رغم التطور الذى شهدته أدوات الدين غير الحكومية، خلال السنوات الأخيرة، ما زال سوق سندات الشركات فى مصر يدور داخل دائرة ضيقة من التداول، إذ يظل معظم الإصدارات حبيسة محافظ المستثمرين حتى تاريخ الاستحقاق، بما يحرم السوق الثانوى من السيولة اللازمة لبناء منحنى تداول نشط وقادر على جذب شرائح جديدة من المستثمرين.
وتكشف حركة السوق أن المشكلة لا تكمن فى ضعف الإقبال على الاكتتابات الجديدة، بقدر ما ترتبط بغياب التداول بعد الإصدار، فبمجرد إتمام الطرح، تتجه غالبية المؤسسات والبنوك والمستثمرين الرئيسيين إلى الاحتفاظ بالسندات حتى نهاية أجلها، للاستفادة من العائد المضمون، وهو ما يضعف أحجام التعاملات ويحد من تطور سوق ثانوى حقيقى.
ويرى خبراء سوق المال أن كسر هذه الحلقة يتطلب معالجة مجموعة من التحديات المتراكمة، تبدأ من زيادة الإصدارات الجديدة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، ولا تنتهى عند خفض تكاليف الإصدار والتداول وتفعيل دور صناع السوق وتحسين آليات التسعير والإفصاح.
وأضاف المتعاملون، أن سوق سندات الشركات يقف حالياً عند نقطة تحول مهمة، فمع اتجاه الدولة لتعزيز دور القطاع الخاص وتنويع مصادر التمويل، تزداد الحاجة إلى سوق دين أكثر عمقاً وكفاءة. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من مرحلة الاكتفاء بزيادة الإصدارات إلى بناء سوق ثانوى حقيقى يتمتع بالسيولة والشفافية والقدرة على التسعير العادل.
وأكدوا أن الطريق إلى تنشيط سوق سندات الشركات يبدأ من توسيع قاعدة المصدرين والمستثمرين معاً، وخفض تكاليف الإصدار، وتعزيز التصنيف الائتمانى، وتفعيل دور صناع السوق، بما يضمن كسر حلقة «الشراء والاحتفاظ» التى تسيطر على السوق حالياً، ودون تداول نشط وسيولة مستمرة، ستظل السندات أداة تمويل فعالة عند الإصدار فقط، لكنها عاجزة عن أداء دورها الكامل كأحد أهم مكونات سوق رأس المال.
«مرشد»: تنشيط السوق الثانوى يبدأ من زيادة الإصدارات وإتاحة الاستثمار للأفراد
وقال أحمد مرشد، المؤسس، الرئيس التنفيذى لشركة المورش للاستثمارات، إن تنشيط السوق الثانوى لسندات الشركات يرتبط بشكل مباشر بزيادة نشاط السوق الأولي، موضحاً أن ضعف عدد الإصدارات الجديدة يحد بطبيعته من فرص التداول لاحقاً.
وأضاف أن أى سوق ثانوى نشط يحتاج فى البداية إلى قاعدة واسعة من الإصدارات المتنوعة من حيث القطاعات والآجال وأحجام الطرح، بينما لا يزال سوق سندات الشركات فى مصر محدوداً، مقارنة بحجم الاقتصاد واحتياجات الشركات التمويلية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة، خلال السنوات الماضية، رغم التراجعات الأخيرة، إلى جانب التقلبات الاقتصادية وحالة عدم اليقين التى شهدتها الأسواق، أثرت على قرارات العديد من الشركات بشأن إصدار السندات، ما انعكس على أحجام الإصدارات الجديدة.
وأوضح أن توسيع قاعدة المستثمرين يمثل أحد المفاتيح الرئيسية لتنشيط التداول، لافتاً إلى أهمية إتاحة الاستثمار فى سندات الشركات للأفراد بصورة أكبر، مع تعزيز الإفصاح عن التصنيف الائتمانى لكل إصدار.
وأضاف أن المستثمر الفرد أصبح أكثر وعياً بالأدوات الاستثمارية المختلفة، ولم يعد يقتصر على الشهادات والودائع البنكية، بل بات يبحث عن أدوات توفر عائداً أعلى وفرصاً متنوعة لإدارة المدخرات.
وأكد «مرشد»، أن التحدى لا يرتبط فقط بتكلفة إصدار السندات أو الحصول على التصنيف الائتمانى، وإنما يرتبط بصورة أكبر بسهولة الوصول إلى هذه الأدوات وإتاحتها للمستثمرين من خلال منصات تداول أكثر كفاءة ومرونة.
وأشار إلى أن تقييمه يخص سوق سندات الشركات التقليدية، فى حين أن سوق التوريق شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وإن كانت هناك تحديات تنظيمية جديدة قد تجعل السوق أكثر انتقائية فى اختيار العمليات والإصدارات.
«نجلة»: ضعف الوعى ومحدودية الطروحات يحاصران سوق السندات
من جانبه، قال محمود نجلة، المدير التنفيذى لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلى لإدارة الاستثمارات المالية، إن محدودية الإصدارات تمثل السبب الرئيسى وراء ضعف نشاط السوق الثانوى.
وأوضح أن سوق سندات الشركات ما زال صغيراً، مقارنة بسوق أدوات الدين الحكومية الذى يتمتع بإصدارات دورية وأحجام ضخمة وسيولة مرتفعة، ما يجعله أكثر جاذبية للمستثمرين من حيث التداول والتسعير.
وأضاف أن أغلب المستثمرين يحتفظون بالسندات حتى موعد الاستحقاق بسبب قلة البدائل المتاحة داخل السوق، وهو ما يؤدى إلى انخفاض أحجام التداول بعد الطرح.
وأشار إلى أن سندات التوريق أصبحت تمثل الجزء الأكبر من الإصدارات خلال السنوات الأخيرة، لكن ذلك لم ينعكس بصورة كافية على نشاط السوق الثانوى بسبب محدودية الأحجام المتداولة وطبيعة المستثمرين المشاركين فيها.
وأكد «نجلة»، أن رفع الوعى بين الشركات يمثل خطوة أساسية لتطوير السوق، داعياً بنوك الاستثمار إلى لعب دور أكبر فى تعريف الشركات بمزايا التمويل عبر السندات.
وأضاف أن عدداً كبيراً من الشركات لا يزال يعتبر الاقتراض المصرفى الخيار الأول للتمويل، رغم أن السندات قد توفر مزايا مهمة تتعلق بتنويع مصادر التمويل وإطالة آجال الاستحقاق وتوفير مرونة أكبر فى إدارة الالتزامات المالية.
وأوضح أن تكلفة الإصدار لا تزال تمثل أحد التحديات الرئيسية أمام الشركات، مطالباً بإعادة النظر فى الرسوم والتكاليف المرتبطة بالإصدار والقيد والتصنيف الائتمانى بما يشجع مزيداً من الشركات على دخول السوق.
كما شدد على أهمية تعزيز منظومة التصنيف الائتمانى ورفع كفاءة التقييمات الائتمانية، باعتبارها أحد العوامل الرئيسية لبناء الثقة وزيادة الشفافية أمام المستثمرين.
«الشربينى»: البنوك أكبر المستثمرين وتفضل الاحتفاظ بالسندات حتى الاستحقاق
قال محمد الشربينى، الرئيس التنفيذى لقطاع إدارة الأصول بشركة إن آى كابيتال، إن طبيعة هيكل المستثمرين الحالى تمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء ضعف التداول.
وأوضح أن البنوك تستحوذ على النسبة الأكبر من الاستثمارات فى سندات الشركات، وهى بطبيعتها تتبنى استراتيجية الاحتفاظ حتى الاستحقاق، الأمر الذى يقلل من فرص التداول النشط فى السوق الثانوى.
وأضاف أن صناديق الاستثمار، التى تعد عادة من أكثر المؤسسات نشاطاً فى التداول، لا تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالى المستثمرين فى سندات الشركات، وهو ما ينعكس على مستويات السيولة بالسوق.
وذكر أن ارتفاع تكاليف التداول على أدوات الدخل الثابت يمثل عاملاً إضافياً يحد من نشاط السوق الثانوى ويقلل من جاذبية التداول المتكرر.
وقال محمد حسن، العضو المنتدب لشركة ألفا لإدارة الاستثمارات المالية، إن انخفاض أحجام التداول لا يعنى ضعف الطلب على سندات الشركات، بل يعكس ثقة المستثمرين فى العوائد التى توفرها هذه الأدوات.
وأوضح أن المستثمر الذى يكتتب فى سندات صادرة عن جهات تتمتع بملاءة مالية قوية وعائد مناسب لا يجد غالباً حافزاً لبيعها قبل الاستحقاق.
وأضاف أن توقعات استمرار دورة خفض أسعار الفائدة تدفع المستثمرين إلى التمسك بالسندات الحالية، أملاً فى الاحتفاظ بعوائد أعلى مقارنة بالإصدارات الجديدة التى قد تُطرح مستقبلاً بمعدلات فائدة أقل.
وأشار إلى أن إصدار السندات لا يعد بالضرورة أقل تكلفة من التمويل البنكى، إذ يتعين على الشركات تقديم عائد أعلى من أدوات الدين الحكومية لتعويض المستثمرين عن المخاطر الإضافية، وهو ما قد يرفع تكلفة التمويل بالنسبة لبعض الشركات.
كما لفت إلى أن أى تراجع فى التصنيف الائتمانى للدولة ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الشركات على إصدار سندات بشروط تنافسية؛ نظراً إلى الارتباط الوثيق بين التصنيف السيادى وتصنيفات الشركات المحلية.
«زهير»: صناع السوق وشفافية التسعير عنصران أساسيان لرفع السيولة
من جانبها، قالت آية زهير، رئيس قسم البحوث بشركة زيلا كابيتال، إن تنشيط السوق الثانوى يتطلب توفير سيولة حقيقية بعد الإصدار، وليس فقط زيادة عدد الطروحات.
وأضافت أن توسيع قاعدة المستثمرين، وتفعيل دور صناع السوق، وتحسين آليات التسعير، وتسهيل إجراءات القيد والتداول والتسوية، تمثل جميعها عناصر ضرورية لبناء سوق أكثر كفاءة.
وأوضحت أن غياب صناع السوق يجعل من الصعب توفير أسعار شراء وبيع مستمرة، وهو ما يحد من قدرة المستثمرين على التخارج فى أى وقت ويؤثر سلباً على جاذبية الاستثمار.
وأكدت أن ارتفاع تكلفة الإصدار يمثل تحدياً إضافياً، خاصة بالنسبة للشركات المتوسطة والإصدارات صغيرة الحجم، التى قد تجد أن تكلفة دخول سوق السندات تفوق العائد المتوقع من الإصدار.







