أستراليا تبرم اتفاقات مع الهند والإمارات وإندونيسيا وهونج كونج وبيرو
شهدت حلوى «بيرسى بيج»، رواجاً غير متوقع فى أستراليا خلال الأشهر الماضية، بعدما جعل اتفاق تجارى مع المملكة المتحدة من السهل على تجار التجزئة المحليين تخزين منتجات «ماركس آند سبنسر»، إلى جانب المفضلات المحلية مثل «تشيرى رايبس» و«فريدو فروجز».
وقالت لويز كانتيلون، القنصل العام لبريطانيا فى سيدنى، والتى تشغل أيضاً منصب نائبة مفوض التجارة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، إن «حلوى بيرسى بيج تُباع بسرعة كبيرة فى أستراليا».
ازدهرت التجارة الثنائية فى ظل اتفاق التجارة بين المملكة المتحدة وأستراليا، وهو أول اتفاق تفاوضت عليه بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبى، حيث ارتفعت بمقدار 2.8 مليار جنيه إسترلينى، أو ما يعادل 14%، خلال العام المنتهى فى يونيو 2025.
وألغى الاتفاق تعريفات جمركية، من بينها رسوم بنسبة 5% على البسكويت البريطانى المباع فى أستراليا، ورسوم بنسبة 12% على لحوم الأبقار الأسترالية الداخلة إلى المملكة المتحدة.
يُعد اتفاق المملكة المتحدة واحداً من سلسلة اتفاقات تجارية أبرمتها أستراليا منذ الجائحة، فى إطار سعيها لحماية اقتصادها القائم على التصدير، واستجابة للهجمات الحمائية من أكبر شركائها التجاريين، الولايات المتحدة والصين.
منذ عام 2020، أبرمت كانبيرا اتفاقات مع الهند والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا وهونج كونج وبيرو، إلى جانب انضمامها إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة فى آسيا واتفاق «باسيفيك بلس».
واختُتمت الشهر الماضى مفاوضات اتفاق طال انتظاره مع الاتحاد الأوروبي، ليرتفع إجمالى عدد الاتفاقات التى أبرمتها أستراليا إلى 20 اتفاقاً منذ توقيعها اتفاقاً مع نيوزيلندا المجاورة فى عام 1983.
فى هذا السياق، قال جون كونكل، الزميل الأول غير المقيم فى مركز دراسات الولايات المتحدة فى سيدني، ورئيس موظفى سابق لرئيس الوزراء سكوت موريسون، إن اتفاق الاتحاد الأوروبى يمثل «الدفعة الأخيرة» فى موجة اتفاقات التجارة الأسترالية، مضيفاً أنه يبعث برسالة مهمة مفادها أن ليس جميع الدول تتجه نحو الحمائية.
ساعد هذا التوجه نحو تعميق وتنويع شبكة التجارة أستراليا على تجاوز الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة، التى وصفها وزير التجارة دون فاريل بأنها «أكبر ضغط على السياسة التجارية» فى البلاد منذ حقبة ما بعد الحرب.
جاءت الصدمة الأولى فى عام 2020 عندما فرضت الصين، أكبر شريك تجارى لأستراليا، تعريفات جمركية على مجموعة من السلع، من بينها النبيذ والفحم والأخشاب والقطن والشعير وجراد البحر، وذلك بعد أن حظرت كانبرا معدات «هواوى» من شبكات الجيل الخامس ودعت إلى تحقيق مستقل بشأن منشأ جائحة كوفيد-19.
وقال ديفيد أورين، الزميل البارز فى معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالى، إن أستراليا تمكنت من تجاوز «الهجوم» الصينى على صادراتها الذى استمر ثلاث سنوات عبر الاعتماد على شركاء تجاريين آخرين، مضيفاً أنه «خلال فترة الإكراه الصيني، شهدنا ارتفاعاً طبيعياً فى التعاون مع كوريا واليابان».
جعل رئيس الوزراء أنتونى ألبانيز، إصلاح العلاقات مع بكين أحد أبرز ملامح ولايته الأولى، وعادت التجارة إلى الانتعاش بفضل الطلب الصينى الكبير على خام الحديد والفحم والنحاس.
وشكلت الصين 24% من تجارة أستراليا فى السلع والخدمات، أو ما يعادل 309 مليارات دولار أسترالى (220 مليار دولار أمريكي) فى 2024-2025، ارتفاعاً من 251 مليار دولار فى 2019-2020 قبل التوترات التجارية، وفق بيانات حكومية.
وفى الآونة الأخيرة، جاء الضغط من الولايات المتحدة، إذ فرض الرئيس الأمريكى دونالد ترامب العام الماضى رسوماً بنسبة 10% تحت مسمى «يوم التحرير» على أستراليا، تبعها هذا الشهر فرض رسوم بنسبة 100% على قطاع الأدوية.
لكن أستراليا استفادت أيضاً من الحرب التجارية التى خاضها ترامب، إذ أدى ذلك إلى زيادة الطلب الأمريكى على لحوم الأبقار الأسترالية، بفضل فارق التعريفات الجمركية لصالحها مقارنة بالبرازيل.
وقال شين أوليفر، رئيس استراتيجية الاستثمار وكبير الاقتصاديين فى «إيه إم بي»، إن أستراليا استفادت من «انخفاض مستوى الظهور» بينما ركزت إدارة ترامب على شركاء تجاريين أكبر.
وأضاف أن الاتفاقات الثنائية وطبيعة الصادرات الأسترالية ساعدتا فى «حماية» البلاد من موجة الحمائية.
وقال: «كنا محظوظين لأن منتجاتنا، من اللحوم والشعير والفحم، قابلة للاستبدال، ما سمح لنا بتحويلها إلى أسواق أخرى لدينا معها اتفاقات».
كما برزت كانبيرا كشريك استراتيجى رئيسى فى مجال المعادن الحيوية، بعد توقيع شراكة مع الولايات المتحدة للمساعدة فى مواجهة سيطرة الصين على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة.
برزت قيمة شبكة العلاقات التجارية الأسترالية، التى وصفها فاريل بأنها «أصل وطنى ضخم»، خلال الشهر الماضى مع صدمة الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب فى إيران.
تُعد أستراليا مصدراً ضخماً للغاز الطبيعي، لكنها تعتمد على واردات النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات لتلبية احتياجات الزراعة والصناعة والنقل.
وقد أجرت حكومة ألبانيز محادثات مع شركاء آسيويين، من بينهم سنغافورة واليابان وماليزيا وبروناي، لتأمين الإمدادات.
وقال ألبانيز إن تدفقات صادرات أستراليا من المعادن والغاز والمنتجات الزراعية كانت «بالغة الأهمية» فى تلك المحادثات، مضيفاً فى خطاب ألقاه فى بيرث الأسبوع الماضى أن «أستراليا ليست من الأصدقاء الذين يتصلون فقط عندما يريدون شيئاً».
جاء اتفاق التجارة مع الاتحاد الأوروبى، الذى وصفه فاريل بأنه «القطعة المفقودة» فى شبكة التجارة الأسترالية، بعد مفاوضات استمرت ثمانية أعوام.
وقد تعثرت المحادثات بسبب معارضة المزارعين الفرنسيين لواردات لحوم الأبقار، إلى جانب استخدام المنتجين الأستراليين طويل الأمد لتسميات محمية مثل «فيتا» و«بروسكو».
وقال رئيس الوزارء الأسترالى إن الاتفاق يمكن أن يعزز الناتج المحلى الإجمالى لأستراليا بمقدار 10 مليارات دولار أسترالى سنوياً.
وأوضح روبن ديويت، الخبير الاقتصادى فى «آى إن جي»، أن الاتفاق «منطقي» لكلا الطرفين، إذ يوفر قدراً من الحماية من تأثير الرسوم الأمريكية.
وقال إن «تعزيز المرونة وتقليل التعرض للصدمات يمثلان دافعاً اقتصادياً رئيسياً وراء اتفاقات التجارة الحالية».
بالنسبة لشركة «جى إل تي» فى كوينزلاند، التى تصنع مقطورات لقطاعات التعدين والنفايات والزراعة، كانت أوروبا «فكرة ثانوية» بسبب التكاليف وتعقيدات اللوائح التنظيمية، بحسب الرئيسة التنفيذية شاى تشالمرز.
لكن الرسوم الأمريكية دفعت الشركة إلى إعادة النظر فى استراتيجية التوريد الخاصة بها، فى حين أتاح الاتفاق التجارى الوصول إلى التكنولوجيا الهولندية والألمانية.
وقالت إن «هناك فرصة حقيقية.. للتعامل مع أستراليا كشريك وليس مجرد ساحة اختبار».
فى حين أن الدافع وراء إتمام اتفاق التجارة مع الاتحاد الأوروبى كان التنويع بعيداً عن الولايات المتحدة التى أصبحت أكثر تقلباً، فإنه «يظهر أن التجارة الحرة لا تزال هدفاً ذا صلة»، بحسب كونكل من مركز دراسات الولايات المتحدة.
وأضاف: «تُظهر الحكومات أنها تمتلك شركاء آخرين يمكنها التعاون معهم».







