعكس توجهاً استراتيجياً لضمان استمرارية سلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أوسع لتعزيز التكامل بين النقل البحري والبري وتقليل الاعتماد على الممرات الحساسة.
ولا يقتصر هذا الدور على تسهيل مرور السلع، بل يمتد إلى إعادة توجيهها، حيث أكد آنجوس بلير، الرئيس التنفيذي لمعهد “Signet Institute”، إن نمو إعادة التصدير غير النفطي في السعودية يمثل تحولاً استراتيجياً يعزز موقع الموانئ كمراكز لوجستية على غرار سنغافورة وجبل علي، رغم تراجع الصادرات غير النفطية الوطنية بنحو 1.5%. وأضاف في مقابلة مع “الشرق” أنه يتوقع انعكاسات إيجابية على الشركات اللوجستية والصناعية المدرجة، مع بقاء الاستثمار الأجنبي المباشر عنصراً حاسماً لتحقيق مستهدفات رؤية 2030.
وبذلك، يتجاوز دور الموانئ كونه استجابة ظرفية لاضطرابات الشحن، ليعكس تحولاً أوسع في موقع المملكة ضمن سلاسل الإمداد، من نقطة عبور إلى مركز متكامل لإدارة تدفقات التجارة.
السعودية كممر بري لإمدادات الخليج
بعد وصول الشحنات إلى الساحل الغربي، برزت مرحلة النقل البري كحلقة أساسية في استكمال سلسلة الإمداد. فقد بدأت آلاف الشاحنات نقل البضائع من الموانئ إلى وجهاتها النهائية، في تحول يعكس اعتماداً متزايداً على الأراضي السعودية كممر لإعادة توزيع السلع.
ويتم تفريغ الشحنات القادمة من أوروبا في موانئ مثل جدة، ثم نقلها براً إلى دول مثل الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان، في ظل تسهيلات من هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، تشمل تسريع التخليصات وتفعيل أنظمة العبور الجمركي.
هذا النموذج يتيح استمرار تدفق السلع، لكنه يرتبط بزيادة رأس المال العامل نتيجة الحاجة لتخزين كميات أكبر، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
طلب متسارع يدفع السعودية نحو دور إقليمي في التخزين
مع توسع دور المملكة في استقبال وتوزيع السلع، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية يتمثل في إدارة المخزون وتعزيز قدرات التخزين داخل السوق المحلي، في ظل بيئة تتطلب مرونة أكبر في التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد.
في هذا السياق، قال خالد المبيض، الرئيس التنفيذي لشركة “منصات العقارية” في مقابلة مع “الشرق”، إن الطلب على المستودعات في السعودية يشهد تسارعاً ملحوظاً، مدفوعاً بأهمية الموقع الجغرافي وتنوع البنية اللوجستية، مع توجه الشركات إلى تعزيز مخزونها داخل المملكة لضمان استقرار سلاسل الإمداد، بما يدعم نمو القطاع ويعزز مكانته كمحور إقليمي للتخزين.
وأضاف أن الطلب على القطاع اللوجستي لم يكن وليد الأزمة الحالية، بل كان يشهد نمواً متزايداً حتى قبلها، إلا أن التطورات الأخيرة سرّعت هذا الاتجاه، مع توجه شركات، من بينها شركات في قطاعي البتروكيماويات والتجزئة، إلى تعزيز وجودها داخل المملكة للحفاظ على استقرار الإمدادات، مشيراً إلى أن الحرب عززت من توجه الشركات نحو البحث عن مخازن آمنة للإمدادات.
يعكس ذلك تحولاً أوسع في سلوك الشركات، من الاعتماد على سلاسل إمداد ممتدة إلى تبني استراتيجيات تقوم على بناء مخزون أقرب إلى الأسواق، في محاولة لتقليل التعرض للاضطرابات العالمية.
يتقاطع هذا الاتجاه مع ما قاله وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر في حديث سابق لـ”الشرق”، إذ أشار إلى أن السعودية تسعى إلى التقدم ضمن أفضل عشر دول على مؤشر الأداء اللوجستي العالمي، بعد أن قفزت 17 مركزاً لتصل إلى المرتبة 38 من بين 160 دولة، مدعومة بتحسن مؤشرات الكفاءة والبنية التحتية والتتبع.
وبلغت الاستثمارات في القطاع حتى نهاية 2025 نحو 280 مليار ريال، فيما ارتفعت مساهمة أنشطة النقل والتخزين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 6.2%، بالتوازي مع توسع البنية التحتية وارتفاع عدد المناطق اللوجستية إلى 30 منطقة، في مؤشر على تنامي دور القطاع في الاقتصاد.
بذلك، لا يقتصر الدور اللوجستي للسعودية على تسهيل مرور السلع، بل يمتد إلى إدارة المخزون نفسه، في تحول يعزز مكانتها كمركز إقليمي متكامل لسلاسل الإمداد في ظل بيئة عالمية تتزايد فيها الحاجة إلى حلول أكثر مرونة واستقراراً.
ممر الشارقة–الدمام: تنظيم الحركة التجارية داخل المنطقة
في لحظة تتعرض فيها مسارات الشحن التقليدية لاختناقات متزايدة، برز ممر “الشارقة–الدمام” كأحد الحلول التشغيلية السريعة لإعادة توجيه التدفقات التجارية داخل المنطقة. فقد أعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية “موانئ” إطلاق هذا المسار، الذي يربط بين أحد أهم المراكز اللوجستية في الإمارات والواجهة الشرقية للمملكة.
ويقوم الممر على نموذج متكامل يجمع بين النقل البحري والبري عبر مسار مباشر، ما يختصر زمن الرحلة ويمنح الشركات قدرة أعلى على التخطيط. كما يساهم في إعادة توزيع الشحنات بكفاءة أكبر داخل الأسواق الإقليمية، عبر نقطة دخول منظمة ومتصلة بشبكة النقل داخل المملكة.
ولا يقتصر دور هذا المسار على كونه بديلاً مؤقتاً، بل يعكس توجهاً أوسع نحو بناء شبكة لوجستية أكثر ترابطاً، مدعومة بشراكات مع القطاع الخاص، من بينها شركة “غلفتينر” (Gulftainer)، بما يدعم موثوقية الخدمات وتكامل شبكة النقل.
السكك الحديدية: رفع الكفاءة وتوسيع القدرة الاستيعابية
مع تزايد الاعتماد على النقل البري، برزت الحاجة إلى حلول أكثر كفاءة، وهو ما دفع إلى توسيع دور السكك الحديدية. فقد منحت الهيئة العامة للنقل شركة “سار” ترخيصاً لتشغيل قطارات حاويات إضافية، ما يرفع القدرة الحالية التي تتجاوز 2500 حاوية يومياً.
ويكتسب هذا التوسع أهمية أكبر في ظل التحول المتسارع نحو الموانئ السعودية على البحر الأحمر كنقاط دخول بديلة للسلع، حيث لم يعد هذا التحول نظرياً، بل بدأ يتجسد عملياً مع انتقال كميات كبيرة من البضائع عبر هذه المسارات.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية للقطار الواحد أكثر من 400 حاوية، ما يجعل النقل عبر السكك خياراً أكثر كفاءة للمسافات الطويلة مقارنة بالشاحنات، خاصة في ظل تدفق البضائع عبر الموانئ الغربية.
كما يسهم هذا التوجه في تقليل الضغط على الطرق، في وقت بدأت فيه آلاف الشاحنات بالفعل نقل البضائع من الساحل الغربي إلى دول مثل الكويت والبحرين، مع اعتماد متزايد على الأراضي السعودية كممر بري لتأمين الواردات، ما يعزز دور السكك الحديدية كحل مكمل وأكثر كفاءة ضمن منظومة النقل.
امتداد شمالي للشبكة: ممر سككي يعزز الربط مع الأردن
في امتداد لشبكة الممرات اللوجستية داخل المملكة، أطلقت الخطوط الحديدية السعودية “سار” ممراً لوجستياً عبر قطارات البضائع يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الشمالية، ما يعزز الربط مع الأردن ويدعم حركة التجارة مع أسواق المنطقة.
ويمتد المسار لأكثر من 1700 كيلومتر، مع تقليص زمن الرحلة إلى نحو النصف مقارنة بالنقل البري التقليدي، فيما تتجاوز الطاقة الاستيعابية للقطار الواحد 400 حاوية نمطية، ما يدعم كفاءة نقل البضائع عبر مسار بري عالي القدرة.
يأتي هذا التطور ضمن توجه أوسع لتنويع مسارات التجارة، ويُعدّ ثاني ممر لوجستي يتم إطلاقه خلال أقل من أسبوع بعد تدشين ممر “الشارقة–الدمام”، في مؤشر على تسارع بناء شبكة نقل متكاملة تجمع بين البحر والبر والسكك الحديدية.
حلول جوية: استجابة تشغيلية للقيود على الحركة الجوية
إلى جانب إعادة توجيه تدفقات النفط والتجارة عبر البحر والبر، امتدت الاستجابة إلى قطاع الطيران، حيث برزت حلول تشغيلية لتجاوز القيود التي فرضتها التطورات الأمنية على حركة الطيران في المنطقة، خصوصاً مع إغلاق أو تقييد بعض المجالات الجوية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالتحليق فوق مناطق التوتر.
في هذا السياق، بدأت بعض شركات الطيران الإقليمية في تعديل أنماط تشغيلها، من خلال استخدام مطارات سعودية داخلية كنقاط بديلة للهبوط أو إعادة التوجيه، بدلاً من الاعتماد الكامل على مطاراتها الرئيسية. ويظهر ذلك في حالات مثل استخدام مطارات شمال المملكة، ومنها مطار القيصومة، كنقاط تشغيل مؤقتة، تتيح استمرارية الرحلات رغم القيود المفروضة على المسارات الجوية التقليدية.
هذا التحول يعكس نمطاً عملياً لإدارة المخاطر التشغيلية، إذ تتيح هذه المطارات مرونة في إعادة توزيع الرحلات وتفادي المناطق ذات المخاطر المرتفعة، إلى جانب تقليل احتمالات الإلغاء الكامل للرحلات، خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على استمرارية حركة المسافرين والبضائع.
كما يعزز هذا الاستخدام البديل من دور البنية التحتية الجوية داخل المملكة، التي تشمل شبكة من المطارات القادرة على استيعاب رحلات تجارية وخدمات لوجستية، ما يوفر خيارات إضافية لشركات الطيران في حالات الطوارئ أو الاضطرابات.
ولا يقتصر أثر هذه الحلول على الجانب التشغيلي، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد المرتبطة بالشحن الجوي، إذ يتيح استمرار تشغيل الرحلات الحفاظ على تدفق السلع ذات الحساسية الزمنية، مثل المنتجات الطبية والسلع عالية القيمة، في وقت تتعرض فيه مسارات النقل الأخرى لضغوط متزايدة.
زخم اقتصادي ومرونة مالية يدعمان الاستجابة
تستند تلك التحركات إلى قاعدة اقتصادية ومالية تعزز قدرة السعودية على التعامل مع تداعيات الأزمة، سواء على مستوى تدفقات النفط أو استقرار الاقتصاد الكلي. فقد أكدت وكالة “إس آند بي غلوبال ريتنغز” تثبيت التصنيف الائتماني للمملكة عند “A+” مع نظرة مستقبلية مستقرة.
أوضحت الوكالة أن هذا التقييم يعكس “توقعاتنا بقدرة السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن”، مستندة إلى مجموعة من العوامل، أبرزها قدرة المملكة على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب “شرق–غرب”، إلى جانب الاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، التي تُقدّر بنحو 30 مليون برميل.
في هذا الإطار، أشارت “إس آند بي” إلى أن خط الأنابيب يمكن أن يلعب دوراً أكبر في حال تصاعدت الأزمة، إذ يمكن رفع طاقته إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً إذا تم تحويل خط الغاز الموازي لنقل النفط، كما حدث في عام 2019. كما لفتت الوكالة إلى أن السعودية تحتفظ بطاقة إنتاج احتياطية تتراوح بين 2 و3 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى مخزونات نفطية كبيرة يمكن استخدامها لدعم الإمدادات في حال حدوث أي انقطاع.
ولا تقتصر عناصر المرونة على الداخل، إذ تمتلك المملكة أيضاً قدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك شركات تابعة مثل “إس-أويل” في كوريا الجنوبية و”موتيفا” في الولايات المتحدة، وهو ما وصفته الوكالة بأنه يوفر “طبقة أخرى من المرونة” في إدارة الإمدادات.
وبحسب السيناريو الأساسي الذي طرحته “إس آند بي”، فإن التهديدات الرئيسية الناتجة عن الأزمة يُتوقع أن تبدأ بالتلاشي تدريجياً مع تراجع التوترات، ما يدعم قدرة الاقتصاد على استعادة توازنه، خاصة مع إمكانية زيادة الإنتاج بعد إعادة فتح المسارات البحرية بالكامل.
على مستوى الأداء الاقتصادي، تشير البيانات إلى أن الاقتصاد السعودي دخل الأزمة بزخم قوي، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 5% في الربع الأخير من عام 2025، وهو الأعلى خلال عام، مدعوماً بارتفاع نمو القطاع النفطي بنسبة 10.8% على أساس سنوي، وهو أسرع معدل في أكثر من ثلاث سنوات، إلى جانب نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.3%، ما يعكس تنوع مصادر النمو.
تدعم هذه المؤشرات توقعات المؤسسات الدولية، إذ رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 4.3% في 2025 و4.5% في 2026، في حين تتوقع “إس آند بي” نمواً عند 4.4% هذا العام، ومتوسطاً يبلغ 3.3% خلال الفترة من 2027 إلى 2029، مع الإشارة إلى أن زخم النمو غير النفطي والإيرادات المرتبطة به، إلى جانب القدرة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع “رؤية 2030″، من شأنه دعم المسار المالي.







