يدخل قطاع البترول والغاز المصرى مرحلة جديدة من إعادة بناء الثقة مع شركاء الاستثمار الأجانب، بعد نجاح وزارة البترول والثروة المعدنية فى إنهاء ملف المستحقات المتأخرة، الذى ظل لسنوات أحد أبرز العوائق أمام تدفق الاستثمارات وتوسيع أنشطة البحث والاستكشاف.
ويترقب السوق ما إذا كانت هذه الخطوة ستترجم إلى زيادة ملموسة فى معدلات الحفر والإنتاج، فى وقت تتزايد فيه احتياجات السوق المحلية للغاز الطبيعي، وتتواصل الضغوط التى تفرضها تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
ويرى خبراء أن تسوية مستحقات الشركاء لا تمثل مجرد معالجة لالتزامات مالية، وإنما تؤسس لدورة استثمارية جديدة قد تعيد قطاع الغاز المصرى إلى مسار النمو، عبر جذب رؤوس الأموال إلى المناطق الواعدة فى البحر المتوسط والبحر الأحمر والصحراء الغربية، وتسريع تنمية الاكتشافات الجديدة وزيادة الاحتياطيات والإنتاج.
كما تأتى فى توقيت تتجه فيه شركات الطاقة العالمية إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو الأسواق الأكثر استقرارًا والتزامًا بتعهداتها التعاقدية، ما يمنح مصر فرصة لتعزيز تنافسيتها الإقليمية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة فى ظل اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. فبحسب أحدث البيانات الرسمية لعام 2026، يتراوح إنتاج مصر من الغاز الطبيعى بين 4.1 و4.4 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل استهلاك يتراوح بين 6.2 و6.5 مليار قدم مكعب يوميًا، ما يخلق فجوة تُقدَّر بنحو 2 إلى 2.3 مليار قدم مكعب يوميًا، يتم تغطية جزء منها عبر الواردات، وهو ما يجعل زيادة الإنتاج المحلى أولوية قصوى أمام قطاع البترول.

وفى إطار استعادة النشاط الاستثماري، وسعت وزارة البترول من طرح الفرص الاستثمارية، حيث وقعت 27 اتفاقية للبحث عن البترول والغاز المصرى باستثمارات حدها الأدنى 1.4 مليار دولار، إلى جانب طرح أكثر من 70 فرصة استثمارية جديدة، تستهدف حفر أكثر من 100 بئر استكشافية، من بينها 14 بئرًا للغاز الطبيعى فى البحر المتوسط.
كما أعلنت الوزارة عن اكتشاف 75 بئرًا جديدة للنفط والغاز، وتشغيل 383 بئرًا، تتركز بنسبة 65% فى البحر المتوسط، و25% فى الصحراء الغربية، و10% فى خليج السويس.
وتعيد هذه المؤشرات إلى الأذهان مسيرة تطور صناعة الغاز فى مصر، التى بدأت تتسارع منذ اكتشافات خليج السويس ثم دلتا النيل والبحر المتوسط، قبل أن تشهد نقلة نوعية مع سلسلة اكتشافات نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، ثم إنشاء محطتى إسالة الغاز فى إدكو ودمياط، والتحول إلى دولة مصدرة للغاز.
إلا أن تراجع إنتاج بعض الحقول القديمة وارتفاع الطلب المحلى دفعا مصر إلى استيراد الغاز مجددًا اعتبارًا من عام 2014، قبل أن يعيد اكتشاف حقل «ظهر» عام 2015 البلاد إلى الاكتفاء الذاتى لفترة، لتعود تحديات الإنتاج إلى الواجهة مع الانخفاض الطبيعى لمعدلات إنتاج الحقل.
القليوبي: انتظام السداد يعزز كفاءة الحقول ويحد من التراجع الطبيعى للإنتاج
وفى هذا السياق، قال الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة وعضو مجلس إدارة جمعية البترول، إن إنهاء ملف مستحقات الشركاء الأجانب يمثل نقطة تحول تعيد بناء الثقة وتعزز قدرة الشركات على تنفيذ برامج التشغيل والصيانة ورفع كفاءة الأصول الإنتاجية.
وأوضح لـ«البورصة» أن جزءًا كبيرًا من التدفقات المالية التى تحصل عليها الشركات يعاد توجيهه إلى تنمية الحقول وصيانة الآبار، بما يحد من التراجع الطبيعى للإنتاج ويحافظ على استقرار الإمدادات، مؤكدًا أن المستثمر لا ينظر فقط إلى الفرص الجيولوجية، وإنما أيضًا إلى مدى التزام الدولة بتعهداتها المالية والتعاقدية.
راغب: الثقة الجديدة يجب أن تتحول إلى احتياطيات واكتشافات فعلية
من جانبه، قال الدكتور ثروت راغب، أستاذ البترول والطاقة، إن مؤشرات عودة الثقة بدأت تظهر بالفعل من خلال توسع عدد من الشركات العالمية فى أنشطة الحفر، مشيرًا إلى نجاح شركة «أباتشي» فى ربط 5 آبار جديدة بالشبكة القومية للغاز فى الصحراء الغربية مع العمل على إضافة 3 آبار أخرى، إلى جانب تكثيف شركة «دانة غاز» أنشطتها فى منطقة شمال شرق رمضان بخليج السويس، وحفر شركة «عجيبة للبترول» بئرين جديدين فى الصحراء الغربية باستخدام تقنيات حديثة للمسح والاستكشاف.
وأضاف لـ«البورصة» أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تحويل هذه الثقة إلى زيادة فعلية فى الإنتاج والاحتياطيات، عبر جذب شركات تمتلك قدرات مالية وتكنولوجية متقدمة قادرة على تعويض التراجع الطبيعى للحقول.
أبوالعلا: تكرار تجربة “ظهر” يتطلب موجة استثمارات استكشافية واسعة
بدوره، يرى الدكتور رمضان أبوالعلا، أستاذ هندسة البترول وخبير الطاقة، أن تصفير مستحقات الشركاء يمهد الطريق أمام دورة استثمارية جديدة قد تقود إلى اكتشافات تعيد نجاحات العقد الماضي، وفى مقدمتها حقل «ظهر»، الذى اكتشفته شركة «إيني» الإيطالية عام 2015 باحتياطيات تُقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، ودخل الإنتاج فى ديسمبر 2017، ليسهم فى تحقيق الاكتفاء الذاتى ووقف استيراد الغاز وتشغيل محطتى الإسالة.
وأوضح أبوالعلا أن تراجع إنتاج «ظهر» إلى نحو 1.9 مليار قدم مكعب يوميًا خلال النصف الأول من 2024 نتيجة الانخفاض الطبيعي، أعاد الحاجة إلى استيراد شحنات الغاز المسال.
وأكد أن القطاع لا يحتاج بالضرورة إلى اكتشاف منفرد بحجم «ظهر»، بقدر حاجته إلى سلسلة من الاكتشافات المتوسطة والكبيرة التى تضمن استدامة الإنتاج.
وأشار إلى أن مصر تعمل حاليًا على تطوير ثلاثة اكتشافات جديدة هى «بشروش» المتوقع بدء إنتاجه خلال عام 2026، و«ساتيس» المستهدف دخوله الإنتاج فى 2027، و«نرجس» فى 2028.
وأكد أن استمرار انتظام سداد مستحقات الشركاء سيكون العامل الحاسم فى تسريع تطوير هذه المشروعات وتحويل الإنجاز المالى إلى مكاسب إنتاجية مستدامة.








