لعدة قرون، حددت ما يُعرف بقاعدة “طلقة المدفع” من يسيطر على البحار.
وكان المفهوم القانوني، الذي دوّنه الفقيه الهولندي كورنيليوس فان بينكيرشوك في عام 1702، بسيطاً: “المسافة التي تصل إليها قذيفة مدفع من الشاطئ تُحدد الحدود البحرية للدولة الساحلية”.
وبعد أكثر من 300 عام، يبدو أن القليل قد تغيّر، باستثناء الأسلحة، فاليوم، ترسم الصواريخ والطائرات المسيّرة هذه الحدود.
كانت الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على هدنة مبدئية لمدة أسبوعين تُوقف نزاعاً استمر ستة أسابيع، وصفه كثيرون، وبحق، بـ”حرب هرمز”، نظراً للأهمية المحورية للممر المائي الذي يحمل هذا الاسم.
وما سيأتي لاحقاً سيتطلب مهارة لغوية فائقة من الدبلوماسيين والمفاوضين العاملين على سلام دائم، إذ سيحتاجون إلى حل معادلة معقدة بشأن كيفية إدارة المضيق، بما يتيح لكل من واشنطن وطهران الادعاء بتحقيق ما تريد.
الحرب تغير وضع هرمز للأبد
ثمة أمر واضح: بغض النظر عن كيفية تفسير التصريحات الأمريكية والإيرانية بشأن الهدنة، فإن وضع مضيق هرمز قد تغيّر، فما كان ممراً مائياً حراً قبل اندلاع الأعمال القتالية أصبح اليوم، على الأقل، ممراً خاضعاً للسيطرة، ويظل مستقبله غير محسوم، ومعه مرور خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر البحر.
هل يمكن أن يعود المضيق إلى وضعه قبل الحرب، بحيث يخضع فعلياً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما يسمح بحرية المرور دون عوائق من رسوم أو تكاليف؟ ربما، لكنني أشك في ذلك. فلم تصادق لا إيران ولا الولايات المتحدة على هذه الاتفاقية، حتى وإن التزم الطرفان فعلياً ببعض أحكامها. وبالتالي، يملك كل منهما حرية محاولة إعادة ترتيب الأمور.
أحد الحلول: رسوم عبور بأسماء أخرى
يمكن إيجاد الحل، إلى أن تُستكمل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في معاهدات تنظم ممرات بحرية ضيقة أخرى، ولا سيما البوسفور والمضائق الدنماركية.
وتُعدّ هذه أمثلة تحافظ على حرية الملاحة، مع منح الدول الساحلية المطلة على الممر، إيران وسلطنة عُمان في حالة هرمز، حقوقاً عليه. ويمكن تسمية الرسوم بأسماء أخرى مقبولة سياسياً، مثل خدمات الإرشاد الملاحي أو رسوم منع تسرّب النفط.
وقد تحصل إيران على ما تريده على الورق، لكنها عملياً قد لا تجني شيئاً إذا تحولت معظم حركة الشحن نحو المياه العُمانية.
يصرّ الرئيس دونالد ترامب على أنه يريد ملاحة “كاملة وفورية وآمنة” عبر المضيق، لكنه أعاد أيضاً نشر بيان إيراني على وسائل التواصل الاجتماعي يشير إلى أن المرور سيكون، في الوقت الراهن، محدوداً وخاضعاً لسيطرة الجيش. ولا يزال الممر البحري مغلقاً إلى حد كبير، فيما تبقى رسالة طهران واضحة: يتطلب العبور إذنها.
ويوم الخميس، نشرت وسائل إعلام إيرانية خريطة للمضيق تُظهر مسارات شحن جديدة تقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية الإيرانية، وأُرجعت الحاجة إلى ذلك إلى “وجود أنواع مختلفة من الألغام المضادة للسفن في منطقة المرور الرئيسية”.
كما أظهرت الخريطة وسم “منطقة خطر” فوق المسارات القديمة.
الدنمارك وتركيا تقدمان سوابق تاريخية
لردم الفجوة، ربما يفيد النظر إلى تاريخ بعض أهم الممرات البحرية الضيقة في العالم والقوانين التي تنظمها.
تنظم معاهدة إلغاء رسوم مضيق “ساوند”، الموقعة في كوبنهاجن عام 1857، حتى اليوم الملاحة عبر المضائق الدنماركية، وهي ممرات حيوية أخرى للنفط والمنتجات المكررة.
وتنص على أن تتولى الدنمارك “الإشراف” على خدمات الإرشاد الملاحي عبر المضائق، ما يمنحها رقابة فعلية.
ومع ذلك، فإن هذه الخدمات ليست إلزامية. وعلى الورق تسيطر الدنمارك على المرور، لكنها في الواقع تملك حقوقاً محدودة.
يقدم مضيق البوسفور، الذي يشكل ممراً مهماً لكميات كبيرة من النفط والسلع الزراعية، نموذجاً مفيداً آخر. ويخضع المضيق لما يُعرف باتفاقية مونترو لعام 1936.
وتفسر تركيا هذه الاتفاقية بطريقة قد تساعد في المحادثات حول هرمز، إذ تقول إن المضائق تتمتع بـ”حرية المرور”، ولكن بما “لا يمكن تفسيره على أنه مرور حر وغير منظم”.
هل يبدو ذلك متناقضاً؟ لا، إنها ببساطة فن الدبلوماسية، وتنظم السلطات التركية حركة المرور وتفرض بعض الرسوم مقابل خدمات الإرشاد الملاحي.
سيطرة إيران على هرمز عامل حاسم للردع مستقبلاً
بالنسبة لإيران، يُعدّ الحفاظ على قدر من السيطرة على المضيق أمراً حاسماً، إذ يعزز قدرتها على الردع في مواجهة أي هجمات مستقبلية من إسرائيل والولايات المتحدة، لكن طهران لا تحتاج إلى فرض سيطرة مادية على الممر للحفاظ على نفوذها في الاقتصاد العالمي.
وقد شكّلت الأسابيع الستة الماضية درساً للجميع -وعلى رأسهم الأمريكيون- في الجغرافيا السياسية للطاقة، ولن يختفي هذا الدرس بغض النظر عن نتائج محادثات السلام.
بات لدى الجمهورية الإسلامية شعور جديد بقوتها الاستراتيجية، قد يوازي امتلاك ترسانة نووية، وكانت إيران تفترض أن الممر يمنحها أداة ضغط على الاقتصاد العالمي، لكن فعاليته لم تكن مثبتة.
ولم تكن طهران تعلم ما إذا كانت قادرة فعلاً على إغلاق المضيق في وقت الحرب، أو لأي مدة، كما لم تكن تعرف كيف سترد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ولا كيف ستتفاعل أسواق النفط والغاز، أما الآن، فهي تعرف، ولن يغيّر أي اتفاق يُتوصل إليه ذلك.
الحرب تسرع إيجاد بدائل خليجية لهرمز
مع ذلك، ليست إيران وحدها التي استخلصت درساً جيوسياسياً مهماً، إذ فعل جيرانها ذلك أيضاً، ما سيضعف تدريجياً ميزتها الاستراتيجية. فقد تمكنت السعودية والإمارات من تجاوز هذا الممر جزئياً عبر خطوط أنابيب بديلة، ويُرجح أن تضاعف الرياض وأبوظبي جهودهما لتوسيع هذه المسارات الطارئة.
أيضاً، من المرجح أن تنضم الكويت إلى السعودية لبناء خط أنابيب بديل خاص بها، وقد يواجه العراق صعوبة في تحمل التكاليف، لكنه يملك كل الدوافع لإعادة بناء خطه الاستراتيجي القديم الذي كان يتيح نقل النفط من الجنوب إلى البحر المتوسط عبر تركيا.
وبالتالي، ستتراجع قبضة إيران على إمدادات الطاقة بمرور الوقت، وبعد خمس سنوات، سيملك الخليج العربي خيارات أفضل بكثير لتجاوز المضيق مقارنةً بما هو متاح اليوم.
ومهما كان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مستقبل هرمز، فإن وضع المضيق سيتغير، ولن يظل بنفس الأهمية للاقتصاد العالمي كما كان عند اندلاع القتال قبل ستة أسابيع.








