خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي، مشيراً إلى أن حرب إيران أوقفت الزخم الداعم للاقتصاد، والذي كان يتوقع أن يبلغ بالنمو نحو 3.4% قبل اندلاعها، مدفوعاً بالاستثمار التكنولوجي وتحسن الظروف المالية ومكاسب الإنتاجية.
لفت الصندوق إلى أنه لولا الحرب، كان من المتوقع ترقية توقعات النمو العالمي بدعم من هذه العوامل، إلا أن تداعيات الصراع العسكري طغت على هذه العوامل الإيجابية.
تابع الصندوق أن التوقع المرجعي يفترض بقاء الصراع محدوداً زمنياً ونطاقاً، مع ارتفاع معتدل في أسعار السلع المرتبطة بالطاقة بنحو 19% خلال 2026، وهو الافتراض الرئيسي الذي بُنيت عليه التقديرات الحالية.
بناءً على ذلك، يُرجح أن يسجل الاقتصاد العالمي نمواً عند 3.1% في 2026، مقارنة بنحو 3.3% في توقعات يناير، أي بخفض قدره 0.2 نقطة مئوية، قبل أن يرتفع إلى 3.2% في 2027، ولم تتغير توقعات العام المقبل عن التقديرات السابقة.
هذه المستويات لا تزال أقل من متوسط النمو خلال 2024-2025 البالغ 3.4%، وأدنى من المتوسط التاريخي الذي يٌقدر بنحو 3.7%.
توقعات التضخم.. ارتفاع في 2026 وتراجع خلال 2027
رفع صندوق النقد توقعاته للتضخم العالمي إلى 4.4% في 2026 قبل أن يتراجع إلى 3.7% في 2027، مع مراجعات صعودية لكلا العامين مقارنة بتقديرات يناير، في تحول عن المسار النزولي المتوقع سابقاً الذي كان سيمهد لمرحلة من التيسير النقدي.
يأتي ذلك بعد فترة من تراجع تدريجي في معدلات التضخم عالمياً، مدعوماً بتشديد السياسات النقدية وانحسار صدمات سلاسل الإمداد وأزمة الطاقة التي بلغت ذروتها في 2022، ما عزز التوقعات باتجاه البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة.
غير أن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب، تشير إلى تعثر هذا المسار، مع تجدد الضغوط على الأسعار واحتمال تأجيل أو إبطاء وتيرة التيسير النقدي عالمياً.
تباطؤ واسع في الاقتصادات الكبرى
أظهرت التوقعات تباطؤاً في معظم الاقتصادات الكبرى، إذ خُفض نمو الولايات المتحدة إلى 2.3% في 2026 (مقابل 2.4% في يناير) و2.1% في 2027 (مقابل 2.0%). كما قُلصت تقديرات نمو منطقة اليورو إلى 1.1% و1.2% في العامين، بانخفاض 0.2 نقطة مئوية.
في الصين، يُرجح أن يسجل الاقتصاد نمواً عند 4.4% في 2026 و4% في 2027، في حين بقيت تقديرات اليابان دون تغيير عند 0.7% و0.6%. أما المملكة المتحدة، فتراجعت توقعاتها إلى 0.8% في 2026 و1.3% في 2027.
في المقابل، برزت استثناءات محدودة، إذ رفع الصندوق توقعات نمو الهند إلى 6.5% في العامين الحالي والمقبل، كما جرى تعديل تقديرات روسيا صعوداً إلى 1.1%، ما يعكس تفاوت تأثيرات الصدمة بين الاقتصادات.
ثلاث قنوات رئيسية لانتقال الصدمة
يرى صندوق النقد الدولي أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط لا تقتصر على أسواق الطاقة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر قنوات متعددة ومعقدة، تؤثر على التضخم والنمو والأوضاع المالية في آن واحد. وتزداد حدة هذه التأثيرات في ظل ارتفاع عدم اليقين وإعادة تسعير المخاطر عالمياً.
ويحدد الصندوق ثلاث قنوات رئيسية تنتقل من خلالها هذه الصدمة:
صدمة أسعار الطاقة: ارتفاع أسعار الطاقة كصدمة عرض سلبية ترفع تكاليف الإنتاج، وتزيد التضخم، وتؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية.
دوامات الأجور والأسعار: قد تتفاقم الضغوط التضخمية مع سعي الشركات والعمال لتعويض الخسائر، ما يزيد من مخاطر تشكل دوامات بين الأجور والأسعار، خاصة إذا أصبحت توقعات التضخم أقل استقراراً.
تشديد الأوضاع المالية: زيادة المخاطر الاقتصادية قد تؤدي إلى إعادة تسعير الأصول، وارتفاع علاوات المخاطر، وخروج رؤوس الأموال، وارتفاع الدولار، ما يشدد الأوضاع المالية ويضعف الطلب الكلي.
سيناريوهات أكثر قتامة للنمو والتضخم
تقوم هذه التقديرات على افتراض بقاء الصدمة ضمن نطاق محدود، إلا أن الصندوق نبه إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو اتساع الأضرار في منشآت الطاقة قد يؤدي إلى اضطراب أعمق وأطول في الاقتصاد العالمي.
أما في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز وتزايد الهجمات على البنية التحتية للطاقة، فمن المرجح أن يكون التأثير على الاقتصاد العالمي أكثر حدة، إذ يتوقع الصندوق في هذا السيناريو أن يتراجع النمو إلى 2.5%، بينما يقفز التضخم إلى 5.4% نتيجة صدمة طاقة أكبر وتشديد الأوضاع المالية.
وفي السيناريو الأكثر تشاؤماً، الذي يفترض استمرار اضطرابات أسواق الطاقة إلى العام المقبل، إلى جانب خروج توقعات التضخم عن السيطرة وتشديد مالي حاد، قد يقترب الاقتصاد العالمي من حالة ركود، مع نمو لا يتجاوز 2% في 2026 و2027، وتضخم يناهز 6%.
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقت، أكد الصندوق أن جزءاً من الأضرار الاقتصادية قد تحقق بالفعل، مع بقاء المخاطر مائلة بوضوح إلى الجانب الهبوطي.
تأثير متباين للحرب بين الدول
تتفاوت آثار الصدمة بين الدول، إذ تواجه الاقتصادات الناشئة والمستوردة للطاقة الضغوط الأكبر، مع خفض نموها بنحو 0.3 نقطة مئوية، خاصة في الدول منخفضة الدخل ذات الموارد المحدودة، وتغيير توقعات أسعار الفائدة.
وقبل الحرب مباشرة، كانت البنوك المركزية العالمية تقترب من إنهاء دورة التشديد النقدي، وسط توقعات متزايدة بالانتقال إلى خفض أسعار الفائدة بعد نجاح نسبي في احتواء التضخم خلال العامين الماضيين، مع مؤشرات على تحسن الأوضاع المالية وتراجع الضغوط السعرية.
غير أن صدمة الحرب أعادت تعقيد هذا المسار ووضعت صناع السياسات أمام مفاضلة جديدة بين احتواء التضخم ودعم النمو.
وفي هذا السياق، يرى الصندوق أن البنوك المركزية يمكنها في البداية النظر من خلال صدمات أسعار الطاقة، لكن فقط إذا ظلت توقعات التضخم مستقرة. أما إذا ارتفعت هذه التوقعات، فقد يتطلب الأمر تشديداً سريعاً للسياسة النقدية لإعادة استقرار الأسعار، حتى على حساب النمو قصير الأجل.
كما لفت إلى أن ارتفاع العجز المالي والدين العام قد يدفع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى الارتفاع، ما يشدد الأوضاع المالية عالمياً، في حين أن تآكل استقلالية البنوك المركزية قد يعزز مخاطر ارتفاع التضخم.
نظرة مستقبلية.. مخاطر إضافية وفرص محتملة
تشمل المخاطر الأخرى تصاعد التوترات الجيوسياسية والنزاعات التجارية، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالعناصر الأرضية النادرة، واحتمال تراجع الاستثمار إذا أعادت الأسواق تقييم توقعات الذكاء الاصطناعي أو اشتدت المنافسة.
في المقابل، قد تسهم استثمارات الذكاء الاصطناعي في دعم النمو إذا تحولت إلى مكاسب إنتاجية مستدامة، كما يمكن أن تعزز الإصلاحات الهيكلية وتخفيف القيود التجارية النشاط الاقتصادي.
كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تدعم النمو مؤقتاً، لكنها تحمل مخاطر تضخمية وتضغط على الاستدامة المالية وقد تزاحم الإنفاق الاجتماعي.
الصندوق نبه أيضاً إلى أن الاقتصاد العالمي يواجه اختباراً صعباً جديداً، مشيراً إلى أن احتواء الأضرار يظل ممكناً إذا انتهت الحرب سريعاً وعادت أسواق الطاقة إلى الاستقرار، مع ضرورة تعزيز التعاون الدولي والتكامل التجاري، ودعم الفئات الأكثر تضرراً بشكل موجه ومؤقت، والحفاظ على استقرار الأسعار والقطاع المالي، إلى جانب تسريع الإصلاحات الهيكلية وتعزيز مصداقية السياسات الاقتصادية.








