فرضت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز، واقعاً معقداً على حركة التجارة العالمية والمحلية، ألقى بظلاله الثقيلة على سلاسل الإمداد، وفي ظل تكدس مئات السفن والشاحنات، برز “الشحن الجوي” كطوق نجاة مؤقت وبديل استراتيجي لضمان تدفق السلع الحيوية.
لكن هذا التحول الاضطراري، اصطدم بقفزات غير مسبوقة في أسعار النوالين وتكاليف التشغيل، ليثير تساؤلات حاسمة داخل مجتمع الأعمال المصري حول مدى استدامة هذا الحل، وقدرته الحقيقية على سد الفجوة الهائلة التي خلفها تذبذب النقل البحري.
أحمد: زيادة الطلب على الشحن الجوى تقفز بأسعار النوالين 250% منذ بداية الحرب
قال محمد أحمد رئيس لجنة الشحن الجوى بشعبة خدمات النقل الدولي بالغرفة التجارية بالإسكندرية، إن الشحن الجوى أصبح البديل الاستراتيجي الحيوي لتجاوز تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، إذ تلجأ الشركات لنقل السلع عالية القيمة والأدوية والإلكترونيات عبر الجو لضمان استمرار سلاسل الإمداد.
أضاف لـ”البورصة”، أن الشحن الجوى رغم ارتفاع تكلفته عدة مرات مقارنة بالشحن البحري ، إلا أنه الخيار المتاح فى الوقت الحالي مع توقف أكثر من 100 سفينة حاويات في محيط مضيق هرمز، وهذا التحول يهدف لتجنب المخاطر الأمنية وارتفاع رسوم التأمين التي قد تصل لزيادة قدرها 400 دولار في الحاوية الواحدة.
وأوضح أحمد، أن هناك زيادة كبيرة فى الطلب على الشحن الجوى مما قفز بأسعار النوالين 250% منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. كما ارتفعت رسوم المخاطر على الشحنات الجوية بنسبة 25% .
وأشار إلى أن الشحن الجوى يلعب دورا محوريا متكاملا مع الشحن البحري، عن طريق التنسيق مع الخطوط الملاحية لنقل الشحنات والبضائع القادمة من وجهتها الأساسية والتي تقوم بتفريغها فى أقرب ميناء بحري آمن وبعيد عن الاضطرابات الجيوسياسية دون الوصول إلى وجهتها الأخيرة.
وينقل الوكلاء، هذه الشحنات والبضائع من الميناء البحري بالتنسيق مع الموردين إلى الوجهة الأخيرة، علما بأن هذه الخدمة تكون مقابل نولون شحن جديد بخلاف ما تم سداده فى النقل البحري، حتى تصل الشحنات لمرحلتها الأخيرة.
قال رئيس لجنة الشحن الجوى بشعبة خدمات النقل الدولي بالغرفة التجارية بالإسكندرية، إن الأسعار الفورية للشحن الجوي ارتفعت عالميا إلى 3.19 دولار للكيلوجرام، بدلا من دولار واحد نهاية العام الماضي، بينما كانت القفزة الأكبر من نصيب الشرق الأوسط وجنوب آسيا ، إذ بلغت الأسعار الفورية 4.37 دولار للكيلوجرام.
أضاف أن الضغوط على الشحن الجوي بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل فى ظل زيادة أسعار الطاقة عالميا ، دفعت شركات القطاع إلى فرض رسوم وقود إضافية، ورسوم مخاطر حرب، على الشحنات الجوية.
وأوضح أحمد، أن الوقود والتأمين بمثابة عناصر أساسية في تكلفة النقل الجوي، وأن أي ارتفاع فيهما سريعا يمثل ضغطا على العملاء، محذرا من أن استمرار هذه الاضطرابات لمدة 3 ـ 6 أشهر قد يقفز بأسعار الطاقة لمستويات أكبر تنعكس على سلاسل الإمداد العالمية.
وأشار إلى ضرورة تدشين خط ملاحي بحري جديد، للمساعدة فى حل الأزمات اللوجستية وتفادى انقطاع سلاسل الإمداد بسبب الأزمات السياسية المتكررة، كما أكد على أهمية التنسيق مع الدول الأفريقية لفتح خطوط شحن جديدة تعزز من تدفق المنتجات المصرية إلى تلك الأسواق الواعدة.
جعفر: البضائع مرتفعة القيمة وسريعة التلف يمكنها تحمل تكلفة النقل المرتفعة
وقال أسامة جعفر، عضو الشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية، إن الشركات المصرية لا يمكنها الاعتماد على الشحن الجوي كبديل كامل للشحن البحري، نظرًا لارتفاع تكلفته بصورة كبيرة، فضلًا عن محدودية نوعية السلع التي يمكن شحنها عبر هذا النمط من النقل.
وأوضح أن الشحن الجوي يقتصر في الأساس على البضائع مرتفعة القيمة أو سريعة التلف، والتي يمكنها تحمل تكلفة النقل المرتفعة، مثل بعض المكونات الإلكترونية أو الأدوية والسلع الحساسة زمنيًا، في حين أن الغالبية العظمى من الواردات تعتمد على الشحن البحري، نظرًا لانخفاض تكلفته وقدرته على نقل كميات ضخمة من السلع في الشحنة الواحدة.
أضاف جعفر، أن استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة في محيط مضيق هرمز، انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة والشحن، وأدى إلى تعطل عدد كبير من الشحنات المتجهة إلى السوق المصري، ما تسبب في إرباك جداول التسليم وارتفاع تكاليف التشغيل على الشركات.
وأشار إلى أن نحو 800 شاحنة محملة بحاويات مملوكة لشركات مصرية لاتزال عالقة في محيط مضيق هرمز، نتيجة تداعيات الحرب، وهو ما أعاق حركة مرورها في التوقيتات المعتادة، ودفع الشركات إلى البحث عن حلول بديلة لتجنب توقف عملياتها الإنتاجية أو تأخر تسليم البضائع.
وتابع:” ثمة شركات تلجأ بالفعل إلى الشحن البري عبر مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على المسارات البحرية المتأثرة بالتوترات، بينما اتجهت شركات أخرى إلى استخدام الشحن الجوي في أضيق الحدود وللبضائع الضرورية فقط، رغم ارتفاع تكلفته، للحفاظ على استمرارية سلاسل الإمداد وتقليل الخسائر الناتجة عن تأخر الشحنات”.
لفت جعفر، إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن الجوي قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع في السوق المحلية، خاصة إذا اضطرت الشركات إلى استخدامه فترات طويلة، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين، لاسيما في ظل ارتفاع تكاليف النقل عالميًا خلال الفترة الأخيرة.
وحذر من أن استمرار الأزمة فترة طويلة، قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها اللوجستية، سواء من خلال تنويع مصادر الاستيراد أو زيادة المخزون الاستراتيجي من بعض الخامات والسلع الأساسية، تحسبًا لأي اضطرابات مستقبلية في سلاسل الإمداد العالمية.
عيسى: الطائرات ليست حلًا مستدامًا ولا تلبي طموحات القطاعين الزراعى والغذائى
وقال علي عيسى، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، إن النقل الجوي لا يمكن أن يكون بديلاً حقيقيًا للشحن البحري، سواء من حيث السعة أو التكلفة، إذ يقتصر النقل الجوي على كميات محدودة من المنتجات مرتفعة القيمة، بينما تعتمد الشحنات الرئيسية ذات الأوزان الكبيرة على النقل البحري بشكل أساسي.
وأوضح أن العديد من القطاعات التصديرية تعتمد بصورة شبه كاملة على الشحن البحري، خاصة القطاعات الزراعية والغذائية، مثل صادرات الموالح والبطاطس والمنتجات الغذائية المجمدة، والتي تتطلب نقل كميات كبيرة تصل إلى مئات الأطنان في الشحنة الواحدة، وهو ما لا يمكن تحقيقه عبر النقل الجوي.
أضاف عيسى، أن التحول إلى الشحن الجوي كبديل مؤقت قد يكون ممكنًا في نطاق ضيق لبعض المنتجات، لكنه لا يمثل حلًا مستدامًا على المدى المتوسط أو الطويل، نظرًا للفارق الكبير في التكلفة بين النقل الجوي والبحري، والذي قد يضعف القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
ودعا الحكومة إلى تقديم مساندة استثنائية ومؤقتة للشركات المصدرة والمستوردة خلال هذه المرحلة، سواء من خلال دعم جزء من تكاليف الشحن، أو تقديم تسهيلات تمويلية ولوجستية، بما يسهم في تخفيف الأعباء على الشركات والحفاظ على استمرارية حركة التجارة الخارجية.








