قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إن مصر قطعت خطوات مهمة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة، مدعومًا بإصلاحات اقتصادية واستثمارية وتحسن مؤشرات البحث العلمي وريادة الأعمال، إلا أن تحقيق نمو اقتصادي قائم على الابتكار يتطلب تعزيز دور القطاع الخاص، وتوسيع استثمارات الشركات في البحث والتطوير، وتحسين بيئة المنافسة والتمويل.
وأفادت المنظمة، في تقرير «مراجعة سياسات الابتكار في مصر 2026»، بأن الاقتصاد المصري حقق نموًا يفوق العديد من الاقتصادات النظيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الفترة بين 2019 و2023، إذ بلغ متوسط نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 2.9% سنويًا، فيما تسارع النمو إلى 4.4% خلال العام المالي 2024-2025 وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي.
وأضاف التقرير أن الضغوط الاقتصادية الكلية بدأت تتراجع تدريجيًا، مع انخفاض معدل التضخم إلى 11.8% بنهاية عام 2025 مقارنة بمستويات تجاوزت 35% قبل سنوات قليلة، كما تراجع الدين العام إلى نحو 86.8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف 2025، مدعومًا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والإجراءات الهادفة إلى تعزيز الاستقرار المالي.
وأشار تقرير (OECD)، إلى أن مصر تمتلك فرصة ديموغرافية مهمة بفضل اتساع قاعدة السكان في سن العمل، إذ بلغ عدد السكان نحو 118 مليون نسمة في 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 162 مليون نسمة بحلول 2050، وهو ما يوفر سوقًا محلية ضخمة وقاعدة عمالية قادرة على دعم النمو الاقتصادي إذا ما تم الاستثمار في المهارات والتكنولوجيا.
وأوضح أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بفضل الإصلاحات الاقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار، لتصل إلى نحو 9.8 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2024-2025، منها 9.1 مليار دولار استثمارات غير بترولية.
الاتصالات والصناعات الدوائية أبرز القطاعات المرشحة لقيادة النمو المستقبلي
ولفت التقرير، إلى أن الحكومة تستهدف جذب استثمارات أجنبية تتراوح بين 12 و15 مليار دولار، مع التركيز على قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة والصناعات الكيماوية والصناعات الدوائية والسيارات والهيدروجين الأخضر.
ورغم هذا التحسن، أشار التقرير إلى أن الاستثمارات الأجنبية لا تزال تتركز بصورة رئيسية في قطاعات الإنشاءات والطاقة والتصنيع التقليدي، بينما تبقى الاستثمارات الموجهة للأنشطة كثيفة المعرفة والابتكار أقل من الإمكانات المتاحة.
وأكدت المنظمة أن مصر بدأت في اتخاذ خطوات لتشجيع الاستثمارات التكنولوجية، من بينها السماح لشركات الاتصالات والخدمات الرقمية بإقامة مقارها داخل المناطق الحرة، بما يعزز جاذبية البلاد للاستثمارات المعرفية عالية القيمة.
وذكر التقرير أن الاقتصاد المصري يشهد تحسنًا تدريجيًا في مستوى التنوع الاقتصادي، مع زيادة مساهمة الصناعات متوسطة وعالية التكنولوجيا في الصادرات، وارتفاع حصة الصناعات التكنولوجية من إجمالي النشاط الصناعي.
وأوضح أن صادرات الصناعات متوسطة وعالية التكنولوجيا ارتفعت من 21.7% عام 2013 إلى 25.4% عام 2023، مدفوعة بزيادة إنتاج الأسمدة والصناعات الكهربائية والمعدات والآلات.
وأشار إلى أن قطاعي الاتصالات والصناعات الدوائية يمثلان أبرز القطاعات المرشحة لقيادة النمو المستقبلي، حيث تشهد خدمات البرمجيات والتطبيقات الرقمية نموًا متسارعًا، بينما ارتفعت صادرات الأدوية والأجهزة الطبية من نحو 700 مليون دولار في 2021 إلى ما يقرب من مليار دولار في 2023.
الإنفاق على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.2% من الناتج المحلي
ورأت المنظمة أن الأداء الابتكاري للشركات المصرية لا يزال دون الإمكانات المتاحة، مشيرة إلى أن إنفاق القطاع الخاص على البحث والتطوير بلغ نحو 0.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في 2022، وهو مستوى يقل كثيرًا عن المتوسطات العالمية.
وأضاف التقرير أن نسبة الشركات التي تمارس أنشطة ابتكارية ما زالت محدودة مقارنة بالدول المنافسة، كما أن عدد الباحثين العاملين داخل الشركات منخفض بصورة كبيرة، الأمر الذي يحد من قدرة القطاع الخاص على تطوير منتجات وتقنيات جديدة.
كما أشار إلى ضعف معدلات تسجيل براءات الاختراع، حيث تتركز أغلب البراءات المصرية في مجالات التكنولوجيا الطبية والصناعات الدوائية، مع غياب التوسع الكافي في مجالات التكنولوجيا المتقدمة الأخرى.
التكنولوجيا المالية تستحوذ على نصف تمويلات الشركات الناشئة
وأكد التقرير أن مصر نجحت في بناء واحدة من أكبر بيئات الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتضم ثلاث شركات يونيكورن تجاوزت قيمتها السوقية مليار دولار.
وأوضح أن قطاع التكنولوجيا المالية يستحوذ على نحو نصف التمويلات الموجهة للشركات الناشئة، فيما تحتل مصر موقعًا متقدمًا إقليميًا من حيث عدد الصفقات الاستثمارية وقيمة التمويل الموجه للمشروعات الجديدة.
إلا أن المنظمة أشارت إلى أن الشركات القائمة على التكنولوجيا العميقة والبحث العلمي لا تزال محدودة، كما أن معدلات استمرارية الشركات الناشئة تحتاج إلى التحسن، في ظل ارتفاع معدلات الخروج من السوق مقارنة بمعدلات التوسع والنمو.
أوضح تقرير (OECD)، أن الحكومة المصرية وضعت المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر ضمن أولوياتها الاقتصادية، مستندة إلى قانون تنمية المشروعات رقم 152 لسنة 2020، الذي تتولى تنفيذه وكالة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأضاف أن الحكومة تعمل حاليًا على إعداد تعديلات تشريعية تمنح الشركات الناشئة إطارًا قانونيًا أكثر مرونة، إلى جانب إعداد «ميثاق الشركات الناشئة» الذي يستهدف تبسيط الإجراءات وتوحيد الحوافز وتحسين البيئة التنظيمية.
كما أشار إلى أن الحكومة انتهت من إعداد استراتيجية وطنية للحرف اليدوية، وتعمل على دمج الشركات المصرية في سلاسل القيمة العالمية وخلق فرص عمل للشباب من خلال برامج ريادة الأعمال والابتكار.
ضرورة إطلاق “منح ابتكار” وحوافز ضريبية للشركات الصغيرة والمتوسطة
ورصد التقرير مجموعة من التحديات التي تواجه الشركات المصرية، في مقدمتها ارتفاع تكلفة التمويل، حيث تعتمد نسبة كبيرة من الشركات على التمويل الذاتي في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.
وأوضح أن برامج الدعم الحكومي تتركز حاليًا على حاضنات الأعمال والشركات الناشئة في مراحلها الأولى، بينما تفتقر الشركات القائمة إلى أدوات دعم مباشرة مثل منح الابتكار أو الحوافز الضريبية للبحث والتطوير.
كما أشار إلى استمرار وجود أعباء تنظيمية وإدارية تؤثر على تنافسية الشركات، تشمل إجراءات التراخيص والتجارة عبر الحدود وبعض القيود البيروقراطية، رغم الإصلاحات الأخيرة في المنظومتين الضريبية والجمركية.
وأضاف أن انخفاض مستويات المنافسة في بعض الأسواق، ووجود حواجز دخول مرتفعة، واستمرار الدور الكبير لبعض الشركات المملوكة للدولة، يقلل من الحوافز المتاحة أمام الشركات للاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا.
وأوصت المنظمة بتبني نموذج تنموي قائم على الابتكار باعتباره المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي والإنتاجية، مع وضع خطة حكومية موحدة لتنسيق سياسات الابتكار بين مختلف الجهات.
كما دعت إلى توسيع الدعم الموجه للشركات التقليدية وليس الشركات الناشئة فقط، من خلال إطلاق منح للابتكار، وحوافز ضريبية للبحث والتطوير، وتحسين وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل.
وأوصى التقرير بتعزيز المنافسة وتقليص العوائق التنظيمية، واستكمال الإصلاحات الرامية إلى تقليص دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية التي يمكن للقطاع الخاص قيادتها.
كما دعا إلى تعزيز حماية الملكية الفكرية، وتسهيل إنشاء الشركات المنبثقة من الجامعات ومراكز البحوث، وتوسيع برامج التعاون بين الصناعة والمؤسسات الأكاديمية، بما يسهم في تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.
وأكدت المنظمة أن نجاح مصر في تحقيق تحول اقتصادي قائم على الابتكار يتطلب رفع مساهمة القطاع الخاص في البحث والتطوير، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الاستثمارات المعرفية، بما يدعم خلق وظائف عالية القيمة ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد على المدى الطويل.








