طالب خبراء ومسئولون سابقون بمصلحة الضرائب بإعادة بناء منظومة الفحص الضريبى بالعينة والفحص المنسق على أسس أكثر وضوحًا وكفاءة، من خلال إعداد أدلة تنفيذية ملزمة، ورفع كفاءة مأمورى الضرائب، وتوحيد إجراءات الفحص بين مختلف الأوعية، بما يحد من الازدواجية، ويقلل المنازعات، ويعزز اليقين الضريبى للممولين.
وأكد المشاركون فى ندوة بعنوان «نظام الفحص بالعينة ودليل إجراءات الفحص المنسق» نظمتها جمعية الضرائب المصرية، أن نجاح المنظومة الحديثة لا يتوقف عند حدود الميكنة والتحول الرقمي، بل يرتبط بالأساس بوجود كوادر ضريبية مؤهلة، وقواعد بيانات فعالة، ومنهجية واضحة فى تحليل المخاطر واختيار الملفات محل الفحص.
عبدالقادر: الفحص يحتاج أدلة إرشادية متخصصة وتحليل مخاطر لتوجيه العينة بدقة
وقال مصطفى عبدالقادر، رئيس مصلحة الضرائب الأسبق، إن نجاح الفحص بالعينة يبدأ من كفاءة مأمور الفحص، سواء من حيث الثقافة الضريبية أو المهارات الفنية والسلوكية، مؤكدًا أن جودة الفحص تمثل المدخل الحقيقى لتحقيق اليقين الضريبي، وتعزيز الالتزام الطوعي، وتسوية المنازعات فى مراحل مبكرة.
وأضاف أن قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 تضمن مبادئ إيجابية مهمة، من بينها الربط الذاتى والفحص بالعينة، لكن التطبيق العملى واجه تحديات متعددة، خاصة فى ظل الاعتماد خلال السنوات الأولى على الإقرارات التقديرية، وهو ما أضعف من كفاءة التطبيق الكامل للفلسفة التى قام عليها القانون.
وأوضح عبدالقادر أن الفحص الضريبى يقوم على ركيزتين أساسيتين: الأولى هى الثقافة الضريبية لدى الفاحص، والثانية هى المهارة العملية فى التعامل مع الملفات واستخلاص مؤشرات المخاطر. وأشار إلى أن العديد من الإدارات الضريبية فى الخارج تعتمد على أدلة إرشادية متخصصة تضمن توحيد الأداء ورفع كفاءة الفاحصين، بينما لا تزال مصر بحاجة إلى تطوير أدلة تطبيقية واضحة تدعم مأمور الضرائب وتحد من تباين الاجتهادات.
وأضاف أن تجربة «المأمور الشامل» ساهمت فى بناء كوادر أكثر إلمامًا بمختلف الأوعية الضريبية، لكنها لا تعنى بالضرورة أن مأمورًا واحدًا يمكنه التخصص الكامل فى جميع أنواع الضرائب، خاصة مع تعقيد ملفات الدخل والمرتبات والقيمة المضافة وغيرها. وأكد أن الفحص فى جوهره هو نقل مهارات قبل أن يكون مجرد نقل معلومات.
وأشار إلى أن منظومة الفحص بالعينة تعتمد أساسًا على «ملف المخاطر»، الذى يتم بناؤه من خلال الفحص المكتبى وتحليل البيانات والمؤشرات المالية لتحديد الملفات التى تستدعى الفحص الميداني، موضحًا أن هذه المنهجية تستهدف الوصول إلى أعلى كفاءة ممكنة فى اختيار العينات.
وشدد عبدالقادر على أهمية توحيد إجراءات الفحص بين ضرائب الدخل والقيمة المضافة، خصوصًا فى البنود المشتركة مثل المبيعات والمشتريات، لتجنب تكرار الفحص وتضارب نتائجه، موضحًا أن الفحص المنسق يجب أن يحقق وحدة الرؤية بشأن البنود المشتركة، مع الحفاظ على الخصوصية الفنية لكل نوع ضريبي.
كما دعا إلى إعداد أدلة إرشادية متخصصة فى مجالات الفحص المختلفة، مثل المقاولات والمعاملات الدولية وتسعير التحويلات، معتبرًا أن هذه الأدلة تمثل أداة ضرورية لبناء ثقافة ضريبية مستقرة وتحقيق العدالة الضريبية.
وأكد أن التوسع فى الفحص الإلكترونى لا يعنى الاستغناء عن الفحص التقليدى أو عن الدورة المستندية، لكنه يتطلب الاستفادة من تحليل البيانات والتعلم الآلى لاستخلاص مؤشرات المخاطر من الإقرارات والقوائم المالية، بما يعزز كفاءة الفحص ويحسن جودة التحصيل.
وقال إن جذب الاستثمار لا يتحقق فقط عبر الحوافز أو الإعفاءات الضريبية، وإنما من خلال وجود إدارة ضريبية كفء قادرة على تسوية المنازعات بسرعة، وتوفير بيئة واضحة ومستقرة تتسم باليقين الضريبي، وهو ما وصفه بأنه القاعدة الأساسية لجذب الاستثمارات.
عبدالهادي: قواعد بيانات الضرائب غير مستغلة بالشكل الكافى رغم توفرها منذ 2005
من جانبه، قال عبدالرسول عبدالهادي، عضو مجلس إدارة جمعية الضرائب المصرية، إن تطوير منظومة الفحص يتطلب العودة إلى الأسس المهنية التى قامت عليها برامج المأمور الشامل والفحص الضريبى المنسق، بما يضمن تحقيق العدالة الضريبية وتقليل النزاعات بين المصلحة والممولين.
وأوضح أن مصلحة الضرائب كانت تمتلك فى فترات سابقة منظومة تدريب متقدمة اعتمدت على إعداد كوادر ضريبية مؤهلة علميًا وعمليًا، عبر برامج متخصصة فى المحاسبة والمراجعة والضرائب والقوانين المرتبطة بها، داعيًا إلى إحياء هذا الموروث التدريبى والاستفادة منه فى إعداد جيل جديد من الفاحصين.
وأضاف أن الفحص الضريبى يجب أن يستند إلى قواعد المراجعة المهنية، بدءًا من تأهيل الفاحص، مرورًا بضرورة تمتعه بالاستقلالية وبذل العناية المهنية الواجبة، وانتهاءً بإعداد تقارير فحص دقيقة تستند إلى أدلة واضحة، سواء عند اعتماد الدفاتر أو اللجوء إلى التقدير.
وأشار عبدالهادى إلى أن العودة إلى الفحص التقليدى القائم على تعدد الجهات والفاحصين أدت إلى تكرار فحص البنود نفسها أكثر من مرة، خاصة بين ضرائب الدخل والقيمة المضافة، وهو ما أسفر عن تضارب النتائج وزيادة الأعباء على الممولين.
وأوضح أن فلسفة الفحص الضريبى المنسق كانت تقوم على إنشاء ملف ضريبى موحد يضم مختلف الأوعية، بحيث يُفحص كل نوع من الضرائب من خلال ورقة عمل متخصصة داخل ملف واحد، بما يمنع الازدواجية، ويخفض الوقت والجهد على كل من الممول والإدارة الضريبية.
وطالب بضرورة الاستفادة الحقيقية من قواعد البيانات الضريبية المتاحة منذ تطبيق قانون 91 لسنة 2005، مشيرًا إلى أن الإقرارات الضريبية تضمنت كماً كبيرًا من البيانات الخاصة بالأوعية المختلفة، لكن الاستفادة منها فى بناء منظومة تحليل مخاطر متكاملة لا تزال محدودة.
كما شدد على أهمية إعادة تأهيل مأمورى الضرائب على مختلف القوانين المرتبطة بالعمل الضريبي، وليس الاكتفاء بقانون الضريبة على الدخل، مؤكدًا أن الفاحص يجب أن يكون ملمًا بقوانين القيمة المضافة والدمغة والاستثمار والجمارك وسائر التشريعات ذات الصلة.
وانتقد استمرار تكرار الفحص بين مأموريات الضرائب المختلفة، موضحًا أن بعض الجهات تعتمد المبيعات والمشتريات فى فحص القيمة المضافة، ثم تُفحص مرة أخرى فى ضرائب الدخل بنتائج مختلفة، بما يخلق حالة من عدم اليقين الضريبى ويزيد من النزاعات.
وفى ما يتعلق بالتحول الرقمي، أكد عبدالهادى أن الفحص الإلكترونى لا يجب أن يكون بديلًا كاملًا عن الفحص التقليدي، لافتًا إلى أن الاعتماد على البيانات المرفوعة إلكترونيًا دون التحقق من الدورة المستندية والرقابة الداخلية قد يضعف جودة الفحص، خاصة مع انتشار الفواتير الوهمية.
وأضاف أن نجاح الفحص المميكن يتطلب فاحصًا مؤهلًا يجيد تحليل البيانات وفهم نظم الرقابة الداخلية، إلى جانب تطوير آليات التحقق من صحة المستندات الإلكترونية وربطها بالمستندات الفعلية داخل المنشآت.
القطان: مصر تحتاج ملفًا ضريبيًا موحدًا على غرار التجارب العربية لإنهاء الازدواجية
بدوره، قال محمد حسن القطان، مدير عام الفحص السابق بمركز كبار الممولين الأسبق، إن تجربة الفحص الضريبى المنسق ظهرت لأول مرة داخل مركز كبار الممولين من خلال فكرة «الملف الضريبى الواحد»، الذى يضم مختلف الأوعية، بما يشمل ضريبة الدخل والقيمة المضافة والمرتبات والدمغة والخصم والتحصيل تحت حساب الضريبة.
وأوضح أن الهدف من هذه التجربة كان التعامل مع الممول باعتباره «ذمة مالية واحدة» أمام جهة ضريبية واحدة، بما يحد من تكرار الفحص ويمنع تضارب نتائجه.
وأشار إلى أن التطبيق العملى واجه عدة تحديات، أبرزها غياب المأمور المؤهل للإلمام الكامل بالقوانين الضريبية والمعايير المحاسبية، إلى جانب صعوبات التنسيق الميدانى بين مأمورى الضرائب المختلفة داخل الشركات الكبرى، ما أدى إلى ظهور تناقضات بين نتائج فحص الدخل والقيمة المضافة والدمغة.
وأضاف أن التجربة كشفت عن ازدواجية واضحة فى فحص بنود المبيعات والمشتريات، حيث كان مأمور الدخل يعيد فحص البنود نفسها التى سبق لمأمور القيمة المضافة مراجعتها، وهو ما تسبب فى زيادة المنازعات وإطالة أمدها.
وأكد القطان أن معايير اختيار ملفات الفحص بالعينة تعتمد على مجموعة من مؤشرات المخاطر، تشمل التغيرات غير المبررة فى الأرباح، والخسائر المتكررة، والتباين فى هوامش الربح مقارنة بالأنشطة المماثلة، إلى جانب وجود فروق بين الإقرارات والقوائم المالية، أو اختلاف البيانات مع الإقرارات الجمركية والتأمينات.
وأوضح أن المصلحة كانت تعتمد أيضًا على مؤشرات أخرى مثل كثافة التعاملات النقدية، وضعف حركة الحسابات البنكية مقارنة بحجم النشاط، والإيداعات غير المبررة، فضلًا عن التعاملات مع الأطراف المرتبطة والقروض غير المنطقية بين الشركات التابعة.
وطالب القطان بضرورة إعلان معايير اختيار العينة للممولين بشكل واضح، على غرار ما يحدث فى بعض الدول العربية، حيث يتم إخطار الممول بسبب اختياره للفحص، والمستندات المطلوبة، ونقاط المخاطر المرتبطة بملفه.
وأشار إلى أن تطبيق الفحص الضريبى المنسق يتطلب تعديلًا تشريعيًا يسمح بوجود ملف ضريبى موحد، إلى جانب إعداد مأمور ضرائب يمتلك معرفة متكاملة بقوانين الضرائب والاستثمار والجمارك والتأمينات، مؤكدًا أن التجربة مطبقة بالفعل فى عدد من الدول العربية مثل السعودية والإمارات.
وكشف أن مصلحة الضرائب المصرية لم تصدر حتى الآن دليلًا رسميًا موحدًا للفحص الضريبى المنسق، رغم وجود معايير داخلية معمول بها على أنظمة المصلحة، معتبرًا أن غياب الدليل الموثق يفتح الباب أمام اختلاف الاجتهادات بين المأموريات والفاحصين.
وأضاف أن تطوير منظومة الفحص المنسق من شأنه تبسيط الإجراءات، وتقليل أعباء الممولين، وتسريع حسم المنازعات، فضلًا عن تحسين كفاءة استخدام موارد الفحص داخل مصلحة الضرائب.
شعبان: التأخر فى تطبيق الفحص بالعينة منذ 2005 أضاع فرص تحسين تدريجى للمنظومة
من ناحيته، قال فتحى شعبان، مستشار وزير المالية للجان إنهاء المنازعات الأسبق، إن ملف الفحص بالعينة والفحص الضريبى المنسق يعد من أهم الملفات المرتبطة بتعزيز الالتزام الطوعى داخل المجتمع الضريبي، إلى جانب دوره فى مواجهة عدم الالتزام والحد من المنازعات.
وأوضح أن الحديث عن معايير اختيار العينة ومؤشرات المخاطر لم يعد كافيًا، مؤكدًا ضرورة تحويل النقاشات الفنية والمقترحات المطروحة إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ.
وأضاف أن مصر تناقش تطبيق الفحص بالعينة منذ عام 2005، مشيرًا إلى أن البدء المبكر فى التطبيق، حتى مع وجود أخطاء أو تحديات، كان من الممكن أن يقود إلى نتائج أفضل مع الوقت، عبر التراكم العملى والتطوير التدريجى للمنظومة.
وأشار إلى أن العديد من الدول التى تمتلك أعداد ممولين أكبر من مصر نجحت فى تطبيق نظم الفحص بالعينة والميكنة الضريبية، متسائلًا عن أسباب تأخر الاستفادة من هذه التجارب رغم وضوح نتائجها الإيجابية.
وأكد شعبان أن الحل لا يكمن فى انتظار اكتمال المنظومة بصورة مثالية، بل فى البدء بما هو متاح وتطويره تدريجيًا، مع إعداد أدلة إجرائية واضحة تساعد على توحيد منهجيات الفحص داخل المصلحة.







