على مدار خمسين عامًا، تشرفت مؤسسة التمويل الدولية، عضو مجموعة البنك الدولي، بأن تكون جزءًا من رحلة التنمية في مصر. لم نكن من يكتب هذه القصة، بل كنا شريكًا ساهم في توفير التمويل، ودعم تطوير القواعد المنظمة للاستثمار، ودعم المستثمرين الذين آمنوا بالرؤية المصرية. أما الإنجاز الحقيقي على أرض الواقع، فهو إنجاز صنعته مصر وشعبها.
واليوم، تبدو الفرص المستقبلية أكبر من أي وقت مضى. فمع دخول نحو 1.3 مليون شاب وشابة إلى سوق العمل سنويًا، تمتلك مصر جيل طموح قادر على الابتكار والقيادة. وتحويل هذه الطاقات إلى فرص حقيقية يتطلب المزيد من استثمارات القطاع الخاص، إلى جانب شركاء يمتلكون الخبرة والالتزام طويل الأمد. وفي الوقت الذي تحتفل فيه مؤسسة التمويل الدولية هذا الشهر بمرور خمسين عامًا على شراكتها مع مصر، يظل دعم النمو وخلق فرص العمل هو الرهان الحقيقي للمستقبل.
كيف بدأت الشراكة؟
في سبعينيات القرن الماضي، اتخذت الدولة المصرية قرارًا استراتيجيًا بتعزيز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني. وفي عام 1976، بدأت مؤسسة التمويل الدولية رحلتها في مصر من خلال استثمار بقيمة 5 ملايين دولار في أحد مصانع السيراميك خارج القاهرة، في خطوة شكلت بداية لشراكة ممتدة حتى اليوم. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هذه الشراكة جزءًا من التزام أوسع لمجموعة البنك الدولي تجاه مصر، تجاوزت قيمته اليوم 40 مليار دولار.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي لرواية القصة كاملة. فعلى مدار العقود الماضية، عملت مجموعة البنك الدولي بالتعاون مع الحكومة المصرية والقطاع الخاص على دعم الإصلاحات الاقتصادية، وتطوير البيئة التشريعية، وجذب رؤوس الأموال اللازمة لتحويل الطموحات إلى مشروعات وفرص حقيقية. ويبرز هنا نموذج العمل المتكامل داخل مجموعة البنك الدولي؛ حيث يركز البنك الدولي على دعم البيئة التنظيمية والإصلاحات، بينما تعمل مؤسسة التمويل الدولية على تمويل القطاع الخاص، وتتولى الوكالة الدولية لضمان الاستثمار توفير أدوات الحد من المخاطر للمستثمرين. وعلى مدار نصف قرن، أصبحت التجربة المصرية واحدة من أبرز النماذج التي تعكس نجاح هذا النهج.
وترتكز رؤية مؤسسة التمويل الدولية في مصر على قناعة واضحة: أن نمو القطاع الخاص هو المحرك الأهم لخلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة. ولذلك، جاءت استثمارات المؤسسة وبرامجها الاستشارية على مدار السنوات الماضية لدعم قطاعات حيوية مثل الطاقة، والخدمات المالية، والسياحة، والبنية التحتية، والزراعة، والشمول المالي.
من السياسات إلى التنفيذ
يظهر هذا النهج بوضوح في قطاع الطاقة. ففي عام 2014، دعم البنك الدولي جهود مصر لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الطاقة المتجددة. ومن جانبها، لعبت مؤسسة التمويل الدولية دورًا رئيسيًا في هيكلة التمويلات وجذب المستثمرين، بدعم من الوكالة الدولية لضمان الاستثمار «ميجا»، مما ساهم في إنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية، الذي كان وقتها من أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم.
واستمر هذا الزخم في السنوات التالية، حيث نجحت المؤسسة عام 2022 في ضخ وحشد تمويلات بقيمة 1.1 مليار دولار لمشروعات «أبيدوس سولار» و«أمونت لطاقة الرياح»، لتوفير طاقة نظيفة لمليون مواطن. وفي عام 2025، موّلت المؤسسة أول نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات على نطاق المرافق العامة في مصر. وهكذا تحولت السياسات إلى مشروعات واقعية تضخ اليوم نحو 4 جيجاوات من الطاقة النظيفة في الشبكة القومية للكهرباء.
وفي القطاع المالي، ساهمت الإصلاحات والشراكات في رفع معدلات الشمول المالي من 27% عام 2016 إلى 76.3% في يونيو 2025، في واحدة من أسرع معدلات النمو عالميًا. كما ساهمت المؤسسة في فتح آفاق جديدة للتمويل المستدام، بدءًا من أول سندات خضراء للقطاع الخاص عبر البنك التجاري الدولي، وصولًا إلى أكبر سند استدامة خاص في إفريقيا بالتعاون مع البنك العربي الإفريقي الدولي.
ويمتد الأثر إلى قطاع السياحة، حيث دعمت المؤسسة الاستثمار في البحر الأحمر منذ سنوات مبكرة، وساندت تطوير الجونة قبل أن يدرك العالم ما ستصبح عليه اليوم، والتي أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة. واليوم، يستقبل القطاع نحو 19 مليون سائح سنويًا، ويوفر ما يقرب من 2.9 مليون فرصة عمل، مع مستهدفات للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030. أما في قطاع البنية التحتية، فقد ساهمت المؤسسة في تمويل توسعات استراتيجية في موانئ دمياط وشرق بورسعيد وسفاجا وغيرها، بما يدعم حركة التجارة ويوفر أكثر من 80 ألف فرصة عمل.
وفي القطاع الزراعي، تعكس تجربة «مجموعة وادي» كيف يمكن للاستثمار الزراعي أن يدعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي؛ حيث توسعت الشركة من 30 هكتارًا إلى 4600 هكتار، لتصبح أكبر منتج للبيض في إفريقيا.
تمكين المرأة… استثمار في المستقبل
على مدار خمسين عامًا، ظل تمكين المرأة اقتصاديًا جزءًا أساسيًا من رؤية مؤسسة التمويل الدولية لدعم النمو وخلق الوظائف.
من التمويل متناهي الصغر الذي وصل إلى النساء في المجتمعات الأكثر احتياجًا، إلى دعم شركات تقودها سيدات مثل “التشخيص المتكاملة القابضة” «آي دي إتش»، الرائدة في مجال الرعاية الصحية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وصولًا إلى انضمام أكثر من 80 ألف امرأة للنظام المالي عبر منتجات مخصصة من بنك مصر، تواصل المؤسسة دعم دور المرأة في الاقتصاد المصري.
فالفجوة بين الجنسين في سوق العمل لا تمثل فقط تحديًا اجتماعيًا، بل تكلف الاقتصاد المصري أكثر من 50% من إمكاناته، وتقليص هذه الفجوة يعد خطوة ضرورية لبناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة.
ما الذي ينتظرنا؟
يبقى خلق فرص العمل هو الهدف الرئيسي الذي يوجه عمل مجموعة البنك الدولي؛ فهو المحرك وراء كل إصلاح واستثمار يهدف إلى تحقيق نمو مستدام.
وفي مصر، تتزايد أهمية هذا الهدف مع حجم الطموحات والفرص المتاحة. فبينما يواصل الاقتصاد المصري تحقيق تقدم ملموس، يظل التحدي الأساسي هو تسريع تحويل الإصلاحات إلى فرص عمل حقيقية يقودها القطاع الخاص، وبالحجم الذي يلبي تطلعات ملايين الشباب المصري. وهنا يأتي دور مؤسسة التمويل الدولية كشريك ملتزم بالمستقبل، ليس فقط كشريك على مدار خمسين عامًا، بل كشريك يسعى للمساهمة في كتابة الفصل القادم من قصة نجاح مصر.
بقلم – شيخ عمر سيلا
المدير الإقليمي لمؤسسة التمويل الدولية لشمال إفريقيا والقرن الإفريقي
تُعد مؤسسة التمويل الدولية، عضو مجموعة البنك الدولي، أكبر مؤسسة تنموية عالمية تركز على دعم القطاع الخاص في الأسواق الناشئة








