الحكومات وخبراء الاقتصاد يتسابقون لفهم المسار القادم وسط تصاعد حالة عدم اليقين
قلبت الحرب فى إيران، التوقعات الاقتصادية العالمية رأساً على عقب بين عشية وضحاها.
فقد أُغلقت طرق إمدادات النفط وارتفعت الأسعار بشكل حاد. وأصبحت كل البنوك المركزية ووزارات المالية وخبراء التنبؤ الاقتصادى يتسابقون للإجابة عن السؤال نفسه: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
لكن قبل الإسراع فى إنتاج أرقام جديدة، يحتاج العالم إلى معرفة نوع عدم اليقين الذى يواجهه.
هل أدوات التنبؤ القياسية لدينا قادرة على التعامل مع هذا الوضع، أم أنها تقدم طمأنينة زائفة؟
منذ منتصف الثمانينيات وحتى جائحة كورونا، كان الاقتصاد العالمى مستقراً بشكل لافت.
كان التضخم منخفضاً ويمكن التنبؤ به. وتمتعت البنوك المركزية بأهداف موثوقة، وعملت سلاسل الإمداد بسلاسة.
أما الترتيبات الجيوسياسية، فعلى الرغم من أنها لم تكن ثابتة، فإنها تطورت تدريجياً. وظلت الآليات التى تنتقل من خلالها الاضطرابات داخل الاقتصاد ثابتة إلى حد كبير، بحسب ما ذكره «موقع بروجكت سنديكيت».
فى ذلك العالم، كان النهج القياسى للتنبؤ يعمل بشكل جيد: إنتاج توقع أساسى واحد، وإحاطته بمخطط بيانى يُظهر نطاق عدم اليقين المحيط به.
وكان هذا المخطط يقول فعلياً: نحن نعرف كيف يعمل الاقتصاد، لكننا لا نعرف الأرقام الدقيقة.
وكان المستقبل يُفترض أن يشبه الماضى، مع بعض التباينات المحدودة. لكن ذلك العالم انتهى.
فقد عطّلت الجائحة سلاسل الإمداد بطرق لم يتوقعها أى نموذج ثابت. وكان ارتفاع التضخم بعد الجائحة أكبر إخفاق فى التنبؤ لدى البنوك المركزية منذ عقود.
والآن، تتسبب الحرب فى الشرق الأوسط فى اضطرابات عميقة فى قطاع الطاقة. كل واحدة من هذه الأحداث ليست مجرد صدمة كبيرة تصيب نظاماً مستقراً، بل تشير إلى تغيّر فى كيفية عمل هذا النظام نفسه.
وقد أدرك الاقتصادى فرانك نايت دلالات هذا التمييز فى عام 1921. فالمخاطر، بحسب رأيه، هى نوع من عدم اليقين يمكن قياسه: فحتى إن لم تتمكن من التنبؤ بالنتيجة، يمكنك معرفة نطاق الاحتمالات وتحديد احتمالات لها. أما عدم اليقين الحقيقى ـ المعروف اليوم باسم عدم اليقين النايتي ـ فهو مختلف: لا يمكن إسناد احتمال له، لأن الحالة نفسها قد تتغير بطرق لم تُرَ من قبل.
ويشهد الاقتصاد تحولات هيكلية، وبسبب حداثتها الفعلية، لا يمكن استخدام الماضى لتقدير نتائج المستقبل.
تُعد الحرب فى إيران مثالاً واضحاً على ذلك. فقد كان من المعروف أن نشوب صراع فى الشرق الأوسط أمر ممكن، كما توفر أزمات النفط السابقة وارتفاع أسعار الطاقة بعض الإرشادات بشأن العواقب. لكن التركيبة المحددة للأطراف، وديناميكيات التصعيد، وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، لا سابقة لها ـ وهذه الاختلافات تحديداً هى الأكثر أهمية.
ولا يمكن لمخطط بيانى أن يعكس هذا الواقع. فهو يفترض أن عدم اليقين المستقبلى يمكن قياسه من خلال أخطاء التنبؤ السابقة. وكأنه يقول: أعرف القصة، لكننى لا أعرف الأرقام. لكن عندما تكون القصة نفسها موضع شك، فإن توسيع نطاق المخطط ليس هو الحل.
إذا لم يتم التمكن من اختزال عدم اليقين فى توزيع احتمالى واحد، فماذا ينبغى أن نفعل؟
الجواب ليس التخلى عن التنبؤ الاقتصادى والبحث عن عرّاف، بل تغيير الشكل. فقد اقترح كل من رومان فرايدمان من جامعة نيويورك وأنا نهجاً صارماً يهدف إلى توجيه التنبؤ فى ظل عدم اليقين النايتي.
بدلاً من خط أساس واحد مع مخطط بياني، ينبغى على خبراء التنبؤ تقديم مجموعة صغيرة من السيناريوهات، ليس كتحوط أو تزيين، بل كتحليل منظم لمستقبلات مختلفة فعلياً.
ويجب أن يتضمن كل سيناريو سرداً يشرح المنطق الاقتصادي، وتوقعاً مشروطاً يوضح ما سيحدث إذا تحقق هذا السيناريو، وتحديداً للبيانات القادمة التى قد تدفع التقييم نحو سيناريو معين. وتصميم سيناريوهات جيدة هو الجزء الأصعب، فهو يتطلب حكماً اقتصادياً عملياً، وليس مجرد تقنيات إحصائية.
فى حالة الحرب فى إيران، يمكن أن يعنى ذلك سيناريوهين أو ثلاثة.
ففى سيناريو الاحتواء، على سبيل المثال، يظل الصراع محصوراً، ويكون اضطراب إمدادات النفط مؤقتاً، وتعود أسعار الطاقة إلى مستويات ما قبل الحرب خلال أشهر. أما فى سيناريو التصعيد، فقد يمتد النزاع، وتتضرر البنية التحتية للطاقة، وتستقر أسعار النفط عند مستويات أعلى بشكل دائم، وتؤدى الآثار الثانوية على الأجور وتوقعات التضخم إلى تغيير حسابات السياسة ـ أو حتى إعادة هيكلة أساسية لتجارة الطاقة العالمية.
ويؤدى كل من هذه السيناريوهات إلى مسارات مختلفة للتضخم وأسعار الفائدة وديناميكيات النمو. ولا يمكن لتوقع أساسى واحد مع مخطط بيانى أن يعكس هذه المستقبلات المختلفة نوعياً. أما السيناريوهات، فبإمكانها ذلك. وقد بدأت بعض البنوك المركزية الكبرى فى العالم بالفعل فى التحرك فى هذا الاتجاه، مدفوعة بالدرس القاسى لارتفاع التضخم بعد الجائحة، الذى تجاوز كل مخطط بيانى نشرته. فقد أوصت مراجعة بارزة أجراها بن برنانكى لبنك إنجلترا بإلغاء المخططات البيانية ونشر السيناريوهات بدلاً منها.
وفى مارس، قام البنك المركزى الأوروبى بذلك فعلاً، حيث استبدل المخططات البيانية بثلاثة سيناريوهات بديلة، وصرح صراحة بأن أدواته الاحتمالية القياسية لن «تقدم مؤشراً موثوقاً على درجة عدم اليقين المرتفعة».
وكما قالت رئيسة البنك كريستين لاجارد: «نجد أنفسنا مرة أخرى فى عالم مختلف، لم تتضح ملامحه بعد».
وليس البنك المركزى الأوروبى وحده فى هذا الاتجاه.فقد بدأ بنك ريكسبانك السويدى فى نشر سيناريوهات بديلة دون إرفاق احتمالات بها.
وذهب بنك كندا إلى أبعد من ذلك، إذ تخلى عن توقعه الأساسى بالكامل فى أوائل عام 2025، حين لم يعد أى توقع واحد يتمتع بالمصداقية.
إن أدوات التنبؤ فى ظل عدم اليقين النايتى موجودة بالفعل. فالسيناريوهات ليست بديلاً من الدرجة الثانية لتوقع واحد مدعوم بمخطط بياني. بل عندما يمر الاقتصاد بتحول هيكلي، فإنها تمثل الصيغة الأكثر صدقاً من الناحية الفكرية، القادرة على التعبير عما يمكن معرفته وما لا يمكن معرفته بشأن المستقبل.
فى عالم متغير، لا تأتى المصداقية من الصواب الدائم، فلا أحد سيكون كذلك، بل تأتى من الشفافية بشأن المستقبلات الممكنة التى تراها ذات صلة، وتعديل الرؤى مع ورود بيانات جديدة، والالتزام بما قيل إنه سيُفعل عندما يتحقق سيناريو معين.
وعلى الرغم من أن بعض البنوك المركزية قد قادت هذا التحول، فإن جزءاً كبيراً من مهنة التنبؤ، والنظرية الاقتصادية التى تقوم عليها، لا يزال يعتمد على توقعات أساسية واحدة تتعامل مع المستقبل بوصفه نسخة احتمالية من الماضى.
لكن عندما تتغير بنية الاقتصاد بطرق غير متوقعة، يجب على خبراء التنبؤ الإقرار بأن هناك العديد من المستقبلات الممكنة. والاستجابة الصحيحة لعدم اليقين ليست توسيع المخططات البيانية، بل اعتماد سيناريوهات تأخذ بجدية حقيقة أننا لا نعرف سوى أن العالم قد تغير، لا كيف سيتغير.







