وسط الاضطرابات الجيوسياسية وتداعيات أزمة هرمز التي تعصف بسلاسل الإمداد العالمية وتدفع تكاليف الشحن إلى مستويات قياسية، تبرز مصر كـ”ملاذ آمن” وبوصلة جديدة لحركة التجارة الدولية.
ولم يعد طموح الدولة المصرية يقتصر على مجرد عبور السفن عبر مياهها، بل تحولت الرؤية بخطى متسارعة نحو كيفية تحقيق أقصى استفادة واستثمار للموقع الجغرافي الاستثنائي عبر تدشين ممرات لوجستية متكاملة تربط البحرين الأحمر والمتوسط، وتحويل المناطق الاقتصادية والموانئ إلى مراكز إقليمية لتجارة الترانزيت والصناعات التكميلية.
وتتجه الحكومة إلى تعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير، عبر التوسع في أنشطة الترانزيت وإدماج بعض العمليات التصنيعية البسيطة داخل سلاسل الإمداد، بما يرفع من القيمة المضافة ويعزز تدفقات النقد الأجنبي، مستندة في ذلك إلى شبكة واسعة من الموانئ البحرية والمناطق اللوجستية.
وتضم هذه الشبكة موانئ البحر المتوسط، وعلى رأسها الإسكندرية والدخيلة ودمياط وبورسعيد، فضلًا عن موانئ البحر الأحمر مثل العين السخنة وسفاجا ونويبع، والتي تمثل مداخل رئيسية لحركة التجارة الدولية، خاصة في ظل ارتباطها المباشر بخطوط الملاحة العالمية عبر قناة السويس.
الشيخ: تطوير شامل لميناء العريش بهدف خدمة التجارة بين آسيا وأوروبا
قال أيمن الشيخ رئيس شعبة النقل الدولي بالقاهرة، إن تجارة الترانزيت تعد من الخيارات الآمنة والمتاحة فى ظل الاضطرابات السياسية على الساحة العالمية والتي تمثل حلقة وصل كبيرة لسلاسل الإمداد على مستوى العالم سواء من أوروبا إلى دول الخليج والعكس .
أضاف لـ”البورصة”، أن ميناء العريش البحري يعد حلقة وصل رئيسية في الممر اللوجستي العريش – طابا بين البحر المتوسط وخليج العقبة.
ويشهد الميناء، تطويرًا شاملاً لخدمة التجارة بين آسيا وأوروبا والذي سيمثل طفرة لوجيستية فى حركة نقل البضائع والتبادل التجاري بين العديد من الدول .
أوضح الشيخ، أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تضم أيضا موانئ كشرق بورسعيد تستقبل سفن الشحن العملاقة لتفريغ حمولاتها وإعادة شحنها إلى وجهات أخرى وهو ما يمثل ترانزيت مباشر يسهم فى جذب العملة الأجنبية وتعزيز الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي .
وأشار إلى أن تجارة الترانزيت تعد ركيزة هامة للاقتصاد المصري من خلال زيادة الموارد المالية والتي سترفع من الإيرادات المباشرة عبر الرسوم والضرائب الجمركية على الشحنات المارة من المراكز والموانئ المصرية التي ستعيد الشحنات إلى وجهتها الأخيرة .
وهذه التجارة ستسهم فى تعظيم دخل قناة السويس من خلال تحويل المنطقة من مجرد ممر مائي إلى مركز للصناعات التكميلية والخدمات اللوجستية، مما يضاعف الدخل القومي ويشجع الشركات العالمية على إقامة مراكز توزيع ومناطق لوجستية داخل مصر لخدمة الأسواق المجاورة.
صالح: نستهدف استقبال 40 مليون حاوية ترانزيت بحلول 2030
وقال عصام صالح رئيس شعبة النقل الدولي بالسويس، إن الدولة المصرية كان لديها تحوط من الأزمات السياسية التي تشهدها الساحة العالمية فى الوقت الحالي، من قطع لسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار نوالين الشحن البحري والجوي، بالاضافة لزيادة رسوم التأمين على السفن .
أضاف أن الدولة دشنت ممرات لوجستية متكاملة ، تساعد على استمراية حلقات الوصل للتبادل التجاري بين الدول من خلال تجارة الترانزيت ، إذ دشنت ممر السخنة – الإسكندرية والذي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، وممر جرجوب – السلوم لدعم التجارة مع ليبيا ودول شمال أفريقيا.
أضاف أن ثمة العديد من الممرات اللوجيستية المصرية، التي تعكف على تنفيذها الحكومة ، مستهدفة الوصول إلى 40 مليون حاوية ترانزيت بحلول عام 2030 علما بأن هذه التجارة تعد أحد مصادر الدخل النقدي المقرر الاعتماد عليها الفترة المقبلة.
الضوى: اهتمام متزايد من المستثمرين الدوليين بالمناطق الحرة والمناطق الصناعية
وقال تميم الضوي المدير التنفيذى للمجلس التصديرى للصناعات الغذائية، إن توجه الدولة لتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير يستند إلى حزمة من المزايا التنافسية، في مقدمتها شبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح دخول المنتجات المصنعة محليا إلى أسواق واسعة دون رسوم جمركية، تشمل الاتحاد الأوروبي، ودول الميركوسور، والدول العربية، فضلا عن أسواق أفريقيا ضمن اتفاقيتي «الكوميسا» و«AfCFTA».
أضاف لـ «البورصة»، أن هذه الاتفاقيات تمثل عامل جذب رئيسي للشركات العالمية، خاصة من الصين وتركيا وأوروبا، التي تتجه إلى التصنيع داخل مصر للاستفادة من النفاذ التفضيلي للأسواق الخارجية، وتفادي القيود والرسوم المفروضة في أسواق أخرى.
وتابع: “تنافسية تكاليف الإنتاج في مصر، سواء على مستوى الطاقة أو العمالة، تعزز من جاذبية السوق أمام الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يدفع شركات دولية كبرى إلى التوسع في عملياتها داخل البلاد، سواء للتصنيع أو لإعادة التصدير”.
وأشار الضوي، إلى أن التوسع في أنشطة الترانزيت والتصنيع البسيط ينعكس إيجابا على الاقتصاد الكلي، من خلال خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الحصيلة الضريبية، وتنشيط حركة الموانئ وقناة السويس، فضلًا عن جذب خطوط ملاحية إضافية، بما يعزز من مكانة مصر كمحور لوجستي إقليمي.
ولفت إلى أن السوق يشهد اهتماما متزايدا من جانب المستثمرين الدوليين بضخ استثمارات في المناطق الحرة والمناطق الصناعية، فضلا عن وجود طلبات بشأن إجراء بعض العمليات التصنيعية البسيطة قبل إعادة تصديرها.
وتجري هذه الشركات دراسات تفصيلية بالتنسيق مع الجهات التنظيمية، مثل هيئة التنمية الصناعية وهيئة سلامة الغذاء، قبل اتخاذ قرارات الاستثمار، بما يعكس جدية التوجه نحو التوسع في هذا النشاط.
جابر: التوسع في الترانزيت يدعم تنويع هيكل الصادرات
وقال أحمد جابر عضو المجلس التصديرى للتعبئة والتغليف، إن إدماج العمليات التصنيعية البسيطة ضمن حركة الترانزيت، وعلى رأسها أنشطة التعبئة والتغليف، يعزز موقع مصر داخل سلاسل الإمداد العالمية.
أضاف لـ «البورصة»، أن هذا النمط من الأنشطة لا يزال في طور النمو، لكنه يحمل فرصا كبيرة لزيادة الاستثمارات، خاصة في قطاع التعبئة والتغليف، في ظل تزايد اهتمام الشركات العالمية باستخدام مصر كمحطة لإعادة توزيع منتجاتها بعد إجراء عمليات تجهيز بسيطة عليها.
وتابع: التوسع في هذا التوجه من شأنه دعم تنويع هيكل الصادرات المصرية، عبر فتح المجال أمام أنماط جديدة من الصادرات غير التقليدية، بما يسهم في تعزيز تدفقات النقد الأجنبي”.
أشار جابر، إلى أن قطاع الحاصلات الزراعية يعد من أبرز المستفيدين من هذا الاتجاه، في ظل الطفرة التي يشهدها في معدلات التصدير، الأمر الذي يرفع الطلب على خدمات التعبئة والتغليف المطابقة للمواصفات العالمية.
ولفت إلى أن المناطق الاقتصادية المتخصصة، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تمثل بيئة مناسبة لنمو هذه الأنشطة، بفضل ما تتمتع به من بنية تحتية متطورة وموقع جغرافي متميز يدعم حركة التجارة الدولية.
المهندس: طلبات متزايدة على أنشطة التشغيل المرتبطة بإعادة التصدير
وقال محمد المهندس رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، إن توجه الدولة لتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة الترانزيت ينعكس بشكل مباشر على القطاع، من خلال زيادة معدلات التشغيل وتحفيز المصانع على الدخول في مختلف مراحل العملية الإنتاجية، سواء في إنتاج السلع النهائية أو في استكمال أجزاء من التصنيع.
أضاف لـ «البورصة»، أن طبيعة الصناعة الحديثة تقوم بالأساس على التكامل بين الشركات المختلفة، إذ لا تتولى جهة واحدة جميع مراحل الإنتاج، وإنما يتم توزيع العمليات التصنيعية بين عدة أطراف، بما يضمن رفع الكفاءة وتحسين جودة المنتج النهائي الموجه للتصدير.
أكد المهندس، أن هناك بالفعل طلبًا متزايدًا على هذا النمط من التشغيل داخل السوق من شركات الصناعات الهندسية، في ظل التوسع في أنشطة إعادة التصدير.
وقال سمير فتح الله، المدير التنفيذي لشركة ترانس أفريكا لتصنيع الملابس الجاهزة، إن البنية التحتية الحالية، خاصة في المناطق المرتبطة بالموانئ، تمنح مصر ميزة تنافسية واضحة، لافتًا إلى أن المناطق اللوجستية والصناعية القريبة من الموانئ تعد الأكثر جذبًا لهذا النوع من الأنشطة، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومحيط ميناء العين السخنة.
أضاف فتح الله، أن نموذج تجارة الترانزيت يتم غالبًا من خلال شراكات بين الدولة والمستثمرين، إذ توفر الحكومة الأراضي والمرافق والبنية التحتية، بما يدعم إقامة مشروعات تستهدف إعادة التصدير، مؤكدًا أن الهدف الرئيس من هذه المشروعات يتمثل في خلق فرص عمل، وتعميق التصنيع المحلي، إلى جانب نقل التكنولوجيا الحديثة إلى السوق المصرية.
وأكد أن التوسع في تجارة الترانزيت يمثل فرصة استراتيجية لمصر لتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية، وزيادة تنافسية الاقتصاد، خاصة مع توافر موقع جغرافي متميز يربط بين ثلاث قارات، إلى جانب تطوير مستمر في البنية التحتية والموانئ.








