تواجه الولايات المتحدة موجة تضخم هي الأسوأ منذ سنوات، لتعود وتنهش دخول الأمريكيين مع ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية، في مشهد يهدد بتقويض إنفاق الأسر الأميركية.
أبرزت بيانات حكومية جديدة صدرت أمس الثلاثاء كيف تُعيد حرب إيران إشعال فتيل التضخم، لتزيد الأعباء على المستهلكين الذين كانوا مُستائين بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة. وبعد احتساب تأثير صعود الأسعار، سجلت الأجور في أبريل أول تراجع لها على أساس سنوي منذ عام 2023.
كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع عن مقترحات جديدة تستهدف خفض الأسعار، بينما يسعى الجمهوريون والديمقراطيون قبيل انتخابات التجديد النصفي إلى إقناع الناخبين بقدرتهم على تحسين الأوضاع المعيشية. إلا أن الضغوط المتجددة على ميزانيات الأسر يُشير إلى أن الاستياء من الوضع الاقتصادي لن يتراجع قريباً.
قالت سارة هاوس، كبيرة الاقتصاديين لدى “ويلز فارغو آند كو” (Wells Fargo & Co): “نحتاج إلى وقود السيارات للذهاب إلى العمل وإيصال الأطفال إلى المدارس. كما نحتاج إلى الطعام. هذه ليست نفقات يمكن للأسر تجنبها أو تأجيلها. هذا الأمر يثقل بالفعل كاهل العديد من الأسر الأميركية”.
التضخم الأمريكي يشتعل
أظهرت بيانات صدرت الثلاثاء ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 3.8% مقارنة بالعام الماضي، ليسجل أعلى مستوى منذ 2023. يأتي ذلك تزامناً مع ارتفاع أسعار البنزين بنحو 50% منذ اندلاع الحرب، وفق بيانات “الجمعية الأميركية للسيارات”، فيما أشار أحدث تقرير لـ”مكتب إحصاءات العمل” إلى ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والإسكان والملابس والمواد الغذائية أيضاً.
وقفزت أسعار البقالة خلال أبريل بأكبر وتيرة منذ 2022، حينما بلغ التضخم ذروته منذ عقود. كما تجاوز سعر اللحم المفروم 7 دولارات للرطل لأول مرة، وسط تراجع أعداد الماشية الأميركية إلى أدنى مستوياتها خلال 75 عاماً، فيما سجلت أسعار البن مستوى قياسياً جديداً. كذلك ارتفعت أسعار الفواكه والخضراوات الطازجة والحليب والخبز.
كان ترمب قد وصل إلى البيت الأبيض مدفوعاً جزئياً باستياء الأميركيين من ارتفاع الأسعار، إلا أن تركيزه انصرف بدرجة كبيرة إلى الحروب الخارجية وتجديدات البيت الأبيض. وفي المقابل، صعّد الديمقراطيون حملاتهم الانتخابية عبر التركيز على ملف القدرة الشرائية، بحجة أن ترمب لم يفِ بوعوده الانتخابية التي قدمها خلال حملة 2024.
وقد طرح ترمب سلسلة مقترحات تضمنت تعليقاً مؤقتاً لضريبة البنزين الفيدرالية، كما كان من المنتظر أن يوقع أوامر تنفيذية تستهدف خفض أسعار لحوم الأبقار قبل تأجيلها، إلى جانب دعوته الكونغرس لإقرار تشريعات إسكانية “تضمن أن تكون المنازل للأفراد لا للشركات”.
تكاليف المعيشة تتصدر اهتمامات الأمريكيين
قال أليكس كونانت، الاستراتيجي الجمهوري، إن من الضروري أن يُظهر البيت الأبيض انشغاله بهذه القضية، مضيفاً أن “تكلفة المعيشة هي القضية الأولى بالنسبة للناخبين، ويجب أن تكون كذلك بالنسبة لترمب”.
مع ذلك، لم يتضح مدى سرعة تنفيذ أي من هذه الخطوات، أو حجم المكاسب الفعلية التي قد تنعكس على حياة الأمريكيين.
في هذا السياق، رأى جيف هورويت، خبير استطلاعات الرأي الديمقراطي لدى “هارت ريسيرش” (Hart Research)، أن هذه الجهود قد لا تكون كافية لإحداث تحول جوهري في مواقف الناخبين.
فقد قال: “حتى تعليق الضريبة على البنزين يحمل اعترافاً ضمنياً بأن الأوضاع ازدادت سوءاً. وهذا لا يُعالج المشكلة الأكبر”.
عند سؤاله الثلاثاء عن تداعيات الحرب على المستهلك الأمريكي، شدد ترمب على أن “الأمر الأهم على الإطلاق هو ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً. وكل أمريكي يدرك ذلك”.
وتابع: “عندما تنتهي الحرب، ستتراجع أسعار النفط، وسترتفع سوق الأسهم بقوة هائلة”.
تهاوي ثقة المستهلك الأمريكي
يتجه الأميركيون إلى تقليص مدخراتهم والاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض لمجاراة غلاء المعيشة. ورغم أن استردادات الضرائب أسهمت في تخفيف وطأة الغلاء، إلا أن مسؤولين تنفيذيين في الشركات قالوا إن المستهلكين ذوي الدخل المنخفض بدأوا بالفعل تقليص إنفاقهم.
في الوقت نفسه، هبطت ثقة المستهلك إلى مستويات قياسية متدنية، فيما تراجع مؤشر جامعة “ميشيغان” حتى بين الجمهوريين إلى أدنى مستوياته خلال ولاية ترامب الثانية.
وحتى إذا استمر وقف إطلاق النار الحالي وأُعيد فتح مضيق هرمز قريباً، يتوقع اقتصاديون استمرار ارتفاع التكاليف خلال الأشهر المقبلة مع عودة إنتاج النفط وتدفقات الشحن إلى مستوياتها الطبيعية. كما يُرجح أن يؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة إلى زيادة فواتير البقالة، بينما قد تدفع أسعار النفط المرتفعة أسعار سلع وخدمات أخرى إلى الصعود مع محاولة الشركات تحميل المستهلكين تكاليف النقل المتزايدة.
هذا يُبقي الضغط قائماً على أشخاص مثل ليام تشافيز، البالغ من العمر 28 عاماً، والذي يعمل مديراً لعمليات البرامج في كلية الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، إذ يحاول إيجاد توازن بين ارتفاع الأسعار ومواصلة سداد ديونه.
وبات تشافيز يقلل من شراء المنتجات الطازجة، ويعتمد بصورة أكبر على وسائل النقل العام، كما يخطط رحلاته بعناية عندما يضطر لاستخدام سيارته بهدف تقليل استهلاك الوقود. وفي ولاية كاليفورنيا، حيث يتجاوز متوسط سعر البنزين 6 دولارات للغالون، أصبح أحياناً يكتفي بملء جزء من خزان الوقود أو اللجوء إلى بنوك الطعام حتى يحين موعد راتبه المقبل.
وقال تشافيز: “أحقق أعلى دخل في حياتي، ومع ذلك ما زلت أعاني كثيراً”.
ديون الأسر في الولايات المتحدة
حتى الآن، يظهر الإنفاق الاستهلاكي الإجمالي متماسكاً، بحسب بيانات “معهد بنك أوف أميركا”. فقد ارتفع إجمالي الإنفاق عبر البطاقات لكل أسرة بنسبة 4.8% خلال أبريل مقارنة بالعام الماضي، مسجلاً أسرع وتيرة نمو خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، فيما بقي مرتفعاً بنسبة 4% حتى بعد استبعاد نفقات الوقود.
إلا أن هذه الأرقام غير معدلة وفقاً للتضخم، وتختلف باختلاف فئات الدخل. فبينما يواصل الأميركيون ذوو الدخل المرتفع الإنفاق بوتيرة قوية، ظهرت دلائل على أن الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل بدأت في تقليص نفقاتها على السلع والخدمات غير الأساسية، وفق محللون.
في المقابل، كشف تقرير منفصل صدر الثلاثاء عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بشأن ديون الأسر أن الضغوط المالية لا تزال تثقل كاهل شريحة واسعة من الأمريكيين خلال الربع الأول من العام. وبلغت نسبة قروض السيارات المتأخرة عن السداد لمدة لا تقل عن 90 يوماً مستوى قياسياً مرتفعاً، فيما ارتفعت معدلات التعثر في سداد ديون بطاقات الائتمان إلى أعلى مستوى منذ 2011.
قالت أرييتا فينيزيلوس، وهي موظفة فيدرالية متقاعدة تبلغ من العمر 70 عاماً وتقيم في ميامي، إنها اضطرت إلى السحب من مدخراتها التقاعدية لمواجهة ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل البقالة والبنزين.
وأضافت: “في كل مرة أخرج فيها لشراء شئ ما، خاصة البقالة، أتساءل ماذا اشتريت مقابل 160 دولاراً؟. إذا لم تكن لديك أموال مستثمرة في سوق الأسهم أو في صندوق تقاعد، فلا أعرف كيف يمكن لأي شخص أن يدبر أموره”.







