على مدار العقد الماضي، قامت الدول بالاستثمار في أنظمة الدفع الحديثة بشكل مكثف، وأصبحت أنظمة الدفع السريع متاحة على نطاق واسع حتى في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وفي كثير من الأسواق الناشئة، بات أغلب البالغين يمتلكون بطاقات خصم أو محافظ إلكترونية أو حسابات مصرفية.
نظرياً، “البنية التحتية” للمدفوعات الرقمية باتت جاهزة.
لكن بمجرد دخولك إلى متجر صغير في الحي، يتغير الوضع تماماً؛ حيث لا يزال النقد أو “الكاش” هو السائد.
تُستخدم الحسابات الرقمية بشكل أساسي لسحب الأموال، وليس للدفع.
الفجوة هنا ليست في “الوصول” إلى الخدمة، بل في “قبولها” من قبل التجار.
هذه المشكلة ليست جديدة، ولا تتعلق بالتكنولوجيا، بل بتوفير أدوات الدفع الرقمي لأصحاب الأعمال الصغيرة في القطاعات والمناطق المهمشة، لجعل المدفوعات أكثر شمولًا وانتشارا، مما يسهم بدوره في بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على خلق فرص العمل.
العائق الحقيقي: صغار التجار
تعتبر المدفوعات الرقمية سوقاً ذات جانبين: قد يمتلك المستهلكون البطاقات أو المحافظ الإكترونية، ولكن بدون تجار يمتلكون القدرة على قبولها ويرغبون بذلك، يتوقف استخدامها.
بالنسبة للتجار الصغار، فالعوائق حقيقية: قيمة معاملات منخفضة، وهوامش ربح ضئيلة، وتكاليف تسجيل وأجهزة ورسوم خدمات متراكمة.
أما بالنسبة لمزودي خدمات الدفع، فغالبًا ما تكون خدمة هؤلاء التجار غير مربحة—على الأقل في البداية.
ومع ذلك، حين يقبل التاجر الصغير الدفع الرقمي، يربح الجميع: المستهلك يستخدم حسابه بشكل أكبر، النشاط التجاري يصبح أكثر وضوحاً وقدرة على الوصول لخدمات مثل الائتمان، والحكومات تشهد مزيدًا من الشفافية.
باختصار، يتجذر الاقتصاد الرقمي بشكل أعمق.
إذن، لماذا لا يُصلح السوق وضعه تلقائيا؟
معضلة “العمل الجماعي”
إن توسيع نطاق قبول التجار للمدفوعات الرقمية يُحقق مكاسب على مستوى الاقتصاد ككل، ولكن لا يستحوذ أي مزود خدمة بمفرده على حصة كافية من هذه المكاسب لتبرير الاستثمار الأولي الضخم.
والنتيجة هي التردد، والتجارب المجزأة، وبرامج الدعم قصيرة الأجل التي نادرًا ما تتوسع.
هذا التحدي يشبه إلى حد كبير ما حدث قبل سنوات في قطاع الاتصالات؛ حيث توسعت شبكات الهاتف المحمول بسرعة في المناطق الحضرية المزدهرة، بينما تخلفت المناطق الريفية وذات الدخل المنخفض عن الركب.
وكان الحل هو “التمويل الجماعي” عبر آليات الخدمة الشاملة.
حل عملي: صناديق تطوير قبول المدفوعات الرقمية (ADF)
تقوم فكرة “صندوق تطوير قبول المدفوعات الرقمية” على مبدأ بسيط: آلية منسقة ومحددة زمنيًا لتجميع الموارد وتعزيز قبول المدفوعات الرقمية في المناطق التي تشهد تباطؤًا في السوق
بدلاً من الجهود المشتتة، يجمع الصندوق كلاً من الأطراف المعنية—كجهات إصدار البطاقات، ومحصلي المدفوعات، وشبكات الدفع، والسلطات العامة—لتمويل قبول المدفوعات في المناطق أو القطاعات المهمشة.
الهدف ليس الدعم الدائم، بل خلق “الزخم”: مساعدة السوق للتوسع أو للوصول إلى الحجم المطلوب، ثم الانسحاب.
وقد أثبت هذا النهج نجاحه:
في بولندا، أسهم صندوق بقيادة القطاع في توسيع نطاق قبول المدفوعات الرقمية بشكل كبير، في حين شهدت المدفوعات الرقمية نموًا مذهلا، بينما تراجع نمو استخدام النقد أو “الكاش”.
وفي الهند، قام صندوق وطني أنشأه بنك الاحتياطي الهندي بدعم التوسع الكبير لنقاط قبول المدفوعات الرقمية في المناطق التي تعاني من نقص الخدمات، مما سرّع من إقبال التجار على المدفوعات الرقمية. في ماليزيا، تضاعف تقريبا معدل نمو أجهزة نقاط البيع (POS).
الدرس واضح: الاستثمارات الجماعية المدروسة بشكل جيد، حتى وإن كانت متواضعة، يمكنها أن تُحدث أثرًا كبيراً.
ما الذي يجعل هذه الصناديق فعّالة؟
تشير التجارب في مختلف البلدان إلى بعض المبادئ البسيطة:
الوضوح والتحديد الزمني: تُحقق الصناديق أفضل النتائج عندما تُحدد الأهداف وخطط الخروج مُسبقًا.
مواءمة السياسات والإجراءات التنظيمية: تُحقق التدخلات أثرًا أكبر عند ربطها مُبكرًا بالتزامات ملموسة لتطوير القبول.
الحوكمة الشفافة: بناء الثقة أمر أساسي عند مساهمة جهات فاعلة متعددة.
توجيه الحوافز بدقة : يجب أن يقوم الدعم بتحفيز التبني، لا أن يحل محل نماذج الأعمال الناجحة.
اعتماد تقنيات منخفضة التكلفة: الأدوات الميسورة التكلفة والقابلة للتطوير تجعل القبول مستدامًا.
تتبع “استخدام” الأجهزة وليس فقط “انتشارها”: فالأجهزة غير المستخدمة لا تحقق الشمول.
في بعض الدول، يمكن للقطاع الخاص تنظيم هذه الآليات. وفي حالات أخرى، لا سيما حيث تكون العوائد الأولية منخفضة وتواجه تحديات العمل الجماعي، يمكن للبنوك المركزية أو وزارات المالية أن تلعب دورًا محوريًا من خلال جمع أصحاب المصلحة وتنسيق الحوافز.
من البنية التحتية إلى الشمول المالي
إن بناء “بنية تحتية” للمدفوعات الرقمية ليس إلا نصف المهمة.
فالأثر الحقيقي يكمن بوصول هذه البنية التحتية إلى أصغر التجار—حيث تتم المعاملات اليومية. حينها فقط، تتحول المدفوعات الرقمية من كونها مجرد “خدمة متاحة” إلى “خدمة مُستخدمة”، ويتحول الاستثمار في البنية التحتية إلى شمول مالي.








