تقود مصر جبهة الدول الناشئة والاقتصادات النامية فى أكبر تحول هيكلى تشهده حوكمة الضرائب الدولية منذ نحو قرن كامل، يستهدف إنهاء الهيمنة التاريخية للدول المتقدمة على صياغة القواعد المالية العالمية.
وفى هذا السياق، كشف رامى يوسف، مساعد وزير المالية للسياسات والتطوير الضريبى ورئيس أعمال اللجنة الحكومية الدولية بالأمم المتحدة، عن اعتزام اللجنة طرح أول مسودة متكاملة للاتفاقية الإطارية للتعاون الضريبى الدولى وبروتوكولاتها المصاحبة خلال اجتماعات نيويورك المقررة فى أغسطس المقبل.
وأشار إلى أن المدى الزمنى الموضوع يقتضى الانتهاء من المفاوضات بالكامل وصياغة النص النهائى بحلول يوليو 2027.
وأوضح يوسف، خلال مشاركته فى ندوة موسعة نظمها منتدى إدارة الضرائب الأفريقية (ATAF) بالتعاون مع معهد الضرائب الأفريقى وجامعة بريتوريا تحت عنوان “إعادة صياغة حوكمة الضرائب الدولية”، أن القيادة المصرية لأعمال هذه اللجنة الأممية تسعى جاهدة لتأسيس نظام مالى عالمى جديد يتسم بالعدالة والشمولية.
وشدد مساعد وزير المالية على أن الجذور التاريخية للنظام الضريبى الدولى الحالى تعود إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، عندما صاغت عصبة الأمم القواعد الأولى لتوزيع الحقوق الضريبية بناءً على معطيات اقتصادية تقليدية، وهى القواعد التى تطورت لاحقاً عبر الاتفاقية النموذجية لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD)، وصولًا إلى مشروع مكافحة تآكل الوعاء الضريبى وتحويل الأرباح (BEPS).
وأكد يوسف أن هذه القواعد استقرت لعقود طويلة لكنها باتت تواجه اختبارًا حقيقيًا وعجزًا بنيويًا فى مواجهة الأنشطة الاقتصادية غير المادية.
وأشار إلى أن الإصلاحات التى قادتها منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية خلال العقد الماضي، رغم مساهمتها فى تطوير بعض الجوانب، إلا أن العديد من الدول النامية رأت أنها لم تشارك بصورة كافية ولا متكافئة فى صياغته.
وذكر يوسف أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت إنشاء اللجنة الحكومية الدولية لتباشر صياغة القواعد عبر ثلاثة مسارات متوازية ومتكاملة، تشمل صياغة الاتفاقية الإطارية الأساسية، وبروتوكول فرض الضرائب على الخدمات العابرة للحدود، وبروتوكول منع وفض المنازعات الضريبية.
واستعرض يوسف ملامح التجاذبات القوية وخيوط الصراع التفاوضى المحتدم حاليًا بين معسكر الدول النامية والدول المتقدمة فى نيويورك؛ حيث تتركز الخلافات الجوهرية حول مستوى الإلزام القانونى للنصوص، إذ تدفع مصر والمجموعة الأفريقية نحو صياغات قطعية ملزمة تضمن التنفيذ الفعلى وحماية الإيرادات المحلية، فى حين تفضل بعض الدول الكبرى استخدام عبارات فضفاضة وأكثر مرونة لتقليص التزاماتها القانونية.
ويمتد الخلاف كذلك إلى آليات التمويل؛ حيث تطالب الدول الناشئة بإنشاء آلية تمويل إلزامية ومستدامة تضمن استمرارية عمل الاتفاقية ومؤتمر الأطراف بشكل مستقل، بينما تحاول دول أخرى فرض فكرة المساهمات الطوعية كوسيلة لتقليص الصلاحيات التنفيذية للمؤتمر وتحجيم أدوار السيادة الضريبية للدول النامية.
وأكد يوسف أن بروتوكول فرض الضرائب على الخدمات العابرة للحدود يمثل الملف الأكثر حساسية على طاولة المفاوضات، نظراً للتباين الحاد حول نطاق الخدمات الخاضعة للضريبة وما إذا كانت ستقتصر على الخدمات الرقمية الصرفة أم ستمتد لتشمل جميع الخدمات العابرة للحدود، إلى جانب المعركة الدبلوماسية حول “قواعد الارتباط الضريبي”.
وجدد يوسف تأكيده أن الدول النامية لا تطالب بامتيازات استثنائية، بل تسعى لانتزاع حصة عادلة تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية التى تمثلها أسواقها وملايين المستخدمين فيها.
وفى سياق متصل، أشار إلى الرفض الأفريقى القاطع لإدراج “التحكيم الدولي” كآلية إجبارية لفض النزاعات فى البروتوكول الثالث، نظراً للتحديات القانونية والمالية الباهظة التى تواجهها الدول النامية فى تلك الساحات، ويتم العمل بدلًا من ذلك على تطوير بدائل عادلة ومتاحة كالوساطة والتوفيق، جازماً بأن نجاح المنظومة الضريبية برمتها مرهون بتبسيط التشريعات وبناء قدرات الإدارات الضريبية المحلية وتوفير الدعم الفنى لها وليس تعقيد القواعد.
باين: جودة الأبحاث المحلية هى سلاح القارة السمراء لتعديل الاتفاقيات الدولية
من جانبها، شددت مارى باين، السكرتيرة التنفيذية لمنتدى إدارة الضرائب الأفريقية (ATAF)، على أن جودة البحث العلمى والتحليل الفنى الذى يقوده خبراء القارة ستكون السلاح الحاسم لتشكيل مستقبل القانون الضريبى الدولى ودعم المواقف التفاوضية فى المؤتمر الدولى المرتقب بالأمم المتحدة.
وأوضحت باين أن المنتدى، الذى يشارك بصفة مراقب معتمد فى لجنة التفاوض التى يترأسها المسئول المصري، يعمل على مدار الساعة من خلال شبكة أبحاث الضرائب الأفريقية لترجمة الأولويات الاستراتيجية للقارة إلى مقترحات قانونية وعملية قابلة للتطبيق بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي.
وأضافت أن الدور الذى يلعبة المنتدى يتجاوز تقديم المقترحات السياسية المتعلقة بحقوق دول المصدر والإقامة وتحديات الاقتصاد الرقمي، إلى تقديم دعم فنى مباشر لوزارات المالية وهيئات الإيرادات عبر مذكرات إحاطة مبسطة تفكك الوثائق التفاوضية المعقدة.








