بدأت، الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الصين، وسط تحليلات للموقف العالمي بعد حرب إيران.
فلم تقتصر تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، على زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وإشعال شرارة ارتفاعات شديدة في أسعار الطاقة وغيرها من السلع، وتعطيل الاقتصاد العالمي فحسب، بل جعلت حلفاء الولايات المتحدة وخصومها يندفعون في الاستجابة لقوة عظمى لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها ولا الاعتماد عليها.
والنتيجة هي عملية إعادة ترتيب تاريخية للأوضاع الجيوسياسية، والتي ستغير موازين القوى العالمية خلال العقد المقبل.
بطبيعة الحال، ستكون التأثيرات المترتبة على الحرب أكثر مباشرة وعمقا في المنطقة التي تدور فيها، وقد ساعدت بالفعل في إقناع عدد كبير من دول الخليج العربية بأن مجلس التعاون الخليجي ــ وهو ترتيب دبلوماسي واقتصادي وأمني فضفاض طالما لاحقته الصراعات الداخلية ــ لم يعد صالحا للغرض منه، بحسب ما نقله موقع “بروجكت سنديكيت”.
الإغلاق الفعلى لمضيق “هرمز” يفرض تكاليف مرتفعة على الاقتصادات الآسيوية
تعمل الحرب أيضا على زيادة حدة التنافس بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي أعلنت مؤخرا عن نيتها إنهاء عضويتها في منظمة الدول الـمُصَدِّرة للبترول “أوبك”، التي دامت قرابة 6 عقود من الزمن.
وستصطف الإمارات العربية المتحدة الآن بدرجة أوثق مع إسرائيل فيما يتصل بالاستخبارات، والتكنولوجيا، والأمن، على أمل تعجيز النظام الإيراني.
على النقيض من ذلك، ستحاول المملكة العربية السعودية إيجاد سبل للعيش بسلام جنبا إلى جنب مع الجمهورية الإسلامية من خلال السعي إلى توثيق التحالف العسكري مع باكستان المسلحة نوويا، وكذا مع مصر وتركيا، والتنسيق بشكل أوثق مع الصين، كما ستحاول هاتان الكتلتان الحفاظ على علاقاتهما الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة؛ لكن ذلك لن يكون سهلا كما كان في السابق.
يتمثل أحد تأثيرات الحرب الأكثر مباشرة ووضوحا، في تسببها في تقويض الأساس الذي تقوم عليه عملية اتخاذ القرار المنسقة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
ثم هناك العلاقة عبر الأطلسية المتداعية.
ففي وقت حيث تغذي الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا القلق والانزعاج في مختلف أنحاء أوروبا، يُـوَلِّد القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتركيز على إيران ــ ثم الهجوم بضراوة على القادة الأوروبيين لامتناعهم عن تقديمهم المساعدة ــ زخما جديدا نحو ترتيب دفاعي جماعي أوروبي خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو).
اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تشعر بقلق متزايد من هشاشة الضمانات الأمريكية طويلة الأمد
صحيح أن دونالد ترامب، من غير المرجح أن يحاول سحب الولايات المتحدة من التحالف عبر الأطلسي، وأن مجلس الشيوخ الأمريكي قادر على منع مثل هذه الخطوة قانونا، لكن إعلان ترامب في الأول من مايو بأن الولايات المتحدة ستسحب 5000 من قواتها البالغ عددها 36 ألف جندي المتمركزة في ألمانيا، والذي جاء بعد أيام قليلة من انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس للحرب، تسبب في مزيد من القلق والانزعاج في مختلف أنحاء القارة.
كما تجاهل ترامب، اعتراضات أوروبية على تعليق بعض العقوبات المفروضة على روسيا.
والنتيجة، انقسامات أشد عمقا داخل التحالف الغربي، وتنامي المخاوف الأوروبية من أن البيت الأبيض قد يدفع في نهاية المطاف ، في اتجاه التوصل إلى تفاهم أمني بين الولايات المتحدة وروسيا.
هذا الاحتمال يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، سببا كافيا لمواصلة حربه في أوكرانيا، على أمل أن تتمكن روسيا في نهاية المطاف من تحقيق اختراق مع انهيار “الناتو”.
وفي مختلف أنحاء آسيا، يفرض الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز تكلفة اقتصادية باهظة، مثلهم كمثل شركاء أمريكا التاريخيين في أوروبا، يشعر حلفاؤها بانعدام الأمان بشأن التزامات إدارة ترامب الأمنية والاقتصادية الأبعد أمدا، لكن البدائل لدى دول مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان أقل من تلك الموجودة لدى ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا.
فلا يوجد حلف آسيوي شبيه بالناتو يربطها بواشنطن، ولا أي مؤسسة شبيهة بالاتحاد الأوروبي تربطها ببعضها بعضا.
علاوة على ذلك، تواجه جميعها ضغوطا ناجمة عن قوة الصين الاقتصادية، والتكنولوجية، والعسكرية (المتنامية).
آسيا تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل صعود الصين الاقتصادى والعسكرى
تتصرف الصين الآن بشكل أكثر حزما في التعامل مع الحزب الحاكم في تايوان والحكومة اليابانية.
وهذه العوامل وغيرها تحد بشكل كبير من إمكانية أن يحذو حلفاء أمريكا في آسيا حذو الأوروبيين نحو المزيد من الاستقلال عن الولايات المتحدة.
أما عن الصين ذاتها، فقد امتنع الرئيس الصيني شي جين بينج ـ إدراكا منه لحقيقة تباطؤ الاقتصاد، وأن مغامرات “ترامب” و”بوتن” لم تخدمهما ـ عن استغلال لحظة تشتت انتباه أمريكا لخوض مغامرات جديدة.
وبدلا من ذلك، من المرجح أن يغدق على “ترامب”، بمظاهر الاحتفال في زيارته لبكين حاليا، سعيا إلى الحصول على تَـنَصُّـل أمريكي صريح من مطالبات تايوان بالاستقلال.
في المقابل، قد يتعهد “شي” بالتزامات صينية ضخمة بشراء سلع أمريكية.
الواقع أنه حتى أقرب مستشاري “ترامب”، لا يمكنهم الجزم بأنه قد يقاوم هذا الإغراء، وغني عن القول إن حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأماكن أخرى سيراقبون الوضع عن كثب.
وأسهمت الحرب مع إيران أيضا، في التعجيل بتحول مهم آخر يؤثر على الصين، فقد أظهرت لقادة إيران والعالم، مدى سهولة ورخص تكلفة إغلاق مضيق هرمز الحيوي استراتيجيا أمام تجارة النفط والغاز.
ولا يخلو الأمر من مخانق أخرى، مثل باب المندب، الذي يفصل اليمن عن أفريقيا، وحتى مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، جميعها من الممكن أن تدخل في اللعبة.
فضلا عن ذلك، يأتي هذا في وقت حيث أصبحت الصين رائدة عالمية بلا منازع في مجال الطاقة المستدامة، والمركبات الكهربائية، والبطاريات، والمعادن الـحَرِجة وعمليات إعادة المعالجة التي تدعمها.
الصراع فى الشرق الأوسط يفرض أكبر تحول منذ نهاية الحرب الباردة
إن تحول الصين التاريخي نحو إنتاج طاقة ما بعد الكربون، يجعلها أكثر جاذبية بدرجة كبيرة في نظر مستوردي الطاقة على مستوى العالم.
الجميع في احتياج إلى مزيد من الطاقة، وبينما يمنح ذلك الولايات المتحدة (والدولار الأمريكي) فوائد قصيرة الأجل بصفتها أكبر منتج للهيدروكربونات في العالم، فإن نقاط الضعف التي كشفت عنها الحرب تخلق فرصا هائلة أطول أمدا للصين.
لكل هذه الأسباب، سيكون الأثر الناجم عن الصراع الذي لايزال مستشعرا في الشرق الأوسط في تحويل الشراكات الدولية وتوازن القوى العالمي أبعد وأعظم مقارنة بأي حدث آخر منذ نهاية الحرب الباردة.







