بدأت شركات صناعية، البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استدامة في ظل الارتفاع المستمر في تكلفة الطاقة، وعلى رأسها الوقود المشتق من المخلفات، كخيار محتمل لتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية.
ورغم أن هذا التوجه لم يتحول بعد إلى تطبيق واسع، إلا أنه أصبح حاضرًا ضمن خطط الشركات، بالتوازي مع إجراءات فورية تعتمد على رفع كفاءة التشغيل وترشيد الاستهلاك.
السقا: قطاعات الأسمنت والطوب والصناعات المعدنية.. الأكثر استفادة حاليا
قال إيهاب السقا، رئيس شعبة إدارة المخلفات باتحاد الصناعات المصرية، إن حجم إنتاج مصر من الوقود البديل المشتق من المخلفات لايزال غير محدد بدقة حتى الآن، موضحًا أن هذا النشاط ما زال بحاجة إلى مزيد من التنظيم والتنسيق داخل منظومة إدارة المخلفات.
أضاف أن أكثر القطاعات استفادة من استخدام الوقود البديل حاليًا تشمل قطاع الأسمنت وقطاع الطوب، إلى جانب بعض الصناعات الثقيلة، وعلى رأسها الصناعات المعدنية، نظرًا لاعتمادها الكبير على مصادر الطاقة الحرارية في عمليات التشغيل.
أشار السقا، إلى أن التوسع في استخدام الوقود المشتق من المخلفات داخل القطاع الصناعي مرشح للنمو خلال الفترة المقبلة، إلا أن تعميم الفكرة على نطاق واسع يتطلب تكثيف الجهود من جانب القطاعين الحكومي والخاص، بما يسهم في دعم البنية التنظيمية وتحفيز الشركات على الاستفادة من هذا النوع من الوقود كبديل اقتصادي ومستدام.
ونوه بأن تطوير منظومة إدارة المخلفات في مصر يقوم على تعزيز الترابط بين جميع الأطراف الفاعلة في القطاع، بهدف رفع كفاءة الاستفادة من الموارد المتاحة وتحويل المخلفات من عبء إلى فرصة اقتصادية قابلة للاستثمار.
أوضح السقا، أن هناك توجهًا متزايدًا داخل القطاع نحو تعظيم القيمة الاقتصادية للمخلفات، سواء من خلال إعادة التدوير أو إدخالها في صناعات جديدة، من بينها إنتاج الوقود البديل، بما يتماشى مع خطط التحول نحو الاقتصاد الدائري.
وأضاف أن دعم الاستثمار في هذا المجال لا يقتصر على توفير الفرص فقط، وإنما يمتد إلى تهيئة بيئة تشغيل مستقرة، من خلال تسهيل التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، ورفع كفاءة الأطر التنظيمية الحاكمة للقطاع.
جبرى: الوقود البديل يغطى 50% من الاحتياجات ويخفض التكاليف والانبعاثات
وقال حسن جبري، رئيس شعبة الأسمنت باتحاد الصناعات، إن قطاع الأسمنت يعد من أكثر القطاعات الصناعية اعتمادًا على الوقود البديل المشتق من المخلفات، موضحًا أن نسبة اعتماد المصانع على هذا النوع من الوقود تختلف من مصنع لآخر، إذ تتراوح حاليًا بين 30% و50% من إجمالي احتياجات الطاقة داخل عدد كبير من المصانع.
أضاف أن التوسع في استخدام الوقود البديل أسهم في تحقيق وفرة مالية كبيرة لشركات الأسمنت خلال السنوات الماضية، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار مصادر الطاقة التقليدية، مؤكدًا أن هذا التوجه لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة اقتصادية تدعم استقرار تكاليف التشغيل وتعزز القدرة التنافسية للقطاع.
وأوضح جبري، أن الاعتماد على الوقود المستخرج من المخلفات لا يقتصر تأثيره على خفض التكاليف فقط، بل يسهم أيضًا في تقليل معدلات الانبعاثات الكربونية الناتجة عن العمليات الإنتاجية، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات العالمية نحو خفض البصمة الكربونية للصناعات الثقيلة، ويدعم التزام الشركات المصرية بالمعايير البيئية الدولية.
وأشار إلى أن استخدام الوقود البديل يمنح شركات الأسمنت ميزة إضافية في الأسواق الخارجية، خاصة في ظل توجه عدد من الدول إلى فرض قيود بيئية صارمة على المنتجات ذات الانبعاثات المرتفعة، لافتًا إلى أن تقليل الانبعاثات الكربونية يسهم في تعزيز فرص التصدير وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.
أكد جبري، أن عدد مصانع الأسمنت العاملة في السوق المصرية يبلغ نحو 22 مصنعًا، موضحًا أن الغالبية العظمى من هذه المصانع تعتمد بالفعل على الوقود البديل بنسب متفاوتة، في إطار سعيها المستمر لخفض تكاليف التشغيل وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
وأضاف أن القطاع يعد نموذجًا ناجحًا لتطبيق فكرة استخدام الوقود المشتق من المخلفات على نطاق صناعي واسع، ما يعزز من إمكانية نقل هذه التجربة إلى قطاعات صناعية أخرى خلال الفترة المقبلة، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
البنا: الصناعات كثيفة الاستهلاك لاتزال مرتبطة بالغاز والكهرباء
وأكد إبراهيم البنا، رئيس مجلس إدارة شركة البنا لصناعة الزجاج، أن القطاع الصناعي يمكنه الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة في الوقت الحالي، موضحًا أن طبيعة العمليات الإنتاجية، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك، لا تزال مرتبطة بشكل أساسي بالغاز والكهرباء كمصادر رئيسية.
أضاف أن أي خفض ملموس في استهلاك الغاز يتحقق من خلال تحسين الكفاءة الداخلية، وليس عبر استبدال مصادر الطاقة، موضحًا أن الهدف هو تقليل الاستهلاك دون التأثير على معدلات الإنتاج.
وأشار البنا، إلى أن المصانع تركز حاليًا على رفع كفاءة التشغيل وتقليل الفاقد، مع الحفاظ على الالتزامات الإنتاجية والتصديرية، في ظل عدم جاهزية البدائل على نطاق واسع.
الصياد: السوق المصري يشهد تحركات لإنتاج وقود الطائرات المستدام
وقال شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، إن القطاع يستهدف الاعتماد علي الوقود البديل خلال الفترة المقبلة، خاصة حال استمرار ارتفاع أسعار الوقود التقليدي عالميًا، ما قد يدفع بعض الشركات إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استدامة، خاصة وأن التوجه نحو الطاقة الشمسية قائمًا لكنه يستغرق وقتًا طويلًا.
وأضاف أن العديد من المصانع بدأت بالفعل في تركيب ألواح الطاقة الشمسية أعلى أسطح المنشآت الصناعية، بهدف توليد طاقة نظيفة وخفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، فضلًا عن تقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل، مؤكدًا أن هذا التوجه أصبح ملحوظًا داخل عدد كبير من المصانع في القطاع.
ولفت الصياد، إلى وجود تحركات داخل السوق المصري في مجال إنتاج وقود الطائرات المستدام، حيث تعمل بعض الشركات على إنتاج هذا النوع من الوقود من خلال إعادة تدوير الزيوت المستعملة، سواء التي يتم جمعها من المنازل أو المطاعم، وتحويلها إلى وقود يمكن استخدامه في قطاع الطيران، إلا أن هذا النشاط يختلف بطبيعته عن احتياجات قطاع الصناعات الهندسية.
واشار إلى أن أن أغلب الصناعات الهندسية ليست من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، خاصة أنها لا تعتمد على الأفران الحرارية بشكل واسع، باستثناء بعض الأنشطة المحدودة مثل صناعات الحديد والمعادن، والتي تعد الأكثر احتياجًا للأفران واستهلاك الطاقة.
وأوضح الصياد، أن غالبية المصانع في القطاع تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء كمصدر رئيسي للتشغيل، لافتًا إلى أن هذه الكهرباء يتم الحصول عليها في الأساس من الشبكة القومية، إلى جانب اتجاه عدد متزايد من الشركات خلال السنوات الأخيرة إلى الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية.
وقال أحمد زكي، المدير العام بشركة «ماس» للرخام، إن شركات القطاع تتجه في المرحلة الحالية إلى تقليل استهلاك الكهرباء عبر إعادة تنظيم التشغيل، كحل فوري لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة والاتجاه نحو الوقود البديل.
وأضاف أن الضغط المتزايد على فاتورة الطاقة دفع عددًا من الشركات إلى فتح نقاشات داخلية حول حلول أكثر استدامة على المدى الطويل، من بينها دراسة إمكانية الاعتماد على الوقود البديل المستخرج من المخلفات، كخيار قد يسهم في تقليل الاعتماد على الكهرباء والغاز في بعض مراحل التشغيل مستقبلًا.
وتابع: “هذه البدائل لاتزال في إطار البحث والتقييم من حيث التكلفة والجدوى الفنية، في ظل استمرار الاعتماد الحالي على إجراءات ترشيد الاستهلاك كخيار أساسي في الوقت الراهن”.
السمان: شركات الرخام بدأت خفض الاستهلاك وإعادة ضبط خطط الإنتاج
وقال محمد السمان، مدير التصدير بشركة «مارمو ماربل» للرخام والجرانيت، إن شركات القطاع تتعامل حاليًا مع ارتفاع تكاليف الطاقة من خلال إجراءات مباشرة تستهدف خفض الاستهلاك، وإعادة ضبط خطط الإنتاج وفقًا لحجم الطلب.
وأوضح أن قطاع الرخام يعد من أكثر القطاعات اعتمادًا على الطاقة، ما يجعله أكثر تأثرًا بأي زيادات في الأسعار، سواء على مستوى الإنتاج المحلي أو القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.
أضاف السمان، أن هذه الضغوط دفعت بعض الشركات إلى التفكير في حلول أكثر استدامة على المدى الطويل، من بينها دراسة بدائل للطاقة يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الكهرباء التقليدية، بما في ذلك الوقود المشتق من المخلفات، رغم أن هذه الخيارات لاتزال في مراحلها الأولية من حيث التطبيق العملي.
وأشار إلى أن الاعتماد على مصادر بديلة مثل الطاقة الشمسية أو غيرها من الحلول المستحدثة مازال محدودًا بسبب ارتفاع التكلفة الاستثمارية وصعوبة دمجها بشكل كامل في تشغيل المعدات الثقيلة، وهو ما يجعل إجراءات الترشيد هي الخيار الأكثر استخدامًا في الوقت الحالي.








