أدعو لعقد مؤتمر أو مجلس قومى لإصلاح منظومة المعاشات
يمثل نظام التأمين الاجتماعى أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى فى أى دولة حديثة، باعتباره الآلية التى تضمن الحد الأدنى من الحماية للعاملين وأصحاب المعاشات ضد مخاطر الشيخوخة والعجز والوفاة والبطالة.
وفى مصر، يكتسب هذا الملف حساسية خاصة فى ظل التغيرات الديموغرافية المتسارعة، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع الاقتصاد غير الرسمى، إلى جانب الضغوط المستمرة على المالية العامة للدولة.
وبالرغم من الخطوات التى اتخذتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة لإعادة هيكلة المنظومة، خاصة بعد صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، فإنَّ النظام لا يزال يواجه تحديات هيكلية عميقة تتعلق بالتمويل والاستدامة وكفاءة الإدارة وعدالة التغطية.
ومن ثم، فإن إصلاح نظام التأمين الاجتماعى لم يعد مجرد خيار إدارى، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية تفرضها متطلبات الاستقرار طويل الأجل.
وجود نظام تأمينى قوى يرفع معدلات الادخار ويوفر تمويلاً طويل الأجل للاستثمار
ولقد عانى نظام التأمينات الاجتماعية فى مصر لعقود من اختلالات تراكمية، نتيجة استخدام أموال التأمينات فى تمويل عجز الموازنة العامة ومشروعات حكومية، بدلاً من استثمارها وفق قواعد اكتوارية مستقلة تحقق عوائد مستدامة.
وقد أدى ذلك إلى تشابك مالى معقد بين الخزانة العامة وصناديق التأمينات، وقد حدث ذلك بأوامر من وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالى فى حكومة ما قبل ثورة يناير 2011.
كما أن النظام صُمم فى الأساس خلال حقبة كانت فيها معدلات التوظيف الحكومى مرتفعة، وعدد المتقاعدين أقل مقارنة بعدد المشتركين. لكن مع تراجع التعيينات الحكومية، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، أصبحت المعادلة أكثر صعوبة؛ حيث يزداد عدد أصحاب المعاشات بوتيرة أسرع من نمو قاعدة الممولين.
إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من سوق العمل المصرى يعمل خارج المظلة الرسمية، ما يحرم النظام من ملايين المشتركين المحتملين، ويضعف موارده التمويلية.
وتكمن المشكلة الجوهرية فى أن نظام التأمين الاجتماعى يعتمد بصورة أساسية على الاشتراكات الجارية لتمويل المعاشات الحالية، وهى صيغة تصبح أكثر هشاشة مع تراجع معدلات التشغيل الرسمى، وارتفاع أعداد المستفيدين.
وتواجه المنظومة عدة ضغوط مالية رئيسية:
1- اتساع فجوة الاشتراكات والمعاشات
الزيادات المتكررة فى المعاشات، خاصة فى ظل موجات التضخم، أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على الصناديق التأمينية. وفى المقابل، فإن نمو الأجور الرسمية والاشتراكات لا يواكب هذه الزيادات بالسرعة نفسها.
2- ضعف العائد على استثمارات أموال التأمينات
بالرغم من ضخامة الأصول التأمينية، فإنَّ العائد الاستثمارى لفترات طويلة ظل أقل من معدلات التضخم، ما أدى إلى تآكل القيمة الحقيقية للأموال التأمينية.
3- الاقتصاد غير الرسمى
تشير تقديرات عديدة إلى أن الاقتصاد غير الرسمى يمثل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادى فى مصر، ما يعنى أن ملايين العمال لا يسددون اشتراكات تأمينية، رغم استفادتهم غير المباشرة من الخدمات العامة.
4- التغيرات الديموغرافية
ارتفاع متوسط العمر المتوقع يعنى أن الدولة تدفع معاشات لفترات أطول، بينما تتراجع معدلات الخصوبة تدريجياً، وهو ما يضغط على التوازن الاكتوارى للنظام.
ثالثاً: المشكلات الهيكلية للنظام
1- انخفاض قيمة المعاشات
بالرغم من الزيادات الدورية، فإنَّ القوة الشرائية للمعاشات تتآكل بفعل التضخم، ما يجعل شريحة واسعة من أصحاب المعاشات قريبة من خط الفقر.
2- تعقيد الإجراءات
لا تزال البيروقراطية تمثل تحدياً أمام المؤمن عليهم، سواء فى التسجيل أو صرف المستحقات أو تسوية المعاشات.
3- ضعف الشمول التأمينى
العمالة الموسمية، والعمالة الحرة، والعمالة الرقمية الجديدة، ما زالت خارج التغطية بصورة كبيرة.
4- غياب الإدارة الاستثمارية الاحترافية
تحتاج أموال التأمينات إلى إدارة مستقلة تعتمد على قواعد استثمار حديثة ومتنوعة، بدلاً من التركيز التقليدى على أدوات الدين الحكومى فقط. وهناك تجارب عالمية فى كيفية إدارة أموال المعاشات، ويمكن الاستفادة من خبرات منظمة العمل الدولية فى ذلك
رابعاً: ما الذى تغير بعد قانون 2019؟
جاء قانون التأمينات والمعاشات الجديد لمحاولة معالجة عدد من الاختلالات التاريخية، ومن أبرز ما تضمنه:
• توحيد القوانين التأمينية المتعددة فى إطار تشريعى واحد.
• وضع آلية تدريجية لرفع سن المعاش.
• تسوية جزء كبير من المديونية التاريخية المستحقة لصناديق التأمينات لدى الخزانة العامة.
• توسيع مظلة التأمين لتشمل فئات جديدة.
• ربط زيادة المعاشات بمعدلات التضخم ضمن حدود معينة.
لكن بالرغم من أهمية هذه الخطوات، فإنَّ نجاح الإصلاح الحقيقى يعتمد على التطبيق الفعلى وكفاءة الإدارة والاستدامة التمويلية.
ولا يمكن إنقاذ النظام دون دمج الاقتصاد غير الرسمى تدريجياً، ويتطلب ذلك اتباع نهج ما فعلته مصلحة الضرائب من توسيع قاعدة الممولين عن طريق:
• تبسيط إجراءات التسجيل.
• خفض تكلفة الاشتراك للفئات منخفضة الدخل.
• تقديم حوافز ضريبية وتأمينية للمشروعات الصغيرة.
وينبغى إدارة أموال التأمينات عبر صندوق استثمارى محترف يتمتع باستقلالية وشفافية، مع تنويع الاستثمارات بين الأسهم، والسندات، وأدوات الدين الحكومى والعقارات وغيرها من الفرص الاستثمارية. كما أن الرقمنة يمكن أن تخفض التهرب التأمينى، وتحسن كفاءة التحصيل والصرف، وتحد من الفساد الإدارى.
4- تطوير نظم المعاشات التكميلية
فالاعتماد الكامل على المعاش الحكومى لم يعد كافياً. ومن ثم، يجب تشجيع نظم الادخار التقاعدى الخاصة وصناديق المعاشات المهنية.
6- تعزيز الشفافية
ويتطلب ذلك ضرورة إصدار تقارير دورية معلنة حول الوضع المالى والاكتوارى للصناديق التأمينية، ما يعزز الثقة العامة، ويشجع على الالتزام بالسداد.
فإصلاح التأمينات الاجتماعية لا يتعلق فقط بحماية أصحاب المعاشات، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الكلى. فوجود نظام تأمينى قوى يرفع معدلات الادخار المحلى، ويوفر تمويلاً طويل الأجل للاستثمار، ويحد من معدلات الفقر، ويعزز الاستقرار الاجتماعى.
لكن فى المقابل، فإن أى إصلاح غير متوازن قد يخلق ضغوطاً اجتماعية، خاصة إذا اقتصر على رفع سن المعاش أو زيادة الاشتراكات دون تحسين مستوى الخدمات والعوائد.
لذلك، فإن التحدى الحقيقى أمام صانع القرار يتمثل فى تحقيق توازن دقيق بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، وهو ما أكدت عليه مناقشات مجلس النواب مؤخراً كما كان يناقش تعديلات فض التشابك المالى بين أموال التأمينات المستحقة على الخزانة العامة، واعترفت فيها الحكومة بالمديونية، وتعهدت بالسداد على أقساط حتى عام 2050.
ولعل المشاكل التى ظهرت مؤخراً فى تعطل السيستم الخاص بمنظومة صرف المعاشات بجانب تدنى قيمة المعاشات قد أظهرت أهمية إصلاح منظومة المعاش. فالإصلاح لم يعد مسألة تقنية تخص الخبراء الاكتواريين فقط، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بمستقبل الطبقة الوسطى والاستقرار الاجتماعى، والقدرة على مواجهة الشيخوخة السكانية.
وبالرغم من أن الدولة بدأت بالفعل خطوات مهمة لإعادة هيكلة المنظومة، فإن الطريق لا يزال طويلاً.
فالنجاح الحقيقى لن يتحقق فقط عبر القوانين الجديدة، بل من خلال بناء نظام أكثر شمولاً وكفاءة واستقلالية، قادر على حماية المواطنين دون أن يتحول إلى عبء مزمن على المالية العامة ومن هنا فإننى أدعو لعقد مؤتمر أو مجلس قومى لإصلاح منظومة المعاشات.
وفى النهاية، فإن قوة أى نظام تأمين اجتماعى تقاس بقدرته على منح المواطن شعوراً بالأمان فى سنوات العمل وبعد التقاعد، وهو التحدى الذى لا تزال مصر مطالبة بكسبه خلال السنوات المقبلة.







