بين الحاجة إلى تعزيز الأمن الغذائي، وضغوط الجدوى الاقتصادية التي تحكم قرارات المزارعين، يقف “الفول”، أمام تحديات متراكمة حدت من قدرته على استعادة مكانته داخل الخريطة الزراعية المصرية.
فرغم أهمية المحصول باعتباره أحد المصادر الرئيسة للبروتين النباتي، ورغم المكانة الخاصة التي يحتفظ بها لدى المستهلك، سواء من حيث الجودة أو القيمة الغذائية أو الخصائص التصنيعية، فإن الإنتاج المحلي لايزال بعيدا عن تلبية احتياجات السوق إذ تدور المساحات المزروعة للمحصول حول 130 ألف فدان.
وفي حين يعتمد السوق المحلي على الواردات لتغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها السنوية، إذ تقدر الكميات المستوردة بنحو 600 ألف طن سنوياً، بما يجعل الفول واحداً من أبرز المحاصيل التي تعكس حجم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في قطاع الحبوب والبقوليات.
وتعكس أوضاع سوق الفول واحدة من أكثر القضايا تعقيدا داخل القطاع الزراعي، إذ تتداخل العوامل الإنتاجية والتسويقية والاقتصادية في تشكيل مستقبل المحصول.
فمن ناحية، تواجه الزراعة منافسة متزايدة من محاصيل شتوية أخرى تتمتع بحوافز تسويقية وعوائد أكثر استقراراً، ومن ناحية أخرى يواجه المنتجون ارتفاعاً مستمراً في تكاليف مستلزمات الإنتاج والخدمات الزراعية، بما يضغط على هوامش الربحية ويؤثر على قرارات التوسع في الزراعة.
وفي المقابل، تواصل المؤسسات البحثية جهودها لاستنباط أصناف جديدة قادرة على تحقيق إنتاجية أعلى ومقاومة أفضل للأمراض والظروف المناخية المختلفة، في محاولة لتعويض محدودية التوسع الأفقي من خلال رفع إنتاجية وحدة المساحة.
لكن خبراء القطاع أكدوا، أن نجاح هذه الجهود يتطلب منظومة متكاملة تشمل توفير التقاوي المعتمدة، وتحسين الإرشاد الزراعي، وتطوير آليات التسويق، وإقرار حوافز تشجع المزارعين على زيادة المساحات المنزرعة.
ويفتح هذا الملف عددا من الأسئلة المحورية المتعلقة بمستقبل الفول البلدي في مصر، بدءاً من قدرة الأصناف الحديثة على تضييق الفجوة الإنتاجية، مروراً بالمطالب التي يرفعها المزارعون لاستعادة الجدوى الاقتصادية للمحصول، وصولاً إلى أسباب استمرار هيمنة الواردات على جانب كبير من السوق المحلي رغم الجودة الأعلى للمنتج المصري.
فجوة الإنتاج تدعم الاستيراد رغم جودة “البلدى”
رغم تمتع الفول المصري بجودة أعلى ومكانة مفضلة لدى المستهلكين، لاتزال الواردات تستحوذ على النصيب الأكبر من السوق المحلية، مدفوعة باتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وارتفاع أسعار المنتج المحلي مقارنة بالأصناف المستوردة، فضلاً عن محدودية المساحات المنزرعة وتراجع جاذبية المحصول لدى شريحة كبيرة من المزارعين.
قال عزت عزيز، عضو شعبة البقوليات بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن مصر تستورد سنوياً ما بين 60 ـ 80% من احتياجاتها من الفول، بإجمالي يقترب من 600 ألف طن، لتغطية الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
وأضاف لـ«البورصة»، أن الإنتاج المحلي يتراوح بين 140 و190 ألف طن سنوياً، في حين تتجاوز احتياجات السوق هذه الكميات بفارق كبير، ما يفرض الاعتماد على الاستيراد لتوفير احتياجات المستهلكين، إلى جانب تصدير كميات محدودة من الفول المصري نتيجة جودته المرتفعة.
وأوضح عزيز، أن محدودية التوسع في زراعة الفول لا تعود إلى تراجع أهمية المحصول، وإنما لاعتبارات اقتصادية تحكم قرارات المزارعين، الذين يميلون إلى المحاصيل الأعلى ربحية، خاصة المحاصيل التصديرية في مناطق الدلتا والفيوم.

وأشار إلى أن موسم زراعة الفول يتزامن مع موسم زراعة القمح، الذي يحظى بأولوية لدى الدولة باعتباره محصولاً استراتيجياً، فضلاً عن تمتعه بمنظومة تسويق أكثر استقراراً وعائد اقتصادي جاذب للمزارعين من خلال التوريد الحكومي.
وأكد أن زيادة الإنتاج المحلي تتطلب رفع إنتاجية الفدان واستنباط أصناف أكثر كفاءة، إلى جانب توفير حوافز اقتصادية وتشجيعية للمزارعين بما يسهم في تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تدريجياً.
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت قيمة واردات مصر من الفول خلال عام 2025 إلى 338.3 مليون دولار مقابل 297.7 مليون دولار في عام 2024، بزيادة بلغت 40.7 مليون دولار، وبمعدل نمو يقترب من 13.7%.
وقال رجب شحاتة، عضو غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات، إن محصول الفول يعد من المحاصيل الغذائية الرئيسية في مصر .. لكن المساحات المزروعة لا تزال محدودة مقارنة بحجم الطلب المحلي، إذ تتراوح حالياً بين 129 و130 ألف فدان.
وأضاف أن إنتاجية الفدان تختلف وفقاً لطبيعة التربة ومستوى الخدمة الزراعية والظروف المناخية، وتتراوح بين 5 و10 أردب للفدان، بينما يمثل متوسط 7.5 أردب معدلاً جيداً يعكس كفاءة الإدارة الزراعية للمحصول.
وأوضح شحاتة، أن الفول عريض الحبة يتركز إنتاجه بصورة رئيسية في محافظة البحيرة، فيما ينتشر الفول الرفيع في عدد من محافظات الوجهين البحري والقبلي، ويعد الأكثر استهلاكاً داخل السوق المحلي.
وأشار إلى أن اختيار الصنف المناسب والالتزام بالممارسات الزراعية الحديثة وبرامج التسميد والمكافحة، يعد من العوامل الرئيسية المؤثرة في مستويات الإنتاجية، مؤكداً أن آفة “الهالوك” التي شكلت تحدياً كبيراً لسنوات تراجع تأثيرها خلال الفترة الأخيرة، بفضل التوسع في استخدام الأصناف المحسنة وبرامج المكافحة.
وقال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، إن إجمالي المساحات المزروعة بالفول خلال الموسم الأخير تراوح بين 100 و140 ألف فدان، وهو ما لا يكفي لتغطية احتياجات الاستهلاك المحلي المتزايدة.
أضاف أن مصر تعتمد بصورة رئيسية على استيراد الفول من أستراليا والمملكة المتحدة، إذ تستحوذ أستراليا عادة على ما بين 35 و45% من الواردات، بينما تتراوح حصة المملكة المتحدة بين 15 و25%.
وأوضح أبوصدام، أن الفول المستورد يستخدم بصورة أكبر في المطاعم وصناعة الطعمية، بينما يظل الفول البلدي الخيار المفضل لدى الأسر المصرية بفضل جودته المرتفعة وطعمه المميز وقيمته الغذائية الأعلى.
وشدد على أن تقليص الاعتماد على الواردات يتطلب التوسع في المساحات المنزرعة، وتوفير حوافز اقتصادية للمزارعين، ودعم الأصناف عالية الإنتاجية وتحسين منظومة التسويق.
وقال مصطفى إبراهيم، مزارع بمحافظة البحيرة، إن الفجوة السعرية بين الفول البلدي والمستورد تمثل أحد أبرز أسباب انتشار الأخير في السوق المحلية، خاصة لدى المطاعم ومصانع الأغذية.
أضاف أن متوسط سعر أردب الفول البلدي، البالغ نحو 160 كيلو جراماً، يصل إلى 6500 جنيه، بما يعادل نحو 40 جنيهاً للكيلوجرام، في حين يتداول الفول المستورد عند مستويات تقارب 23 جنيهاً للكيلوجرام، بفارق يتجاوز 17 جنيهاً، وقد يصل في بعض المناطق إلى أكثر من 20 جنيهاً في الكيلو جرام.
وأشار إبراهيم، إلى أن ارتفاع أسعار التقاوي والعمالة وتجهيز الأراضي والإيجارات الزراعية يرفع تكلفة الإنتاج المحلي، ما ينعكس على الأسعار النهائية للمحصول.
وأوضح أن غياب آليات التخزين والتسويق المنظمة يدفع كثيراً من المزارعين إلى بيع المحصول فور الحصاد لتوفير السيولة، ما يضعف قدرتهم على الاستفادة من تحركات الأسعار لاحقاً.
وقال أحمد محمد، رئيس الشركة المتحدة لاستيراد الحبوب، إن السوق المصرية تعتمد على عدة مناشئ لتوفير احتياجاتها من الفول، أبرزها أستراليا والمملكة المتحدة وليتوانيا.
أضاف أن أسعار الشحنات المستوردة تختلف بحسب المنشأ ومستويات الجودة، وتتراوح حالياً بين 24 و27 ألف جنيه للطن، مشيراً إلى أن الفول الاسترالي يعد الأكثر تداولاً بفضل جودته وملاءمته لعمليات التدميس.
وأكد محمد، أن الفول المحلي لايزال يتفوق على المستورد من حيث الجودة، إلا أن محدودية الكميات المنتجة وارتفاع الأسعار يدفعان السوق للاعتماد بصورة أكبر على الواردات لسد الفجوة القائمة بين الإنتاج والاستهلاك.
وقال وجدي الجندي، تاجر بمحافظة الدقهلية، إن السوق شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً في أنماط الاستهلاك، مع زيادة الاعتماد على بعض الأصناف المستوردة الأقل سعراً.
أضاف أن الواردات تكتسب أهمية أكبر خلال شهري يناير وفبراير من كل عام، بالتزامن مع انخفاض المعروض المحلي قبل طرح المحصول الجديد، ما يجعل الاستيراد أداة رئيسية لضمان استقرار الإمدادات وتلبية احتياجات السوق.
“بحوث الصحراء” يدرس اعتماد أصناف جديدة تتجاوز 20 أردبا للفدان
يجري مركز بحوث الصحراء، دراسات وبرامج تقييم على إطلاق أصناف جديدة من الفول البلدي من بينها صنفي «سيف» و«دهب».
قال سيد عبدالسلام، أستاذ تربية النبات بالمركز، لـ «البورصة»، إن النتائج الأولية أظهرت قدرة هذه الأصناف على تحقيق إنتاجية قد تتجاوز 20 أردبا للفدان، حال اجتيازها مراحل الاختبارات الفنية التي تجريها الإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوى بوزارة الزراعة.
وأضاف، أن تطوير هذه الأصناف يتم عبر عمليات تهجين بين أصناف محلية محسنة، إذ تنتخب السلالات الناتجة وتخضع لسلسلة طويلة من التقييمات تحت ظروف بيئية وزراعية مختلفة تمتد في بعض الحالات إلى ما بين 10 و15 عاما، لضمان دقة النتائج وثبات الصفات.
أشار عبدالسلام، إلى أن السلالات الواعدة بعد مراحل الانتخاب يتم إخضاعها لاختبارات علمية متخصصة للتأكد من ثباتها الوراثي، قبل التقدم بها إلى لجنة تسجيل أصناف الحاصلات الزراعية بوزارة الزراعة.
وتنفذ اللجنة دراسة شاملة للصنف الجديد قبل اتخاذ قرار التسجيل، إذ يتم تقييمه من حيث الإنتاجية، ومقاومة الأمراض مثل الأصداء والهالوك والأعفان، بالإضافة إلى مدى ملاءمته للظروف البيئية المختلفة.
أكد عبدالسلام، أن تحقيق عائد اقتصادي مرتفع للمزارع يمثل العامل الحاسم في انتشار أي صنف، سواء على المستوى المحلي أو في الأسواق الخارجية، إذ يدفع ذلك إلى زيادة الطلب عليه واعتماده ضمن الخريطة الزراعية بشكل أوسع، بما يعزز تنافسيته واستدامة زراعته.
أضاف أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الفول البلدي يتطلب التوسع في المساحات بالتوازي مع تطوير الأصناف، موضحاً أن زراعة نحو 500 ألف فدان من الفول يمكن أن تتيح لمصر تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وتوفير فوائض قابلة للتصدير.
قال عبدالسلام، إن الاحتياجات المائية للفول لا تتجاوز نحو 2000 متر مكعب للفدان ، في حين يصل احتياج محصول القمح إلى نحو 6000 متر مكعب للفدان ، وهو ما يجعل الفول خيارا مناسباً في المناطق محدودة المياه.
ولفت إلى أهمية تطبيق الدورة الزراعية، بحيث يتم التناوب بين المحاصيل البقولية مثل الفول، والمحاصيل النجيلية مثل القمح.
فالزراعة المتكررة للمحصول الواحد، تؤدي إلى إنهاك التربة وزيادة فرص انتشار الأمراض الفطرية والبكتيرية المتخصصة التي تعيش على العائل النباتي نفسه.
أشار عبدالسلام، إلى أن التبادل بين المحاصيل يسهم في كسر دورة حياة الآفات وتحسين خصوبة التربة، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية، موضحاً أن الفول لا يقتصر دوره على الإنتاج الغذائي فقط، بل يعد محصولا محسنا للتربة.
وتابع: “التوسع الأفقي في الزراعة مع استخدام الأصناف الحديثة عالية الإنتاجية يمثلان معاً أساس زيادة الإنتاج، لافتاً إلى أن متوسط إنتاجية الفدان في مصر يتراوح حالياً بين 10 إلى 11 أردباً في المتوسط العام”.
وأشار إلى أن بعض الحقول الرسمية سجلت إنتاجية تصل إلى نحو 18 أردباً للفدان، وهو ما يعكس الفجوة بين الإنتاج الفعلي والإمكانات المتاحة عند تطبيق التوصيات الفنية بشكل كامل.
أوضح عبدالسلام، أن الدولة تمتلك مجموعة واسعة من أصناف الفول البلدي المعتمدة، من بينها «مصر 1»، و«مصر 3»، و«نوبارية 1»، و«جيزة 843»، وغيرها من الأصناف التي تم تطويرها عبر برامج التربية والتحسين الوراثي بهدف رفع الإنتاجية وتحسين قدرة النباتات على مقاومة الأمراض والظروف البيئية الصعبة.
وأوضح أن هذا الفرق بين المتوسط الفعلي والإنتاجية الممكنة يعكس أن هناك إمكانية لزيادة الإنتاج بأكثر من 70% حال الالتزام بالممارسات الزراعية السليمة واستخدام التقاوي المعتمدة.
وأضاف عبدالسلام، أن التوسع في الأصناف المحسنة أسهم في رفع الإنتاج خلال الموسم الأخير، نتيجة تحسن الظروف المناخية وزيادة المساحات المنزرعة، موضحاً أن الموسم الحالي شهد زيادة ملحوظة في الإنتاج مقارنة بالسنوات السابقة.
وأكد أن استنباط صنف جديد لا يتم في فترة قصيرة، بل يستغرق في بعض الأحيان أكثر من 10 سنوات من أعمال التهجين والتقييم والاختبارات الحقلية، سواء من خلال إدخال تراكيب وراثية مستوردة واختبارها تحت الظروف المصرية أو عبر برامج تهجين تجمع بين الأصناف المحلية المتأقلمة مع البيئة المصرية والأصناف الأجنبية مرتفعة الإنتاجية.
رهان على الأصناف الجديدة لتحقيق طفرة في الإنتاج
تتجه الأنظار إلى الأصناف الحديثة من سلالات الفول، باعتبارها أحد أهم الرهانات لزيادة الإنتاج المحلي وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، في ظل محدودية المساحات وصعوبة التوسع الأفقي نتيجة المنافسة مع محاصيل شتوية أخرى.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت برامج التربية النباتية التابعة لمركز البحوث الزراعية في استنباط أكثر من 13 صنفاً جديداً من الفول البلدي، تتميز بارتفاع الإنتاجية وتحسن القدرة على مقاومة الأمراض والآفات والظروف المناخية المختلفة، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه الأصناف على تعويض محدودية المساحات المزروعة وتقليل الاعتماد على الواردات.
وقال د. أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، إن الأصناف الحديثة تمثل أحد أهم الأدوات المتاحة لرفع إنتاجية الفول البلدي، خاصة في ظل محدودية الأراضي المخصصة للمحصول وصعوبة التوسع في زراعته على حساب محاصيل شتوية أخرى.

وأضاف لـ«البورصة»، أن أبرز ما يميز الأصناف المستحدثة هو ارتفاع قدرتها على مقاومة آفة الهالوك، التي تعد من أخطر الآفات التي تواجه المحصول، نظراً لاعتمادها على النبات العائل في الحصول على الغذاء، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية بصورة كبيرة.
وأوضح أن برامج استنباط الأصناف الجديدة لم تقتصر على مقاومة الهالوك، وإنما شملت أيضاً تحسين قدرة النباتات على مقاومة عدد من الأمراض الفيروسية التي كانت تتسبب في خفض إنتاجية الفدان وتراجع جودة المحصول في العديد من المناطق الزراعية.
أكد كمال، أن التوسع في استخدام الأصناف الحديثة من شأنه دعم جهود زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات الإنتاجية، بما يسهم في تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك على المديين المتوسط والطويل.
من جانبه، قال د. إبراهيم درويش، أستاذ الزراعة بجامعة المنوفية، إن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الفول لا يعتمد على تطوير الأصناف فقط، وإنما يتطلب أيضاً التوسع في المساحات المزروعة بالتوازي مع رفع إنتاجية الفدان.
وأضاف أن المشروعات الزراعية القومية واستصلاح الأراضي الجديدة توفر فرصاً واعدة لزيادة المساحات المنزرعة بالفول في مناطق الدلتا الجديدة وتوشكى وشرق العوينات وغرب المنيا وسيناء، خاصة أن أجزاء واسعة من هذه المناطق لا تعاني من الإصابة بآفة الهالوك.
وأشار إلى أن الهالوك ما زال يمثل التحدي الأكبر أمام مزارعي الفول، نظراً لقدرة بذوره على البقاء كامنة في التربة لسنوات طويلة، ما يحد من إمكانية إعادة زراعة المحصول في الأراضي المصابة.
وقال محمد شبانة، رئيس مجلس إدارة شركة شبانة للحبوب، إن الزيادة التي شهدها إنتاج الفول خلال الموسم الأخير جاءت مدعومة بانتشار الأصناف المحسنة التي أثبتت كفاءة أعلى في الإنتاج ومقاومة أفضل للمشكلات التي كانت تحد من إنتاجية المحصول.
أضاف أن أصناف «جيزة» و«سخا» و«مريوط» و«المارد»، حققت انتشاراً واسعاً بين المزارعين بعد إثبات قدرتها على تحقيق إنتاجية مرتفعة وجودة جيدة للحبوب.
ولفت إلى أن تحقيق طفرة حقيقية في إنتاج الفول يتطلب استمرار تطوير الأصناف عالية الإنتاجية والتوسع في زراعتها بالمناطق الجديدة الواعدة، خاصة في البحيرة ومطروح ووادي النطرون.
وقال مصطفى إسماعيل، مزارع بمحافظة بني سويف، إن معظم الأصناف المتداولة تحقق في المتوسط إنتاجية تتراوح بين 10 و10.5 أردب للفدان، بما يعادل نحو 1.6 طن من الحبوب.
أضاف أن صنف «المارد» نجح في بعض الحقول في تحقيق إنتاجية بلغت نحو 15 أردباً للفدان، بما يعادل 2.25 طن تقريباً، بزيادة تصل إلى 750 كيلو جراماً للفدان مقارنة بالأصناف التقليدية.
وقال محمد سليمان، مزارع بمحافظة أسيوط، إن صنف «سخا 101» يعد من أكثر الأصناف انتشاراً ، بفضل مرونته التسويقية وإمكانية بيعه كقرون خضراء أو حبوب جافة، ما يمنح المزارعين خيارات أوسع خلال الموسم.
وأضاف أن جودة أصناف الفول لا تقاس بالإنتاجية فقط، بل تشمل أيضاً خصائص أخرى يفضلها المستهلكون والمطاعم، على رأسها سرعة الطهي وجودة الحبوب.
وقال محمد سلامة، مزارع بمحافظة الدقهلية، إن أصناف «جيزة 716» و«جيزة 843» و«سخا 1» و«سخا 4» تعد من أكثر الأصناف انتشاراً بفضل قدرتها على تحقيق إنتاجية جيدة وجودة مرتفعة للحبوب.
أضاف أن صنف «جيزة 716» يتميز بقدرته على النجاح في معظم الأراضي الزراعية القديمة والجديدة، باستثناء الأراضي مرتفعة الملوحة، ما يمنحه ميزة تنافسية تدعم التوسع في زراعته.
وأشار إلى تزايد الإقبال على الأصناف المبكرة النضج، خاصة أصناف «نوبارية»، لما توفره من مزايا تشمل خفض استهلاك المياه وتقليص مدة بقاء المحصول في الأرض وإتاحة الفرصة لتجهيزها مبكراً للمحصول التالي.
وقال فاروق مصطفى، مزارع بمنطقة وادي النطرون، إن صنف «المارد» يعد من أبرز الأصناف الحديثة التي حققت انتشاراً متزايداً بين المزارعين خلال السنوات الأخيرة.
أضاف أن الصنف يتميز بقوة النمو وارتفاع عدد التفريعات، التي قد تصل إلى نحو 35 تفريعة للنبات الواحد، ما ينعكس على زيادة عدد القرون والحبوب الناتجة.
وأشار إلى أن النبات يتمتع بغزارة إثمار مرتفعة، إذ يمكن أن يصل عدد القرون في النبات الواحد إلى نحو 300 قرن في الحقول التي تحصل على الخدمة الزراعية المناسبة، ما يعزز كفاءة الإنتاج ويرفع العائد الاقتصادي للمزارعين.
كيف يعود “الذهب البنى” إلى عرش الزراعة؟
طالب مزارعون، الحكومة، بتبني حزمة حوافز اقتصادية وفنية لإعادة الفول البلدي إلى عرش المحاصيل الزراعية الكبرى.
وبحسب المزارعين الذين تحدثوا لـ”البورصة”، تشمل قائمة المقترحات، التوسع في منظومة الزراعة التعاقدية، والإعلان عن أسعار استرشادية قبل بدء الموسم، وتوفير التقاوي المعتمدة وبرامج الإرشاد الزراعي.
قال محمد منصور، مزارع بمحافظة الدقهلية، إن إعلان سعر استرشادي لمحصول الفول قبل موسم الزراعة يمنح المنتجين رؤية أكثر وضوحاً بشأن العائد المتوقع، ويساعدهم على اتخاذ قراراتهم الزراعية على أسس اقتصادية واضحة، بما يشجع على زيادة المساحات المنزرعة ويحد من عزوف بعض المزارعين عن زراعة المحصول.
أضاف أن الفول المحلي يواجه منافسة قوية من الأصناف المستوردة، رغم ما يتمتع به من جودة وقيمة غذائية أعلى، موضحاً أن انخفاض أسعار بعض الواردات يدفع شريحة من التجار والمستهلكين إلى تفضيلها، ما ينعكس سلباً على فرص تسويق الإنتاج المحلي.
كما أن القمح يحظى بمنظومة أكثر استقراراً من حيث التسويق والدعم، فضلاً عن سهولة الحصول على الأسمدة المدعمة عبر الجمعيات الزراعية، بينما يضطر العديد من مزارعي الفول إلى شراء جانب كبير من مستلزمات الإنتاج من السوق الحرة، وهو ما يرفع التكلفة ويضغط على هوامش الربحية.
وقال خالد يوسف، مزارع بمحافظة الدقهلية، إن محدودية العائد الاقتصادي لمحصول الفول مقارنة بعدد من المحاصيل الشتوية المنافسة لاتزال من أبرز العقبات التي تحول دون التوسع في زراعته.
وأوضح أن بعض المحاصيل الأخرى توفر مصادر دخل إضافية للمزارعين، مشيراً إلى أن تبن القمح يمثل مورداً اقتصادياً مهماً نتيجة استخداماته المتعددة في تغذية الماشية، في حين لا تحقق مخلفات الفول القيمة الاقتصادية ذاتها.
أضاف يوسف، أن تكلفة زراعة فدان الفول تصل في بعض المناطق إلى نحو 20 ألف جنيه، تشمل التقاوي والمبيدات والخدمات الزراعية المختلفة، دون احتساب القيمة الإيجارية للأرض أو أجور العمالة .. الأمر الذي يزيد الضغوط المالية على المنتجين.
ولفت إلى التفاوت الكبير في أسعار التقاوي وفقاً للصنف ومصدر الإنتاج، موضحاً أن أسعار التقاوي المتاحة من وزارة الزراعة تبلغ نحو 60 جنيهاً للكيلوجرام، بينما تتراوح أسعار بعض الأصناف المستوردة أو المنتجة بواسطة شركات خاصة بين 130 و170 جنيهاً للكيلوجرام، في حين تصل أسعار الأصناف الجديدة التي تُطرح للزراعة للمرة الأولى إلى نحو 420 جنيهاً للكيلوجرام.
وقال سيد عبدالرازق، مزارع بمحافظة أسيوط، إن ارتفاع أسعار الفول خلال الموسم الماضي شجع عدداً من المزارعين على زيادة المساحات المنزرعة، إلا أن استمرار انتشار آفة الهالوك مازال يمثل تحدياً رئيسياً يهدد إنتاجية المحصول.
وأضاف أن الحد من تأثير هذه الآفة يتطلب توفير أصناف أكثر مقاومة، إلى جانب تعزيز برامج الإرشاد الزراعي والدعم الفني للمزارعين، بما يسهم في الحفاظ على إنتاجية الفدان وتحسين العائد الاقتصادي من الزراعة.
وقال عامر جمال، مزارع بمحافظة الفيوم، إن التوسع في استخدام الأصناف المحسنة يمثل أحد أهم الحلول لرفع إنتاجية الفول وزيادة كفاءة استغلال الأراضي الزراعية، خاصة في ظل قدرة هذه الأصناف على التكيف مع الظروف البيئية المختلفة وتحقيق إنتاجية أعلى.
وأضاف أن استمرار جهود تطوير التقاوي وتوفير الأصناف المعتمدة بأسعار مناسبة من شأنه دعم خطط زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك خلال السنوات المقبلة.
وأشار جمال، إلى أن ارتفاع القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية أصبح يمثل عبئاً متزايداً على المزارعين، موضحاً أن إيجارات بعض الأراضي في عدد من المناطق تصل إلى نحو 45 ألف جنيه سنوياً للموسمين الزراعيين، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويؤثر على الجدوى الاقتصادية للمحصول.
وقال محمد جابر، مزارع بمحافظة أسيوط، إن ضعف المنظومة التسويقية وغياب آليات منظمة لتجميع وتسويق المحصول يعدان من أبرز التحديات التي تواجه منتجي الفول.
وأوضح أن احتياج المزارعين للسيولة عقب الحصاد يدفع كثيرين منهم إلى بيع المحصول فوراً، ما يقلل قدرتهم على الاستفادة من تحركات الأسعار في السوق.
وأضاف: “تعدد حلقات التداول بين المزرعة والمستهلك يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعر الذي يحصل عليه المنتج والسعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، بما يقلص نصيب المزارع من العائد الحقيقي للمحصول”.








