متوسط نمو الاقتصاد المصري سيسجل 4% سنويًا بين 2030 و2050
في دراسة تحليلية صادرة عن جامعة أكسفورد، طُرح سؤال محوري: كيف سيكون مستقبل الاقتصاد المصري خلال السنوات الـ 25 المقبلة، حال عدم تنفيذ إصلاحات؟ وكذلك ما هي وتيرة النمو الممكنة إذا تم تطبيق إصلاحات هيكلية؟
وقام عدد من الباحثين لدى “أكسفورد” ببناء نموذج طويل الأجل للإجابة عن السؤالين، بالاعتماد على الاتجاهات المرصودة في رأس المال البشري والإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، إلى جانب معدلات الادخار والاستثمار الوطني، استنادًا إلى بيانات تقارب العقد الماضي.
وأشار التحليل إلى أن أداء مصر في هذه المؤشرات لا يمكن وصفه بأنه استثنائي، وعند إدخال هذه المعطيات ضمن النموذج، ينتج سيناريو «العمل كالمعتاد»، الذي يُظهر مسارًا للنمو غير استثنائي أيضًا، إذ يرتفع معدل النمو من متوسطه الحالي 2.5% ليستقر عند ما يقل قليلًا عن 4% سنويًا خلال 2030 و2050، وهو ما يقل عن مستهدف 5% سنويًا ضمن رؤية مصر 2030.
وفي المقابل، تناولت الدراسة سيناريو بديل يفترض تسريع تكوين رأس المال البشري، ورفع إنتاجية عوامل الإنتاج، إلى جانب رفع معدلات الادخار.
وأوضحت أنه مع تحقيق زيادات طموحة ولكن واقعية في كل محور على حدة، فإن كل تحسين منفرد يمكن أن يرفع معدل النمو طويل الأجل بما يتراوح بين 0.5% و2%.
لكن الدراسة خلصت إلى أن اتباع هذه الإصلاحات يمكن أن يغير المسار جذريًا، حيث يدفع النمو إلى مستويات تتجاوز 7% والحفاظ عليها، وهو ما يعكس إمكانية تحقيق مستوى أعلى من الازدهار الاقتصادي.
كما أشارت النتائج إلى أن هذا الأفق المحتمل من النمو يمكن أن يساعد في إعادة ترتيب أولويات الإصلاح، مع إبراز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتحسين التعليم، وخلق بيئة أعمال تنافسية حقيقية، وتطوير القطاع المالي كعناصر أساسية داعمة لهذا المسار.
محاسبة النمو: ما مصادر النمو في مصر؟
أوضحت الدراسة أن زيادة الناتج المحلي، يمكن أن تنتج عن عدة مصادر، من بينها التوسع في العمالة داخل عملية الإنتاج، وهو ما قد يرتبط بارتفاع معدلات السكان، أو من خلال زيادة رأس المال المستخدم في الإنتاج مثل إضافة مزيد من الآلات والمعدات.
وأشارت إلى هذا المسار باعتباره ارتفاعًا في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، والتي تُعد، المؤشر الأكثر دقة لقياس مستوى التنمية الاقتصادية، نظرًا لأنها تعكس تراكم وتطبيق المعرفة بشكل مستدام، بما يمتد تأثيره عبر القطاعات والمناطق. كما تعكس أيضًا مدى كفاءة الاقتصاد في استخدام موارده المتاحة.
وفي إطار تمرين لمحاسبة النمو باستخدام بيانات تمتد من عام 1955 إلى 2019، أوضح الباحثون أن مصر شهدت تراجعًا طويل الأجل في الإنتاجية، وبوتيرة أسرع منذ أوائل السبعينيات.
وأشاروا إلى أن متوسط نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج خلال الفترة بأكملها كان سالبًا عند نحو 0.1% سنويًا، كما سجلت 50 سنة من أصل 64 عامًا معدلات نمو سلبية، ما يعني أنه شكل عبئًا على نمو الناتج المحلي، وأسهم في تراجع مستويات الكفاءة والإنتاجية.
وطرحت الدراسة تساؤلًا حول كيفية تحقيق الاقتصاد لمتوسط معدل نمو 5% سنويًا خلال سبعة عقود، مشيرة إلى أن المحرك الرئيس لم يكن التوسع في عرض العمل الناتج عن ارتفاع الخصوبة، وإنما كان تراكم رأس المال، ولا سيما عبر الاستثمار العام، والذي أسهم في نحو ثلاثة أرباع النمو المحقق منذ الاستقلال.
وأشارت إلى أن هذا النموذج القائم على تراكم رأس المال لا يُعد مستدامًا في العادة، سواء من الناحية المالية أو الاقتصادية، إذ تميل عوائد الاستثمار إلى التراجع مع مرور الوقت.
ومن هنا، برزت الحاجة إلى رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج من خلال مجموعة من المحددات، تشمل استيعاب التكنولوجيا، وجودة المؤسسات، وتحسين مناخ الأعمال، ورفع مهارات العمالة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز العمق المالي، ودعم البحث والتطوير.
وأكدت الدراسة أن بعض هذه العناصر يقع ضمن نطاق السياسات الحكومية، مثل تحسين التنظيم، بينما يعتمد بعضها الآخر على القطاع الخاص، الذي لا يمكن أن يؤدي دوره بكفاءة دون وجود حوافز مناسبة.
الموازنة والسياسات المالية: ماذا تقول الدفاتر فعليًا
كان الإطار القانوني الذي تُصاغ في ظله الموازنة العامة للدولة موضوعًا للعديد من الإصلاحات – من دستور 1970 إلى قانون المالية العامة الموحد 2022.
من بين أهم هذه الإصلاحات تعديل تصنيف الموازنة العامة للدولة عام 2005، من خلال اعتماد إرشادات إحصاءات مالية الحكومة التابعة لصندوق النقد.
لكن التصنيف لم يغير فعليًا الطريقة القائمة على المدخلات والبنود التي تُعد بها الموازنة. ولا يزال التحول إلى نهج قائم على البرامج أو الأداء يمثل تحديًا، بسبب مزيج من جمود القدرات المؤسسية.
في الواقع، تتكون الموازنة العامة للدولة في مصر من موازنتين: واحدة للإنفاق الجاري تحت إشراف “المالية”، وأخرى للإنفاق الرأسمالي تحت إشراف “التخطيط”.
تشتت الموازنة بين “المالية” و”التخطيط” أحد الملفات التي يجب معالجتها
وقد تفاقم هذا التشتت في الموازنة بسبب غياب إطار متكامل متوسط الأجل يربط التخطيط بالموازنة، وكذلك غياب قواعد مالية في صورة أهداف أو حدود مالية كمية.
وأوضحت الدراسة أن تفاقم هذه التحديات جاء بفعل قضايا تتعلق بشفافية الموازنة وشموليتها.
فمن ناحية، لا تزال هناك بعض الاستثناءات من التصنيف الاقتصادي للموازنة، إذ تُخصص اعتمادات لجهات مثل البرلمان، والسلطة القضائية، فضلًا عن الصناديق والحسابات الخاصة، بقدر محدود من التفاصيل، وعادة لا تخضع لنفس إجراءات المراجعة التي تخضع لها الموازنة العامة.
من ناحية أخرى، فإن ندرة البيانات المتعلقة بالصناديق خارج الموازنة، والأنشطة شبه المالية، والنفقات الضريبية، والالتزامات المحتملة تضعف القيمة المعلوماتية للموازنة.
وتابعت: “حتى إذا كانت البيانات متاحة، فإن أعضاء البرلمان، بمن فيهم أعضاء لجنة الخطة والموازنة، يفتقرون غالبًا إلى القدرة الفنية اللازمة لإجراء تحليل تفصيلي لمشروع الموازنة”.
ورغم امتلاكهم سلطة قانونية لتعديل الموازنة- طالما لا يزيد ذلك من العجز- فإنهم نادرًا ما يمارسون هذا الحق.
في المقابل، أثبتت عدة إصلاحات في إدارة المالية العامة فعاليتها وجرى ترسيخها مؤسسيًا بنجاح. ومن الأمثلة على ذلك استخدام الحساب الموحد للخزانة لتعزيز كفاءة إدارة السيولة النقدية، واعتماد نظام إلكتروني، وإنشاء نظام معلومات الإدارة المالية لتبسيط العمليات عبر الجهات الحكومية.
وذكرت أنه يتم تدقيق الحسابات الختامية من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، وتُعتمد من البرلمان قبل التصويت على موازنة جديدة. إلا أن هذه المراجعات تميل إلى أن تكون ذات طبيعة مالية، مع تركيز محدود أو منعدم على الأداء، كما أنها لا تُنشر للعامة.
وأوضح الباحثون أن نسب الإنفاق الحكومي والإيرادات الحكومية إلى الناتج المحلي شهدت تراجعًا منذ عام 1981 /1982. وهذا التراجع لا يعكس بالضرورة انحسار دور الدولة في الاقتصاد؛ بل قد يعكس تقلص نطاق الموازنة نفسها، مع توسع مجموعة الكيانات والشركات والهيئات العامة المملوكة للدولة خارج الموازنة.
ومع ذلك، هناك خمسة اتجاهات طويلة الأجل جديرة بالملاحظة في الموازنة المُعلنة، وهي استمرار هيمنة الإنفاق الجاري، والتضخم المتزايد لمدفوعات الفوائد، والانخفاض الشديد في نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي، وارتفاع حصة الضرائب غير المباشرة من إجمالي الضرائب، والدور المحدود للغاية للإدارات المحلية واللامركزية المالية.
ومن الواضح أن الموازنة العامة، لم تكن الأداة التي ينبغي أن تكونها من أجل تحقيق تخصيص كفء للموارد، وتوزيع عادل للدخل، وتحقيق الاستقرار الاقتصاد.
وللمضي قدمًا من هذه النقطة، هناك حاجة إلى اتخاذ عدة إجراءات، أولها إعطاء الأولوية لتوسيع نطاق الموازنة وتعزيز شفافيتها، ثم إنشاء نظام لتقييم الأثر، وثالثًا، ومن أجل البدء في الاستفادة من قوة اللامركزية المالية، ينبغي تطوير إطار قانوني لتوزيع مصادر الإيرادات، ومسؤوليات الإنفاق، وتنظيمات الاقتراض على المستوى المحلي.
وأخيرًا، يُعد تحليل الأسباب غير الفنية لتأخر الإصلاحات المالية في مصر أمرًا بالغ الأهمية، وينبغي أن يأخذ ذلك في الاعتبار عوامل تتعلق بالقبول والسلطة والقدرة.
إطلاق إمكانات الإيرادات العامة
قالت الدراسة إن الحسابات المالية في مصر تعاني من عجز مزمن – إذ لم تحقق فائضًا طوال الخمسين عامًا الماضية.
وأوضح الباحثون أن المشكلة الجوهرية للعجز لا تكمن في الإفراط في الإنفاق؛ فقد ظلت إجمالي النفقات العامة أقل من 30% من الناتج المحلي العقود الثلاثة الماضية، وبالكاد تجاوزت 20% السنوات الثلاث الأخيرة. ويُعد هذا المستوى معتدلًا وفقًا للمعايير الدولية.
المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الإيرادات؛ إذ ظلت تدور حول 20% من الناتج المحلي لعقود أيضًا، وتراجعت إلى ما دون هذا المستوى بشكل واضح في أعقاب الجائحة.
وتابعت أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تواجه مصر بسببها صعوبة في تعبئة الإيرادات، أولًا، التحصيل الضريبي منخفض للغاية، إذ يبلغ نحو 11% من الناتج المحلي. وهذا يعادل تقريبًا نصف ما كان يتم تحصيله قبل 50 عامًا.
كما أن جزءًا كبيرًا من هذه الحصيلة يأتي من القطاع العام، بما في ذلك “المركزي”. ويُفسر التوسع في الاقتصاد غير الرسمي، والتهرب الضريبي، وضعف كفاءة الإدارة الضريبية جانبًا كبيرًا من هذا التراجع.
كما يسهم الاستخدام الواسع للنفقات الضريبية كالإعفاءات، والخصومات، والائتمانات، والإعفاءات المؤقتة، وحوافز الاستثمار في ذلك.
وأشارت الدراسة إلى أنه بعد عدة جولات من الإصلاح، أصبحت أدوات النظام الضريبي كالقيمة المضافة، وضرائب الشركات ولجمركية، والعقارية والأراضي ومعدلاتها، إلى حد كبير، مماثلة للمعايير المتعارف عليها.
ثانيًا، الإيرادات غير الضريبية منخفضة أيضًا إذ تبلغ 2% من الناتج المحلي، وتشهد تراجعًا طويل الأجل، بعدما كانت تمثل 10% من الناتج في الماضي. ووفقًا للدراسة، فإن هذا الأمر يبدو محيرًا إلى حد ما؛ إذ إن الإيرادات غير الضريبية تأتي في الأساس من تحويلات الأرباح من الهيئات الاقتصادية، والشركات العامة، وبنوك الدولة، والتي ازداد عددها بمرور الوقت.
وأضافت أن هذا يقودنا إلى الفجوة الثالثة المتسعة في الإيرادات وهي الانتشار المتزايد للكيانات الحكومية التي تعمل خارج الموازنة. وكما ذُكر سابقًا، تعمل هذه الشركات عبر قطاعات مختلفة، لكنها فعليًا لا تدفع ضرائب أو تحول أرباحًا.
وتمتلك هذه الكيانات ميزة على القطاع الخاص، إذ تُزاحمه في العديد من الأسواق مستبدلة دافعي الضرائب بغير الدافعين لها. فهي تسهم في الناتج المحلي، لكنها لا تسهم في الإيرادات، ما يؤدي إلى تراجع النسبة بينهما.
ومن الواضح أن هناك الكثير مما ينبغي القيام به لتعبئة الإيرادات المالية في مصر. فثمة حاجة إلى تغييرات في الإدارة الضريبية بما في ذلك بعض الإجراءات التي ينص عليها القانون، مثل التدقيق القائم على العينات.
كما يجب تعزيز حوكمة الشركات العامة المدرجة داخل الموازنة وخارجها، بدءًا من اعتماد معايير محاسبية سليمة.
وأصبح ترشيد النفقات الضريبية- إن لم يكن إلغاؤها بالكامل- أمرًا متأخرًا للغاية، خاصة الحوافز التي لا تُحدث تأثيرًا فعليًا يُذكر على قرارات الاستثمار.
دين مصر: الأصول التاريخية والتحديات المستمرة
على مدار الخمسين عامًا الماضية، واجهت مصر مشكلة تتعلق بالدين العام. فمنذ منتصف السبعينيات، وباستثناء فترتين قصيرتي الأجل، ظل الدين الحكومي إلى الناتج المحلي أعلى من 80%. وقد حدث ذلك رغم موجة من إعفاءات الديون في أوائل التسعينيات، وعدة برامج إنقاذ من دائنين وممولين دوليين.
وذكرت الدراسة أن الاعتماد على الاقتراض تجاوز الاختلافات الأيديولوجية السياسية، فقد استمر في عهد جميع الرؤساء منذ تأسيس الجمهورية.
وتنوعت مصادر التمويل بين المركزي، والبنوك المملوكة للدولة، والبنوك التجارية، والمؤسسات متعددة الأطراف، والدول المانحة الغربية، والخليج، وحائزي السندات.
وتابعت أنه في بعض السنوات، بدا عبء الدين غير محتمل؛ إذ أظهرت المؤشرات المعتادة إشارات تحذير متكررة. وليس من قبيل المصادفة أن برامج صندوق النقد وصفت باستمرار الدين الحكومي بأنه «قابل للاستدامة، ولكن ليس باحتمالية مرتفعة».. ومع ذلك، لم تتخلف مصر يومًا عن السداد.
وطرحت الدراسة سؤالًا عن استمرارية قدرة مصر على السداد، وهل يمكن أن تنكسر قدرة الاقتصاد على الصمود.
وقالت الدراسة، إن هناك عددا من العوامل قد تكسر قدرة الاقتصاد على السداد، إذ وصلت مدفوعات الفوائد إلى مستوى قد يصبح غير قابل للاستمرار.
كما أدى احتياج الحكومة المستمر للتمويل، بجانب التزامها الضمني بالدفاع عن الجنيه من التراجع، إلى تحويل مصر إلى «دولة تجارة العائد»، أي سوق تدخل إليه رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل للاستفادة من
فروق الفائدة وتغادره بسرعة عند أول إشارة إلى خفض محتمل في قيمة العملة. وعمليًا، يعني ذلك أن الحكومة تقترض بالدولار بتكلفة تقارب 20% سنويًا.
ثالثًا: هناك فجوة متزايدة بين الدين الحكومي المُعلن والدين الفعلي للقطاع العام الذي تتحمل الحكومة مسئوليته في النهاية.
فالكيانات العاملة خارج الموازنة تقترض بكثافة، لكنها لا تنشر حساباتها. وحتى الآن، ظل تأثير قانون المالية العامة الموحد، محدودًا للغاية.
رابعًا: يؤثر الاقتراض الحكومي سلبًا على النمو ويغلق الباب أمام إمكانية «النمو للخروج من عبء الدين». ويعود ذلك إلى مزاحمة كيانات الدولة القطاع الخاص في سوق الائتمان.
وأضافت أنه مع تدني التصنيف الائتماني السيادي، تصبح فرص التمويل الخارجي للقطاع الخاص المصري محدودة للغاية.
خامسًا: قد لا يكون من الممكن تعديل الموازنة بالقدر الكافي لتحقيق فوائض أولية تضع عبء الدين على مسار هبوطي مستدام. فالإنفاق التقديري أصبح محدودًا ومتراجعًا، بينما تعتمد الحصيلة الضريبية على شريحة محدودة من الشركات الخاصة الرسمية، في حين لا تدفع غير الرسمية والكيانات خارج الموازنة ضرائب. وبالتالي، قد لا تؤدي زيادة معدلات الضرائب إلى تحقيق إيرادات كبيرة.
قد تكون هناك مساحة لبعض أدوات الهندسة المالية لتخفيف عبء الدين. كما ينبغي لمصر مواصلة استثمار أهميتها الجيوسياسية للدعوة في المحافل الدولية إلى مزيد من التمويل الميسر .. إلا أن أثر هذه الإجراءات سيظل محدودًا.
ولحل مشكلة الدين العام في مصر على المدى الطويل، لا بد أن يتغير هيكل الاقتصاد من خلال انسحاب الدولة من الاقتصاد، وإدراج ما تبقى من الكيانات العامة ضمن الموازنة، وجعل بيئة الأعمال الرسمية جاذبة بما يكفي حتى لا يكون الاقتصاد غير الرسمي مجديًا.
وخلص الباحثون، إلى أن الإصلاحات يجب أن تعزز شفافية الدين وإدارته، وتوحد تقارير الدين العام، وتحسن التنسيق بين السلطات المالية والنقدية للحد من المخاطر خارج الموازنة واستعادة المصداقية الاقتصادية الكلية.
معضلة مزيج السياسات: الهيمنة أم شد الحبل أم التسويات المتوازنة؟
يُعد التنسيق والاتساق بين السياسات المالية والنقدية أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار.
لكن الوصول إلى «المزيج الاقتصادي الكلي» المناسب ليس بسيطًا. ففي حين يحدد البرلمان، الضرائب والإنفاق العام، ينبغي أن تتخذ السياسة النقدية من قبل بنك مركزي مستقل يتمتع بالكفاءة الفنية.
وتُجسد مصر، تحديات الحوار المؤسسي بين السلطات المالية والنقدية. فعلى مدار العقود السبعة الماضية، شهد التوازن بينها تحولات متكررة، عكست الدورات الاقتصادية، وفترات الإصلاح الهيكلي، والتغيرات السياسية.
وبشكل عام، أوضحت الدراسة أن هناك 6 فترات متميزة، إذ اتسمت المرحلة الأولى، من الخمسينيات إلى الستينيات، بالتخطيط المركزي.
فقد عمل “المركزي” الذي أُنشئ حديثًا آنذاك، فعليًا كممول للدولة، داعمًا التوسع الصناعي السريع عبر طباعة النقود.
وكانت الاحتياجات المالية هي التي تحدد السياسة النقدية، ما خلق ضغوطًا تضخمية ورسخ اختلالات مالية مستقبلية. ورغم أن هذه الحقبة دعمت التنمية، فإنها كرست نمطًا من تبعية السياسة النقدية يصعب التراجع عنه.
ومع إطلاق سياسة «الانفتاح» في السبعينيات، بدأت مرحلة ثانية في دور “المركزي”.
فرغم أن السياسة استهدفت تحرير التجارة وجذب الاستثمار الأجنبي، استمر تمويل العجز النقدي، وضوابط رأس المال، والقمع المالي.
ومع ذلك، بدأ المركزي في تطوير أدوات السياسة النقدية والرقابة المصرفية، رغم أن دوره ظل ثانويًا مقارنة بالسلطة المالية، وكان التنسيق بينهما محدودًا.
وبحلول منتصف الثمانينيات، واجهت مصر اختلالات اقتصادية كلية غير قابلة للاستدامة وأزمة ديون وشيكة.
وفي 1991، نفذت البلاد برنامج إصلاح هيكلي بدعم من صندوق النقد والبنك الدولي، ما شكل بداية المرحلة الثالثة من التنسيق بين السياسة النقدية والمالية.
وكان يُفترض أن تمثل هذه المرحلة نقطة تحول، عبر تقليص الهيمنة المالية ومنح “المركزي” استقلالية أكبر.
وتم تحرير الفائدة والسماح بتدفقات رؤوس الأموال. وبدأ التنسيق بدلًا من التبعية مع السلطة المالية، في البداية في إطار إدارة الدين المحلي.
كما ساعدت جهود الانضباط المالي بما في ذلك خفض الدعم وخصخصة الشركات المملوكة للدولة في تقليل عبء تمويل العجز على المعروض النقدي.
ومع ذلك، لم تذهب الإصلاحات بعيدًا بما يكفي لإنهاء الهيمنة المالية بالكامل.
أما أواخر التسعينيات وبدايات الألفية فشهدت تراجعًا عن المكاسب السابقة، إذ فقدت الإصلاحات الهيكلية زخمها، وظل العديد منها معلقًا.
وانعكس ذلك في استمرار العجز المالي المتكرر، الذي جرى تمويل جزء كبير منه عبر التوسع النقدي.
وفي محاولة للحفاظ على الاستقرار المالي، سمح “المركزي “بوصول سعر الصرف الحقيقي إلى مستويات مرتفعة بصورة غير مستدامة.
وبحلول 2002، وأمام أزمة خارجية جديدة، جرى السماح بتعويم سعر الصرف وفي العام التالي صدر قانون جديد للبنك المركزي.
واستهدف هذا القانون تعزيز استقلالية “المركزي” وتزويده بأدوات فنية لإدارة السياسة النقدية، مثل عمليات السوق المفتوحة .. إلا أن الهيمنة المالية لم تنتهِ، ما قوض هدف القانون المتمثل في استهداف التضخم.
وفي الفترة من 2003 إلى 2020، جرى تمويل العجز المالي بصورة متزايدة من خلال تدفقات رءوس الأموال قصيرة الأجل بدلًا من طباعة النقود المباشرة. وللحفاظ على استقرار هذه التدفقات، اضطر “المركزي” فعليًا إلى استهداف استقرار سعر الصرف ما يعني ضمنيًا أن آلية استهداف التضخم التي نص عليها قانون 2003 لم تُطبق فعليًا.
وأدت الصدمات المتكررة لاحقًا إلى استنزاف حاد ومفاجئ لاحتياطيات النقد الأجنبي لدى “المركزي”، وإلى طلب برامج إصلاح بدعم من صندوق النقد. وتم الاتفاق على ثلاثة برامج من هذا النوع في 2016 و2020 و2022.
وجاء قانون جديد لـ”المركزي” في 2020 ليطلق إصلاحات مؤسسية جديدة، مانحًا إياه صلاحية أكبر لصياغة السياسات بشكل مستقل، ومقربًا إياه من الممارسات العالمية للبنوك المركزية.
كما بدأ تطبيق نظام ناشئ لاستهداف التضخم، وإن كان بصورة جزئية؛ إذ استمر استقرار سعر الصرف الاسمي في أخذ الأولوية.
“مطبات تهدئة” للإنفاق والعجز والدين
هل ستنتهي الهيمنة المالية في مصر؟ أو على الأقل تتراجع، بما يسمح للبنك المركزي بأداء مهمته الأساسية المتمثلة في استقرار الأسعار؟
يتطلب ذلك وجود قواعد مالية ذات مصداقية، وإرادة سياسية للالتزام بها. ويمكن أن تتخذ هذه القواعد أشكالًا متعددة- مثل وضع حدود أو «مطبات تهدئة» للإنفاق والعجز والدين وما شابه، بصيغ يسهل تطبيقها عمليًا.
ومن المهم بالقدر نفسه أن تُطبق هذه القواعد على كامل أجهزة الدولة، بما في ذلك الكيانات العامة العديدة العاملة حاليًا خارج الموازنة.
السياسات النقدية وسعر الصرف: النسخة المصرية من معضلة ماندل الثلاثية
كما ذُكر سابقًا، حاول “المركزي” على مدار العقود الخمسة الماضية جعل استقرار الأسعار الهدف الرئيسي لسياساته النقدية.
وتحقيقًا لذلك، أقر قوانين وإصلاحات مؤسسية وسياسات متعددة .. إلا أن السياسة النقدية عمليًا ظلت خاضعة لأولويات السياسة المالية، وللالتزام الفعلي بالحفاظ على استقرار الصرف الاسمي.
فعند حدوث أي صدمة، كانت الأولوية تتمثل في تجنب انخفاض العملة بأي ثمن. وقد سُمح بحدوث ارتفاعات اسمية في سعر الصرف، لكن المرونة ظلت دائمًا أحادية الاتجاه.
وتابعت الدراسة أن هذا النهج الأحادي في إدارة سعر الصرف خلال الصدمات الاقتصادية الحديثة نسبيًا.
ففي مواجهة الأزمة المالية العالمية عام 2008، والضغوط القوية نحو ارتفاع سعر الصرف الاسمي، اختار “المركزي” تثبيت سعر الصرف.
ولتحقيق ذلك، جرى استخدام سياسة نقدية أكثر تشددًا إلى جانب استخدام احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة.
وتابعت الدراسة أن الضغوط الصعودية على سعر الصرف أصبحت أكثر حدة فترة الاضطرابات السياسية بين 2011 و2015، وهي أزمة تفاقمت بفعل خروج كبير لرؤوس الأموال.
وكما فعل سابقًا، سعى “المركزي” إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف. وهذه المرة، وإلى جانب استخدام احتياطياته، لجأ إلى مجموعة من الأدوات الجديدة، مثل مزادات النقد الأجنبي، وتوجيهات للبنوك المملوكة للدولة لبيع صافي أصولها الأجنبية، وآلية «إعادة الأموال» التي عملت كضمان ضمني لاستقرار سعر الصرف بالنسبة للمستثمرين الأجانب في المحافظ الاستثمارية قصيرة الأجل.
لكن هذه الأدوات لم تمنع ظهور سوق سوداء للعملة الأجنبية، بفارق متزايد عن السعر الرسمي. وفي نهاية المطاف، استُنزفت الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي، واضطرت الحكومة بحلول 2016 إلى إطلاق برنامج إصلاح جديد مدعوم من صندوق النقد.
وكما في البرامج السابقة، استند هذا البرنامج أيضًا إلى تعويم الجنيه المصري، وإجراء إصلاح مالي، وتعزيز استقلالية “المركزي”، واعتماد نظام لاستهداف التضخم، وتنفيذ سلسلة من الإصلاحات الهيكلية لدعم نمو القطاع الخاص.
وقد نُفذ جزء فقط من هذه الإجراءات، لكنه كان كافيًا لاستعادة ثقة المستثمرين الأجانب في المحافظ الاستثمارية.
وبحلول ديسمبر 2019، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 45 مليار دولار. وأصبحت مصر آنذاك «دولة تجارة العائد».
ثم جاءت الجائحة في مارس 2020. وشهد الاقتصاد المصري حالة من التوقف، بما في ذلك أهم مصادر النقد الأجنبي وهي السياحة.. وبدلًا من السماح بانخفاض قيمة العملة، حاول “المركزي” الدفاع عنها، ما أدى إلى فقدان نحو 17 مليار دولار من الاحتياطيات. وتم الاتفاق على حزمة جديدة من صندوق النقد الدولي بـ 8 مليارات دولار.
وقد أسهم دعم صندوق النقد، والمرونة المفاجئة للاقتصاد، والتمسك باستقرار سعر الصرف، وانخفاض الفائدة في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات شبه صفرية، في جذب المستثمرين مرة أخرى إلى المحافظ الاستثمارية المصرية.
لكن أواخر فبراير 2022، أدى الغزو الروسي لأوكرانيا، وبعده بشهر بدء التشديد النقدي الكمي في الولايات المتحدة، إلى موجة جديدة من الانسحاب المفاجئ والكبير لرءوس الأموال.
ومع تراجع مستثمري تجارة العائد، حاول “المركزي” مرة أخرى منع ارتفاع سعر الصرف. وكما حدث في المرات السابقة، استنزف الاحتياطيات إلى أن جرى توقيع برنامج جديد مع صندوق النقد في وقت لاحق من العام.
وظهرت الصورة العامة المستخلصة من هذه الحلقات أن السلطة النقدية في مصر وجدت نفسها عالقة في معضلة ثلاثية غير قابلة للحل: فقد جرى الحفاظ على استقرار سعر الصرف وحرية حركة رءوس الأموال على حساب استقلالية السياسة النقدية.
ويبقى السؤال: لماذا تمسكت السلطات باستقرار سعر الصرف رغم عيوبه الواضحة وصعوبة استدامته؟ قد تكمن الإجابة في «الخوف من التعويم».
استهداف التضخم وترسيخ التوقعات
يُعد وجود مؤسسة مستقلة وذات مصداقية، قادرة على الحفاظ على التضخم عند مستويات مستقرة، نعمة لأي اقتصاد. وقد حاول “المركزي” تطبيق نظام «استهداف التضخم» منذ 2003.
ولم يُعلن البنك عن نطاق مستهدف للتضخم إلا في 2017، وذلك في إطار متطلبات برنامج لصندوق النقد. وحتى هذا النطاق ظل، في أفضل الأحوال، إرشاديًا فقط، وذلك لأسباب اقتصادية ومؤسسية وفنية.
يتطلب استهداف التضخم بفاعلية انضباطًا ماليًا، ومستويات منخفضة من الدين العام، وسعر صرف معوم، بما يسمح لـ”المركزي” بوضع السياسة النقدية مع التركيز فقط على استقرار الأسعار. كما يتطلب وجود مؤسسة مستقلة قانونيًا وعمليًا عن الحكومة.
ويستلزم أيضًا وجود نظام مصرفي تنافسي يتخذ قرارات الإقراض وفق أسس السوق فقط، بحيث تنتقل تغييرات الفائدة بسلاسة إلى الاقتصاد.
ويحتاج استهداف التضخم كذلك إلى بنية تحتية نقدية مناسبة لتنفيذ السياسات، بدءًا من مزادات الأصول ونوافذ الخصم، وصولًا إلى إجراء استطلاعات لتوقعات السوق ونماذج التنبؤ.
ولم تتوافر هذه المتطلبات بشكل مستمر في مصر، ما جعل الالتزامات باستهداف التضخم تفتقر إلى المصداقية. وكانت النتيجة مسارًا لتوقعات السوق بشأن التضخم يبدو «غير مترسخ» عبر الزمن.
وقدمت الدراسة مثالًا توضيحيًا لهذه المشكلة. فقد حللت توقعات التضخم الخاصة بمصر، التي تنشرها شهريًا وحدة المعلومات الاقتصادية، وتغطي هذه المنشورات من 2000 إلى 2023، وتشمل توقعات التضخم على المدى القصير والمتوسط والطويل. كما تتضمن مراجعات للتوقعات، يمكن تفسيرها على أنها معلومات جديدة لم تكن مدرجة سابقًا.
وتوجد ثلاث إشارات تدل على أن توقعات التضخم الخاصة بمصر لدى وحدة المعلومات الاقتصادية ظلت غير مترسخة خلال 2000 إلى 2023.
أولًا: تتأثر توقعات التضخم طويلة الأجل بالتضخم الفعلي قصير الأجل. ويشير هذا القدر من «الاعتماد على الماضي» إلى أن الجهة المتوقعة لا تثق بالكامل في قدرة “المركزي” على إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف الذي يعلنه.
ثانيًا: يعكس السابق غياب الثقة في اتخاذ إجراءات تصحيحية عندما تتغير التوقعات قصيرة الأجل نتيجة ظهور معلومات جديدة.
ثالثًا: تؤثر مراجعات التوقعات قصيرة الأجل لمتغيرات الاقتصاد الكلي على توقعات التضخم طويلة الأجل، خاصة عندما تكون المفاجآت أحداثًا كبرى مثل الاضطرابات، أو التخفيضات الكبيرة في العملة، أو الجائحة.
ومرة أخرى، يُعد ذلك إشارة إلى ضعف الثقة في قدرة “المركزي” على كبح التضخم.
لكن عند التدقيق في الفترات المحيطة بالأزمات المالية في مصر، تظهر صورة أكثر تعقيدًا. فقد بدت توقعات التضخم مترسخة في الأشهر السابقة مباشرة لانتفاضة 2011، والتخفيض الكبير لقيمة العملة المرتبط ببرنامج صندوق النقد في 2016، والجائحة في 2020. وبعد هذه الأحداث، أصبحت التوقعات غير مترسخة لفترة، لكنها سرعان ما عادت إلى الترسيخ.
ويُحتمل أن يكون التفسير لذلك هو تحركات مستثمري تجارة العائد، الذين يدخلون ويخرجون من الاقتصاد استجابة للأخبار الكبرى.
وبطريقة ما، قد يكون من غير المنصف الحديث عن ترسخ أو عدم ترسخ توقعات التضخم في مصر، لأن “المركزي” لا يطبق فعليًا نظام استهداف التضخم .. فهو يكتفي بالإعلان عن نطاق مستهدف والالتزام به، بينما لا يمتلك الوسائل الكافية للبقاء ضمن هذا النطاق.
سياسات الاقتصاد الكلي: التعلم من الدورات المتكررة
تتمثل الفكرة الرئيسية في هذا الفصل في أن العجوزات المالية المتكررة لا تؤدي فقط إلى أزمات اقتصادية كلية، بل تُضعف أيضًا أدوات السياسة المستخدمة لمعالجة هذه الأزمات.
وباستخدام معايير محاسبية قابلة للمقارنة، لم تحقق مصر فائضًا أو توازنًا ماليًا منذ 1990 على الأقل. وقد أعاق ذلك ليس فقط النمو الاقتصادي، بل أيضًا إدارة الاقتصاد الكلي.
وكانت النتيجة الأولى الواضحة لاستمرار العجز المالي هي عجز “المركزي” عن أداء هدفه المؤسسي الأساسي: مكافحة التضخم. فمنذ أكثر من عقدين، منح قانون “المركزي” تفويضًا بالتركيز على استقرار الأسعار، بل وحتى تطبيق نظام لاستهداف التضخم.
إلا أن الحاجة إلى تمويل الحكومة طغت على السياسة النقدية، وجعلت استقلالية البنك المركزي بلا معنى فعلي.
وكانت نتيجة هذه الهيمنة المالية البحث عن وسائل بديلة للسيطرة على التضخم، وكان أبرزها المحاولات المتكررة لتثبيت سعر الصرف الاسمي.
ومن المفارقات أن هذا «الخوف من التعويم» أثبت في الواقع أنه عامل لعدم الاستقرار. ففي سبع مناسبات، أدت الصدمات إلى موجات ضغط على الجنيه، وخسائر كبيرة في احتياطيات النقد الأجنبي، وتأجيلات متكررة لخفض قيمة العملة، تلتها فترات قصيرة من التعويم.
كما تسبب ذلك في مجموعة واسعة من التشوهات الاقتصادية الجزئية، بدءًا من العقبات أمام تحويل الأرباح للخارج، وصولًا إلى القيود الإدارية على الواردات.
وقد دفعت الاختلالات المستمرة في الحسابات المالية ، الدين العام إلى حافة عدم الاستدامة. ففي وقت إعداد هذا الدليل، بلغ الدين العام نحو 90% من الناتج المحلي، واستحوذت مدفوعات الفوائد على ما يقرب من نصف إجمالي الإنفاق العام، وتجاوزت حصيلة الضرائب، بينما ظل التصنيف الائتماني السيادي أقل بكثير من درجة الاستثمار.
ويمثل الدين الخارجي نحو ثلث إجمالي الدين، وهي نسبة لا تبدو مفرطة في ظاهرها. لكن جزءًا كبيرًا من الدين المحلي مملوك لمستثمرين غير مقيمين يراهنون على استقرار سعر الصرف للاستفادة من فارق العائد بين أذون الخزانة الأمريكية والمصرية. ولهؤلاء المستثمرين، أصبحت مصر «دولة تجارة العائد».
كما أسهم الطابع المؤقت لهذه التدفقات الرأسمالية في ترسيخ مخاوف الحكومة من خفض قيمة العملة.
وإلى جانب التداعيات النقدية، وسعر الصرف، والدين، ترتبت على الاختلالات المالية تكلفة أخرى، إذ منعت استخدام السياسات المضادة للدورات الاقتصادية. فعندما تقع صدمات لا تتوافر مساحة لتوسيع الإنفاق العام أو خفض الضرائب بشكل مستدام.
وتتفاقم المشكلة بسبب أن تمويل الحكومة يزاحم تمويل القطاع الخاص. ولذلك، فإن تخفيف القيود التنظيمية على البنوك لتشجيع الإقراض للشركات الخاصة لا يُحدث فائدة كبيرة أيضًا.
الاستثمار في مصر: هيمنة الدولة تعيق نمو القطاع الخاص
في مصر، ومنذ 2002، شهد كل من الاستثمار العام والخاص كنسبة من الناتج المحلي تراجعًا تدريجيًا. والأكثر إثارة للقلق أن هناك فترات العقدين الماضيين بدا فيها أن الاستثمار العام أدى إلى مزاحمة الخاص، إلى درجة أصبح معها عبئًا على النمو.
وقدمت الدراسة تحليلًا باستخدام بيانات ربع سنوية يُظهر ثلاث مراحل مميزة في العلاقة بين الاستثمار العام والخاص.
أولًا : من 2002 إلى 2008، كان الاستثمار الخاص ينمو بوتيرة جيدة، مع مشاركة حكومية منخفضة نسبيًا ودون أثر مزاحمة واضح.
ثم تغير الوضع مع اندلاع الأزمات العالمية والمحلية من 2008 حتى 2015؛ إذ اختارت الحكومة المصرية زيادة إنفاقها الاستثماري كوسيلة لحماية النمو لكن المستثمرين الخاصين لم يواكبوا ذلك بسبب ارتفاع حالة عدم اليقين. ومن هنا بدأ الانفصال بين تدفقات الاستثمار العام والخاص وتعمق هذا الانفصال بعد أحداث 2011.
أما المرحلة الثالثة فتبدأ 2016، عندما شرعت الحكومة في تنفيذ مشروعات عملاقة بشكل أكثر منهجية. وقد ترك ذلك مساحة محدودة للغاية للاستثمار الخاص، الذي بدأ في التراجع. وفي هذه المرحلة تشير التحليلات الكمية إلى وجود مزاحمة شبه كاملة بين الاستثمار العام والخاص، وهو ما يستمر حتى اليوم.
والذي يفسر أن الاستثمار العام في مصر لا يجذب الاستثمار الخاص بل يبدو أنه يعيقه احتمالان رئيسيان، أولهما تدخل الدولة في الاقتصاد، وخاصة في أنشطة تنافس القطاع الخاص مباشرة، ما يخلق بيئة غير متكافئة.
وظهر ذلك بوضوح في الكيانات خارج الموازنة، التي يُقدّر أنها تستثمر نحو ثلاثة أضعاف نظيرتها المدرجة في الموازنة أو حوالي 6% من الناتج المحلي في 2017/ 2018. مجرد توسع هذه الكيانات أو نيتها التوسع يكفي لإحباط المبادرة الخاصة.
ثانيًا، نظام توزيع الائتمان يسهم في المشكلة. فالبنوك الحكومية الرئيسية، التي تسيطر على غالبية أصول القطاع المصرفي، توجه معظم قدرتها الإقراضية إما للحكومة، أو للشركات المملوكة للدولة والكيانات خارج الموازنة. وهذا يؤدي إلى مزاحمة مباشرة للمقترضين من القطاع الخاص في سوق الائتمان.
فجعل الاستثمار العام والخاص متكاملين يتطلب إصلاحات هيكلية كبيرة. ويجب أن يبدأ ذلك بتخارج الدولة من القطاعات وهي عملية طويلة الأجل. وخلال هذه الفترة، ينبغي أن تلتزم الدولة بمبدأ الحياد التنافسي. كما يجب أن تصبح بيئة الأعمال أكثر استقرارًا وشفافية وجاذبية للمستثمرين.
التنمية المالية والنمو الاقتصادي: هل المالية مهمة حقًا؟
يمتد تاريخ القطاع المالي في مصر إلى الحقبة الاستعمارية، ومع وجود مهاجرين أوروبيين، وظهور مصر كمركز إقليمي لتجارة القطن، فقد ظل القطاع المالي يتحرك عند تقاطع الأعمال الخاصة والسيطرة الحكومية.
ويتكون من عدة مكونات: البنوك، وسوق الأوراق المالية، والتأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي، وتمويل المستهلك، والتمويل متناهي الصغر. وقد لعب دورًا مهمًا في توجيه المدخرات نحو الاستثمارات، وإدارة المخاطر، ودعم البنية التحتية للمدفوعات.
لكن السؤال: هل أسهم القطاع المالي في النمو الاقتصادي أم أعاقه؟
أجابت الدراسة عن هذا السؤال باستخدام بيانات تغطي الفترة من 1970 إلى 2023.
وحلل الباحثون، التنمية المالية عبر أربعة أبعاد: الوصول، والعمق، والكفاءة، والاستقرار، مع التحكم في مستوى التنمية الاقتصادية، وبيئة الأعمال، وجودة الحوكمة.
وباستخدام نماذج الانحدار الذاتي المتجه واختبارات السببية والاستجابة للصدمات، توصلوا إلى نتيجة واضحة: كل أبعاد التنمية المالية تُعد محركات أساسية للنمو الاقتصادي في مصر، بشكل فردي ومجتمعة. كما تتعزز هذه التأثيرات مع ارتفاع نصيب الفرد من الدخل، وزيادة تدفقات رأس المال الخاص، وتحسن الحوكمة.
وأشارت النتائج إلى ضرورة اتباع نهج شامل للتنمية المالية يوازن بين الشمول المالي، ودعم القطاع الخاص، والتنظيم الذكي.
مشهد المنافسة في مصر
يمتد تاريخ سياسات المنافسة في مصر إلى عام 1883، مع تطورات قانونية وتنظيمية متتالية. إلا أنه لم يتم إقرار إطار مستقل للمنافسة إلا عام 2005 عبر قانون المنافسة المصري وإنشاء جهاز حماية المنافسة.
ومنذ ذلك الحين، تم تعديل القانون أربع مرات لتعزيز الإنفاذ وتوسيع صلاحيات الجهاز. ومع ذلك، لا تزال المنافسة في مرحلة التطور، حيث تظل الأسواق شديدة التركّز، وغالبًا ما تأتي اعتبارات المنافسة وحماية المستهلك في مرتبة أدنى من الاعتبارات المالية والاجتماعية.
تستعرض الدراسة ، التحديات المؤسسية، إذ لا يمتلك جهاز حماية المنافسة سلطة فرض الغرامات مباشرة، بل يعتمد على المحاكم، مما يبطئ التنفيذ ويؤدي إلى تفاوت الأحكام وضعف الردع.
كما أن الغرامات غالبًا ما تكون منخفضة وغير متناسبة مع المكاسب المحققة من المخالفات.
أيضا لا يتمتع الجهاز، بنفس الوضع الدستوري الذي تتمتع به مؤسسات مثل البنك المركزي أو الهيئة العامة للرقابة المالية، ما يضعف قدرته على الإنفاذ.
وتبرز مشكلة أوسع تتمثل في غياب الحياد التنافسي بين الشركات العامة والخاصة، وبالتالي، فإن سياسة المنافسة في مصر ليست مجرد مسألة فنية، بل تتعلق ببناء مؤسسات مستقلة وأسواق عادلة ومفتوحة.
سلاسل القيمة العالمية: نظرة عامة وتحديات وفرص
وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن نحو 70% من التجارة العالمية تتم ضمن سلاسل القيمة العالمية، أي من خلال مراحل إنتاج موزعة على عدة دول.
وقد أصبحت هذه السلاسل محركًا رئيسيًا للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تتجه الاستثمارات إلى المواقع الأقل تكلفة والأعلى كفاءة.
لكن الدراسة أوضحت أن مصر لم تنجح في الاندماج بشكل كافٍ في سلاسل القيمة العالمية مقارنة بدول مثل تركيا وفيتنام، بل إن اتجاهها العام كان سلبيًا.
فقد ظل نصيب سلاسل القيمة الخلفية ثابتًا منذ التسعينيات، بينما تراجع نصيب السلاسل ثنائية الاتجاه إلى النصف تقريبًا، في حين ارتفعت السلاسل الأمامية، ما يشير إلى تخصص أكبر في المواد الخام والسلع الأولية.
وأظهرت النتائج القطاعية أن التعدين والصيد والزراعة تميل إلى السلاسل الأمامية، بينما تعتمد الصناعات مثل السيارات والمنسوجات والأدوية على مدخلات مستوردة.
لكن معظم الشركات المصرية لا تشارك أصلًا في هذه السلاسل، وتكون المشاركة أعلى بين الشركات الكبيرة وأدنى بكثير بين الصغيرة.
ورغم انخفاض الرسوم الجمركية، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى اندماج أكبر بسبب عوامل مثل الحواجز غير الجمركية، وضعف المنافسة، وتدهور بيئة الأعمال، إضافة إلى عدم الاستقرار الكلي وصعوبة الحصول على العملة الأجنبية.








