تصاعدت مطالب مجتمع الأعمال والخبراء الضريبيين بإعادة النظر في آليات تطبيق الضريبة العقارية على المنشآت الصناعية، وسط تحذيرات من أن نظم التقييم الحالية تفرض أعباء متزايدة على المصانع، خاصة المتعثرة منها، بما ينعكس سلبًا على الإنتاج والاستثمار.
وأكد ممثلو اتحاد الصناعات وجمعيات المستثمرين وخبراء الضرائب أن الحكومة تدرس إدخال تعديلات على قانون الضريبة العقارية ضمن برنامج الإصلاح الضريبي الجاري، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحويل الإعفاءات المؤقتة الممنوحة للقطاعات الإنتاجية إلى إعفاءات دائمة، ووضع قواعد تشريعية أكثر وضوحًا وعدالة لتقييم المنشآت الصناعية ذات الطبيعة الخاصة.
وقال محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، إن الاتحاد طالب وزارة المالية بإدخال تعديلات على قانون الضريبة العقارية ضمن برنامج الإصلاح الضريبي الذي تعمل عليه الحكومة حاليًا.
وأضاف أن آلية احتساب الضريبة العقارية تؤدي في بعض الحالات إلى تقديرات مرتفعة للغاية على المنشآت الصناعية، مشيرًا إلى أن القانون يتيح لأصحاب المصانع حق الطعن على تلك التقديرات، وقد تمت بالفعل الاستجابة لعدد من التظلمات وإعادة النظر في قيم الضريبة.
وأوضح البهي أن المصانع المتعثرة تعد الأكثر تضررًا من الضريبة العقارية، في ظل ما تتحمله بالفعل من أعباء تشغيلية وتمويلية مرتفعة، مطالبًا بإعادة النظر في أسس احتساب الضريبة على المنشآت الصناعية، بحيث يتم الاعتماد على القيمة الإنشائية للمصنع بدلًا من القيمة الاستبدالية التي تعكس القيمة الحالية للمنشأة، معتبرًا أن الاعتماد على الأخيرة يرفع قيمة الضريبة بصورة كبيرة ويحد من جهود الدولة الرامية إلى دعم القطاع الصناعي وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي.
جاب الله: إعفاء 21 نشاطًا اقتصاديًا من الضريبة العقارية يجب أن يتحول إلى تشريع دائم
من جانبه، دعا محمود جاب الله، عضو مجلس إدارة جمعية الضرائب المصرية، إلى إعفاء العقارات المبنية الخاصة بالأنشطة الإنتاجية والصناعية والخدمية من الضريبة العقارية بشكل كامل، مؤكدًا أن الدولة سبق أن اتخذت خطوات مماثلة لمواجهة الأزمات الاقتصادية ودعم القطاعات المتضررة.
وأوضح جاب الله أن الحكومة بدأت منذ أزمة جائحة كورونا في تقديم تسهيلات ضريبية للقطاعات الأكثر تضررًا، إذ صدر قرار مجلس الوزراء رقم 31 لسنة 2020 بإعفاء العقارات المستخدمة فعليًا في الأنشطة السياحية والفندقية وقطاع الطيران المدني من الضريبة على العقارات المبنية خلال الفترة من أبريل حتى ديسمبر 2020، بهدف تخفيف الأعباء عن تلك القطاعات بعد التداعيات الاقتصادية للجائحة.
وأضاف أنه عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وما ترتب عليها من ارتفاع تكاليف الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد، أصدرت الحكومة قرار مجلس الوزراء رقم 61 لسنة 2022، والذي نص على تحمل وزارة المالية قيمة الضريبة العقارية المستحقة على عدد كبير من الأنشطة الصناعية والإنتاجية، شملت صناعات الغزل والنسيج، والصناعات الهندسية، والتعدينية، والمعدنية، والدوائية، والغذائية، وصناعة الحديد والأسمنت والسيراميك، إلى جانب أنشطة الإنتاج النباتي والحيواني.
وأشار إلى أن نطاق الإعفاء توسع لاحقًا بإضافة مزارع الإنتاج الداجني بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 12 لسنة 2023، ثم مزارع الإنتاج الحيواني وفقًا لقرار مجلس الوزراء رقم 3 لسنة 2024، مع مد العمل بالإعفاءات لمدة عامين إضافيين حتى نهاية ديسمبر 2026.
وأكد جاب الله أن هذه القرارات تعني عمليًا إعفاء العقارات المبنية التابعة لـ21 نشاطًا اقتصاديًا من الضريبة العقارية حتى نهاية العام الجاري، لافتًا إلى أن تلك القطاعات تمثل قاطرة للنمو الاقتصادي، وتتحمل أعباء كبيرة في ظل التحديات العالمية الراهنة وارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج.
وطالب بتحويل هذه الإعفاءات المؤقتة إلى إعفاء كامل ومستقر، بما يضمن وضوح الرؤية أمام المستثمرين ويخفف الأعباء الضريبية عن القطاعات الإنتاجية، مشيرًا إلى أن ذلك سيسهم أيضًا في إنهاء الجدل المرتبط بمعايير تقييم المنشآت ذات الطبيعة الخاصة، مثل المصانع والمنشآت السياحية والبترولية والموانئ والمطارات والمحاجر.
وانتقد جاب الله النص الوارد في المادة 13 من قانون الضريبة على العقارات المبنية، والذي يجيز تحديد معايير تقييم تلك المنشآت بقرار من وزير المالية بالاتفاق مع الوزير المختص، معتبرًا أن منح السلطة التنفيذية صلاحية تحديد أسس التقييم الضريبي يثير شبهة عدم الدستورية، لأن تحديد وعاء الضريبة يجب أن يكون من اختصاص السلطة التشريعية وحدها.
وشدد على ضرورة أن يتضمن أي تعديل تشريعي مستقبلي قواعد واضحة ومحددة داخل القانون نفسه، دون ترك تقدير وعاء الضريبة أو معايير التقييم للقرارات التنفيذية، حفاظًا على الاستقرار التشريعي وضمانًا لحقوق الممولين.
نصر: الحجز على حسابات المصانع يهدد الإنتاج والتشغيل
وفي السياق ذاته، قال صبحي نصر، نائب رئيس الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين ورئيس لجنة الضرائب والجمارك بالاتحاد، إن ممثلي المستثمرين طالبوا بعقد اجتماع مع وزير المالية لبحث آليات تذليل العقبات المرتبطة بالحزمة الضريبية الجديدة، وفي مقدمتها قانون الضريبة على العقارات المبنية، وذلك في إطار جهود دعم القطاع الصناعي وتحسين بيئة الاستثمار.
وأوضح نصر أن الاجتماع المرتقب سيتناول عددًا من المشكلات التي تواجه أصحاب المصانع والمنشآت الصناعية عند تطبيق الضريبة العقارية، مشيرًا إلى أن بعض المأموريات تفرض مبالغ كبيرة على المصانع والمخازن، بما يضاعف الأعباء المالية على المستثمرين في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وأضاف أن بعض الإجراءات المرتبطة بتحصيل الضريبة تصل أحيانًا إلى وقف الحسابات البنكية الخاصة بالمصانع والمنشآت، وهو ما يؤدي إلى تعطيل النشاط الصناعي والتأثير على حركة الإنتاج والتشغيل في مختلف القطاعات، مؤكدًا أن استمرار هذه الإجراءات ينعكس سلبًا على قدرة المصانع على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية والإنتاجية.
وطالب نصر بضرورة تخفيف الأعباء الضريبية على المنشآت الصناعية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل الناتجة عن زيادة أسعار المحروقات والكهرباء والغاز الطبيعي، موضحًا أن القطاع الصناعي يواجه ضغوطًا كبيرة تتطلب مزيدًا من التيسيرات للحفاظ على استمرار المصانع وزيادة معدلات الإنتاج.
العقدة: أساليب التقييم الحالية تفتقر للعدالة وتتسبب في تضخم الوعاء الضريبي
من جانبه، قال محمد العقدة، وكيل وزارة المالية الأسبق، إن إخضاع المنشآت الصناعية للضريبة العقارية يظل من أكثر الملفات الضريبية تعقيدًا، في ظل الطبيعة الخاصة للمصانع وتشابك العناصر العقارية مع المكونات التشغيلية والإنتاجية، بما يتطلب معالجة تشريعية وفنية أكثر دقة وعدالة.
وأضاف أن الإدارة الضريبية اتجهت خلال السنوات الماضية إلى تطبيق أسلوب التكلفة الاستبدالية لتقييم المنشآت الصناعية، عبر بروتوكولات منظمة للمنشآت ذات الطبيعة الخاصة، بسبب غياب سوق إيجارية حقيقية يمكن القياس عليها، إلا أن هذه البروتوكولات توسعت عمليًا في إنشاء قواعد موضوعية لتحديد الوعاء الضريبي، رغم أن الأصل الدستوري يقتضي أن يكون تحديد نطاق الخضوع والإعفاء وعناصر الوعاء بنص تشريعي واضح وصريح.
وأوضح العقدة أن أحد أبرز الملاحظات الفنية يتمثل في تطبيق نسب إهلاك نمطية وثابتة على جميع المنشآت الصناعية، دون مراعاة الفروق الجوهرية بين طبيعة الأنشطة الصناعية أو درجات التشغيل أو التقادم التكنولوجي والحالة الفنية الحقيقية للأصول، وهو ما يختلف عن المفهوم المحاسبي للإهلاك الذي يقوم على قياس الاستهلاك الفعلي للمنافع الاقتصادية للأصل ومراجعته بصورة دورية.
وأشار إلى أن البروتوكول المعمول به حاليًا ذو طبيعة ضريبية تقديرية، ولا يستهدف إظهار المركز المالي الحقيقي للمنشأة، بل الوصول إلى وعاء ضريبي موحد باستخدام أدوات محاسبية مبسطة لخدمة غرض ضريبي فقط، وليس تطبيقًا مباشرًا لمعايير المحاسبة أو التقارير المالية الدولية.
وانتقد العقدة اعتماد نسبة عائد معيارية تبلغ 5% لاحتساب القيمة الإيجارية السنوية، موضحًا أن العائد الفعلي يختلف من قطاع صناعي إلى آخر، كما أن بعض الصناعات تمر بفترات ركود أو انخفاض تشغيل، ما يجعل افتراض عائد موحد سببًا في تضخم الوعاء الضريبي بصورة لا تعكس القدرة التكليفية الحقيقية لبعض المنشآت.
وأكد أن التطبيق الحالي أفرز عددًا من التحديات العملية، أبرزها اتساع نطاق المنازعات الضريبية بسبب الطبيعة التقديرية للتقييم، وعدم وضوح الحدود الفاصلة بين العناصر العقارية والمكونات الإنتاجية، إلى جانب ارتفاع العبء الضريبي على المصانع المتعثرة أو منخفضة التشغيل.
وطالب العقدة بإعادة صياغة المعايير المنظمة لتقييم المنشآت الصناعية بما يحقق مرونة أكبر ويراعي طبيعة كل قطاع، مع النص بوضوح على استبعاد الأصول التشغيلية وخطوط الإنتاج والآلات والمعدات من الوعاء الضريبي، وقصر الخضوع على العناصر العقارية البحتة.
كما دعا إلى إعادة النظر في نسبة العائد المعيارية وربطها بمؤشرات اقتصادية وقطاعية أكثر واقعية، واعتماد نظام إهلاك اقتصادي مرن يعكس العمر الفعلي والحالة الفنية والتكنولوجية للأصول، إلى جانب استحداث معالجات خاصة للمصانع المتعثرة تشمل إمكانات التأجيل أو التخفيض المرحلي للضريبة.
وشدد على أهمية إصدار أدلة فنية ملزمة لتوحيد أسس التقدير، مع إحالة توصيف المنشآت ذات الطبيعة الخاصة إلى القوانين المنظمة لكل نشاط، مثل قوانين الصناعة والبترول والطيران المدني والموانئ والثروة المعدنية، باعتبار الجهات الفنية المختصة الأقدر على التفرقة بين العقار الخاضع للضريبة والأصول التشغيلية المرتبطة بالإنتاج.








