تبرز “بي بي”، التي ظلت طويلاً متأخرة بين شركات النفط العملاقة، بوصفها أفضل أسهم القطاع أداءً خلال حرب إيران، إذ تجني أرباح تداول “استثنائية” وتتجنب حجم تعطلات الإنتاج التي تضرب منافسين مثل “إكسون موبيل” (Exxon Mobil Corp).
تأتي هذه المكاسب المفاجئة في توقيت حاسم بالنسبة إلى “بي بي” ومقرها في لندن، ورئيستها التنفيذية الجديدة ميغ أونيل، وهي الرئيسة الرابعة للشركة خلال ست سنوات. وكانت أسهم “بي بي” الأسوأ أداءً في القطاع منذ أن أخفقت استراتيجية عام 2020 القائمة على الاستثمار بسخاء في مشروعات الطاقة منخفضة الكربون والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، ما تسبب في تضخم الديون.
تتعرض “إكسون”، التي كانت أبرز شركات الطاقة أداءً خلال السنوات الست الماضية، لأشد الضغوط من الأزمة؛ إذ إن نحو خمس إنتاجها العالمي، ومعظمه من قطر والإمارات، عالق خلف مضيق هرمز، في حين تضرر مجمع ضخم للغاز الطبيعي المسال تملك “إكسون” حصة فيه بصواريخ إيرانية، وربما يستغرق إصلاحه سنوات.
أسعار النفط والشركات الكبرى
رغم ارتفاع أسعار النفط الخام بأكثر من 45% إلى ما فوق 100 دولار للبرميل خلال الصراع المستمر منذ ثمانية أسابيع، فشلت أسهم شركات النفط الكبرى في مجاراة هذا الصعود. ويعود ذلك إلى أن عقود النفط المستقبلية تظهر تراجعاً حاداً في الأشهر المقبلة، مع توقع المستثمرين إعادة فتح المضيق في نهاية المطاف.
ارتفعت أسهم “بي بي” بنحو 20% منذ بدء الحرب في 28 فبراير، بينما تراجعت أسهم “إكسون” بنحو 2%.
تعلن “بي بي” نتائج أعمالها يوم الثلاثاء، تليها شركة الطاقة الفرنسية الكبرى “توتال إنرجيز” (TotalEnergies SE) يوم الأربعاء، ثم “إكسون” و”شيفرون” (Chevron Corp) يوم الجمعة. أما “شل” (Shell Plc) فتعلن نتائجها في 7 مايو.
واستفادت شركات النفط العملاقة من ارتفاع أسعار النفط والغاز الناجم عن الحرب، لكن المكاسب جاءت متفاوتة. فبحسب “ريموند جيمس”، لدى “إكسون” إنتاج متأثر بالحرب في الخليج العربي يعادل نحو خمسة أضعاف الإنتاج المتأثر لدى “شيفرون”. وتمتلك الشركات الأوروبية الكبرى وحدات تداول أضخم بكثير من منافساتها الأميركية، ما يمنحها مجالاً أوسع للاستفادة من تقلبات الأسعار التي تسببت بها الحرب.
لماذا تصدرت أسهم “بي بي” المكاسب؟
أدى سهم “بي بي” أداءً أفضل من نظرائه جزئياً لأنه كان أرخص في البداية، ما يعني أنه كان لديه مجال أكبر للاستفادة من النفط عند 100 دولار للبرميل مقارنة بمنافسيه. وبعد تعليق برنامج إعادة شراء الأسهم في وقت سابق من هذا العام، يتوقع محللون أن تستخدم الشركة التدفقات النقدية الإضافية لخفض الديون بوتيرة أكثر قوة، ما يمنحها مرونة مالية أكبر لتنمية أنشطة استكشاف وإنتاج النفط والغاز مستقبلاً.
أشارت “بي بي” في إفصاح هذا الشهر إلى أنها تتوقع أن تكون نتائج التداول لديها “استثنائية”، بينما ألمحت كل من “شل” و”توتال” أيضاً إلى تحقيق أرباح مرتفعة.
في المقابل، تتبنى “إكسون” و”شيفرون” نهجاً أكثر تحفظاً تجاه التداول، إذ تستخدمان عادة المشتقات للحد من تقلبات الأسعار بمجرد شحن الشحنات.
تعني تلك الاستراتيجية أن الشركتين الأميركيتين ستتكبدان خسائر تقييم بالقيمة السوقية تقترب من 7 مليارات دولار في الربع الأول، رغم أنهما تتوقعان أن تنعكس هذه “الفروق الزمنية” بالكامل خلال الأرباع المقبلة بمجرد تسلم العملاء للشحنات.
قال جيمس ويست، محلل الطاقة لدى “ميليوس ريسيرش” (Melius Research): “لدينا سوق تعاني نقصاً في المعروض من النفط الخام، ولذلك ستظل الأسعار الطبيعية أعلى لفترة أطول”. وأضاف أن ذلك ينبغي أن يفيد القطاع على المدى الطويل، لكن توجد في الأجل القصير فروق بين الأسهم.
قال ويست: “لدى إكسون بعض الإنتاج العالق في المضيق، بينما تستفيد بي بي من وجود رئيسة تنفيذية جديدة ومن احتمال أن تكون هناك قصة تحول”.
استراتيجية “بي بي” تحت المجهر
تكتسب استراتيجية “بي بي” الجديدة للتركيز مجدداً على الوقود الأحفوري زخماً. فقد حصلت الشركة في مارس على موافقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أول مشروع جديد لها في خليج المكسيك منذ كارثة “ديب ووتر هورايزن” القاتلة في عام 2010، واشترت حصصاً في مربعات بحرية قبالة ناميبيا مع توسعها في واحدة من أبرز مناطق الاستكشاف الواعدة عالمياً.
يُتوقع أن تعطي أونيل، التي أمضت عقدين من مسيرتها المهنية في “إكسون”، الأولوية لإعادة بناء الميزانية العمومية لـ”بي بي” بدلاً من استئناف عمليات إعادة شراء الأسهم التي عُلقت في وقت سابق من هذا العام.
كتب بيراج بورخاتاريا، كبير محللي الطاقة المتكاملة عالمياً في “آر بي سي كابيتال ماركتس” (RBC Capital Markets)، في مذكرة: “أفضل استراتيجية في البيئة الحالية هي ببساطة تمرير كل التدفقات النقدية الإضافية في البيئة الراهنة إلى خفض الديون بدلاً من السعي إلى إعادة تشغيل برنامج إعادة شراء الأسهم في وقت لاحق من هذا العام”.
قد ترفع “شيفرون” برنامج إعادة شراء الأسهم بنسبة 25% إلى 3.8 مليار دولار هذا الربع، تمهيداً لزيادات إضافية في وقت لاحق من هذا العام، وفقاً لجيسون غابلمان، المحلل لدى “تي دي كوين” (TD Cowen). وأشارت الشركة إلى تعطلات في الإنتاج بلغ إجماليها ما يصل إلى 6% في الربع الأول، رغم أن معظم ذلك يعود إلى حريق في مشروعها العملاق “تنغيز” في كازاخستان، وهو أمر غير مرتبط بالحرب.
“إكسون” وإعادة شراء الأسهم
يُتوقع أن تحافظ “إكسون” على برنامج إعادة شراء الأسهم البالغ 5 مليارات دولار لكل ربع، وهو الأعلى في المجموعة. وربما تكون شركة النفط العملاقة في تكساس الأكثر تعرضاً للشرق الأوسط، لكنها تمتلك أيضاً قدرة أكبر على تعويض الخسائر عبر نمو النفط والغاز في حوض برميان وغيانا، إلى جانب أنشطة أخرى مثل البتروكيماويات والهيليوم.
وستحتاج أونيل إلى إظهار قدر مماثل من المرونة إذا أرادت “بي بي” الحفاظ على تفوقها في الأداء على المدى الأطول، وفقاً لجوشوا ستون، رئيس أبحاث أسهم الطاقة الأوروبية لدى “يو بي إس” (UBS).
كتب ستون في مذكرة: “بيئة الأسعار المرتفعة لفترة أطول إيجابية بلا شك” بالنسبة إلى “بي بي”. “لكن لا يزال هناك عمل مطلوب لاستعادة ثقة المستثمرين”.








