تمثل شركة فيلنتس، نموذجًا بارزاً لنجاح الشركات الناشئة، إذ انطلقت بفريق مصري سعودي ورؤية عربية لتطوير الذكاء الاصطناعي، ونجحت في كسب ثقة الحكومات والبنوك الخليجية والانضمام إلى واحدة من أبرز الشبكات العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
وفي وقت تتسابق فيه الشركات حول العالم للاستفادة من الثورة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما زالت معظم الحلول الرقمية المتاحة للمؤسسات العربية تعتمد على تقنيات طُورت أساسًا باللغة الإنجليزية، ثم جرى تكييفها لاحقًا للتعامل مع اللغة العربية.
وبينما نجحت بعض هذه الحلول في تقديم خدمات مقبولة، ظلت هناك فجوة واضحة بين احتياجات المؤسسات العربية الفعلية وبين قدرات الأنظمة العالمية على فهم اللهجات المحلية وسياقات العمل والبيانات العربية.
من هذه الفجوة تحديدًا، انطلقت قصة شركة «فيلنتس»، وهي شركة ناشئة متخصصة في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي المؤسسي، إذ استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تتحول من فكرة بدأت بفريق مصري سعودي إلى شريك تقني لوزارات ومؤسسات كبرى في الخليج، وأن تحجز لنفسها مكانًا داخل شبكة شركاء «كلود» التابعة لشركة «أنثروبيك» العالمية، إحدى أبرز الشركات المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة على مستوى العالم.
محمد جابر، الرئيس التنفيذي لشركة «فيلنتس»، أكد لـ”البورصة” أن الفكرة بدأت من قناعة أساسية مفادها أن المنطقة العربية تحتاج إلى تقنيات ذكاء اصطناعي يتم تطويرها من داخل المنطقة نفسها، وليس مجرد ترجمة أو تعريب لحلول عالمية صُممت لأسواق وثقافات مختلفة.
أضاف أن معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية تُبنى باللغة الإنجليزية أولًا، بينما يتم التعامل مع اللغة العربية باعتبارها طبقة إضافية تُضاف لاحقًا، وهو ما يحد من قدرتها على فهم التفاصيل الدقيقة المتعلقة باللهجات المحلية وسياقات الأعمال والمؤسسات العربية.
أوضح جابر، أن مصر كانت الخيار الطبيعي لبناء هذه الرؤية، نظرًا لما تمتلكه من قاعدة واسعة من المهندسين والمطورين والخبرات التقنية المؤهلة، مؤكدًا أن الشركة انطلقت بفريق مصري مؤمن بقدرة المنطقة على تطوير التكنولوجيا الخاصة بها بدلاً من الاكتفاء باستيرادها.
وكشف أن أحد الأهداف الرئيسية التي تبنتها الشركة منذ تأسيسها، تمثلت في تغيير المعادلة التقليدية التي تعتمد على استيراد التكنولوجيا وتصدير البيانات، من خلال تطوير الحلول التقنية محليًا والحفاظ على بيانات المؤسسات داخل حدودها الجغرافية، بما يتوافق مع متطلبات الخصوصية والسيادة الرقمية التي أصبحت أولوية متزايدة لدى الحكومات والمؤسسات الكبرى.
من فكرة ناشئة إلى شريك للوزارات والمؤسسات الكبرى
منذ انطلاقها عام 2023، ركزت «فيلنتس» على تطوير حلول عملية تعالج تحديات حقيقية تواجه المؤسسات، بعيدًا عن الاكتفاء بتقديم نماذج تجريبية أو عروض تقنية استعراضية.
يقول جابر، إن التحدي الأكبر في سوق الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالتقنية نفسها، بل بقدرة الشركات على دمج هذه التقنيات داخل العمليات التشغيلية اليومية للمؤسسات وتحويلها إلى أدوات تحقق قيمة اقتصادية ملموسة.
وأضاف أن العديد من المؤسسات حول العالم بدأت بالفعل في تجربة الذكاء الاصطناعي، لكن نسبة كبيرة من المشروعات تتوقف عند مرحلة الاختبار أو النماذج الأولية، بسبب صعوبة ربطها بالأنظمة التشغيلية وقواعد البيانات وسير العمل الفعلي داخل المؤسسات.
ومن هنا جاء تركيز الشركة على بناء حلول يمكن تشغيلها مباشرة داخل بيئات العمل الحقيقية، مع ضمان تكاملها مع الأنظمة الموجودة بالفعل لدى العملاء.
وخلال عام 2024 أطلقت الشركة أول منتجاتها الموجهة للسوق السعودي في قطاع الموارد البشرية، وهو نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تقييم المرشحين واختيار أفضل الكفاءات للوظائف المختلفة.
وشهدت هذه المرحلة تعاونًا واسعًا مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية، إذ شاركت «فيلنتس» في عدد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة لدعم عمليات التوظيف وتحسين الكفاءة التشغيلية.
ويمثل هذا التعاون نقطة تحول مهمة في مسيرة الشركة، وأسهم في بناء سجل أعمال قوي مع جهات حكومية كبرى، وهو ما فتح الباب أمام فرص جديدة للتوسع والنمو داخل الأسواق الخليجية.
كسب الثقة التحدي الأصعب
ورغم النمو السريع الذي حققته الشركة، يؤكد جابر أن التحدي الأصعب لم يكن تقنيًا بقدر ما كان مرتبطًا ببناء الثقة.
فالمؤسسات الحكومية والبنوك الكبرى لا تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها تجربة يمكن اختبارها بسهولة، بل تبحث عن أنظمة مستقرة وآمنة وقادرة على العمل تحت ضغوط تشغيلية مرتفعة.
وأوضح أن هذه المؤسسات لا تشتري الوعود أو الأفكار النظرية، وإنما تبحث عن حلول أثبتت كفاءتها بالفعل ويمكن الاعتماد عليها في إدارة عملياتها اليومية.
أضاف أن الشركة واجهت أيضًا تحديًا آخر يتمثل في الاعتقاد السائد لدى بعض المؤسسات بأن الحلول العالمية تتفوق تلقائيًا على الحلول المحلية.
لكن التجربة أثبتت أن فهم اللغة العربية والسياق المحلي وطبيعة البيانات العربية يمنح الشركات الإقليمية ميزة تنافسية مهمة يصعب على الحلول المترجمة تحقيقها.
وأشار إلى أن التركيز على التشغيل الفعلي وتحقيق نتائج ملموسة لدى العملاء كان العامل الأهم في بناء الثقة وتوسيع قاعدة العملاء خلال فترة قصيرة.
«صفحة».. منصة عربية لمعالجة ملايين المستندات
وفي إطار توسيع نطاق أعمالها، أطلقت الشركة خلال عام 2025 منصة «صفحة»، المتخصصة في قراءة المستندات وتصنيفها ومعالجتها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وجرى تطوير المنصة بالتعاون مع شركة «علم» السعودية، إحدى أبرز شركات الحلول الرقمية في المنطقة.
وتمكنت المنصة من تنفيذ أحد أكبر مشروعات معالجة الوثائق الحكومية في المنطقة، من خلال إدارة ومعالجة أكثر من ستة ملايين مستند ضمن مشروع للأرشفة الحكومية في سلطنة عُمان.
ويمثل هذا المشروع نموذجًا عمليًا لقدرة الحلول العربية على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات والوثائق الحكومية بكفاءة عالية، مع الحفاظ على مستويات الدقة المطلوبة في مثل هذه المشروعات الحساسة.
وكلاء الذكاء الاصطناعي.. المرحلة الجديدة
وفي العام نفسه، اتجهت «فيلنتس» إلى تطوير ما يعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة والتفاعل مع العملاء والموظفين بصورة أكثر تطورًا.
كما أطلقت منصة متخصصة لتشغيل هؤلاء الوكلاء داخل المؤسسات السعودية والخليجية، في خطوة تستهدف تسريع تبني الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الحكومية والخاصة.
وتوفر الشركة اليوم مجموعة متنوعة من الحلول، من بينها منصة للمحادثات الصوتية وتطبيقات التواصل الفوري، وحلول معالجة الوثائق، وأنظمة أتمتة التوظيف.
ويشير جابر إلى أن أحد منتجات الشركة في مجال التوظيف ساهم في تقليص الوقت اللازم لفرز طلبات التوظيف داخل وزارة الموارد البشرية السعودية من أسابيع إلى دقائق معدودة، مع تحقيق مستوى دقة وصل إلى 94% وتوفير نحو 80% من الوقت المستغرق في العمليات التقليدية.
الانضمام إلى شبكة شركاء «كلود» العالمية
ومن أبرز المحطات التي شهدتها الشركة خلال عام 2026 انضمامها إلى شبكة شركاء «كلود» التابعة لشركة «أنثروبيك» العالمية.
وتعد هذه الشبكة واحدة من المبادرات الدولية المهمة في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث تم إطلاقها بدعم استثماري أولي يصل إلى 100 مليون دولار بهدف تمكين الشركات الشريكة وتوفير التدريب والدعم الفني والمساندة اللازمة للتوسع في الأسواق المختلفة.
ويعتبر هذا الانضمام اعترافًا دوليًا بقدرات الشركة التقنية وخبرتها في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي الموجهة للمؤسسات العربية.
ويؤكد جابر أن هذه الخطوة تمنح الشركة فرصًا أكبر للوصول إلى أسواق جديدة والاستفادة من أحدث التقنيات العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ميزتها الرئيسية المتمثلة في فهم اللغة العربية واحتياجات المؤسسات في المنطقة.
مصر بوابة النمو وصناعة المستقبل
ورغم توسع الشركة في عدد من الأسواق الخليجية، لا تزال مصر تمثل محورًا رئيسيًا في استراتيجيتها المستقبلية.
ويرى جابر أن السوق المصرية تمتلك فرصًا استثنائية في قطاع خدمات التعهيد ومراكز الاتصال والخدمات الرقمية، وهي قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التواصل باللغة العربية.
أضاف أن الذكاء الاصطناعي العربي قادر على إحداث تحول كبير في هذه الصناعة، سواء من خلال تحسين جودة الخدمة أو رفع الإنتاجية أو خفض التكاليف التشغيلية.
كما أشار إلى وجود فرص كبيرة في مجالات رقمنة الخدمات الحكومية والقطاع المصرفي، وتمكين المؤسسات من الاستفادة من بياناتها باستخدام واجهات تفاعلية مشابهة للتطبيقات العالمية الشهيرة، مع الاحتفاظ الكامل بملكية البيانات داخل بيئة المؤسسة.
وأوضح جابر، أن الشركة تعمل حاليًا مع عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة في مصر والسعودية والبحرين، وتخدم عملاء من بينهم «عزم» و«فليكستوك» و«أبو غالي» و«تكامل» و«إس تي سي البحرين».
أضاف أن بعض العملاء تمكنوا من خفض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 88% بفضل الحلول التي طورتها الشركة، مع القدرة على خدمة مئات العملاء في الوقت نفسه.
من مركز للخدمات إلى مركز لتصدير التكنولوجيا
ويؤمن جابر، بأن مصر تمتلك فرصة تاريخية للانتقال من كونها مركزًا لتقديم الخدمات وتشغيل الأعمال فقط، إلى مركز إقليمي لتطوير وتصدير التكنولوجيا نفسها.
وأشار إلى أن البيئة الريادية في مصر شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث جودة الكفاءات أو نضج المستثمرين أو تزايد اهتمام المؤسسات بالابتكار.
لكنه يرى أن التحدي الأهم يتمثل في تعزيز التعاون بين الشركات الناشئة والمؤسسات الكبرى، ومنح الشركات المحلية فرصًا أكبر لتقديم حلولها داخل السوق المحلية.
وأضاف أن الدعم الحكومي المتزايد للتحول الرقمي وتبني التقنيات الحديثة يمثل عاملًا إيجابيًا يدعم نمو الشركات الناشئة العاملة في قطاع التكنولوجيا.
واختتم جابر، حواره بالتأكيد على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في المنطقة لن يُبنى فقط عبر التمويل أو الاستثمارات، بل عبر تمكين الشركات المحلية من إثبات قدراتها والحصول على فرص حقيقية للعمل مع المؤسسات الكبرى.
وقال إن العقد الأول مع جهة حكومية أو مؤسسة كبيرة قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من جولة تمويل كاملة، لأنه يمنح الشركة الثقة والقدرة على النمو والتوسع، وهو ما تحتاجه منظومة الشركات الناشئة العربية لبناء قصص نجاح جديدة قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.








