بعد سنوات من الانتقادات الموجهة إلى ملاك العقارات من وول ستريت، تتخذ الحكومة الفيدرالية في أميركا أول خطوة للحد من ملكية كبار المستثمرين للمنازل المخصصة لعائلة واحدة.
ويحظر قانون جديد يهدف إلى تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن على أكبر المستثمرين المؤسسيين شراء المزيد من المنازل.
وأُضيف هذا البند إلى قانون «الطريق إلى الإسكان في القرن الحادي والعشرين» بعدما وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً لـ«منع وول ستريت من منافسة المشترين من عامة الأميركيين».
وأشاد مشرعون من الحزبين بالقيود المفروضة على كبار المستثمرين، مثل شركات الأسهم الخاصة.
لكن هؤلاء المستثمرين لا يملكون سوى 0.66% من إجمالي المنازل المخصصة لعائلة واحدة في الولايات المتحدة، ما يجعل من غير المرجح أن يؤدي الإجراء إلى خفض ملموس في أسعار المساكن.
وفي الواقع، فإن معظم ملاك العقارات هم مستثمرون صغار، من الأفراد والعائلات، ولا يشملهم القانون، وفقاً لشركة كوتاليتي لبيانات العقارات.
ولا يمتلك المستثمرون المؤسسيون الكبار سوى عدد محدود، أو لا يمتلكون أي منازل مخصصة لعائلة واحدة، في معظم أنحاء الولايات المتحدة.
وتتركز ملكيتهم في عدد محدود من المناطق الحضرية في ولايات «حزام الشمس».
وحتى في أتلانتا، التي تسجل أعلى نسبة تركّز لهؤلاء المستثمرين في البلاد، فإنهم لا يملكون سوى نحو 4% من إجمالي هذا النوع من المساكن.
وهذا يعني أن القيود الجديدة ستؤثر على الأرجح في عدد محدود من الأحياء التي يتمتع فيها المستثمرون المؤسسيون بحضور كبير.
وقال مايكل سايلر، أستاذ العقارات والتمويل في جامعة ويليام آند ماري: «من المرجح أن يكون تأثير هذا البند محدوداً.
فقد يمنح بعض المشترين الراغبين في السكن فرصة أفضل في أسواق معينة، لكنه لن يتغلب على ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري، ونقص المعروض، وقيود تقسيم المناطق، وارتفاع تكاليف البناء».
تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن
ويهدف القانون، الذي حظي بدعم الحزبين، في المقام الأول إلى تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن من خلال زيادة المعروض من المنازل، بما في ذلك تشجيع الحكومات المحلية على تخفيف قيود التصاريح وتقسيم المناطق التي تؤخر عمليات البناء.
ومع ذلك، امتنع ترامب عن توقيع مشروع القانون بعد إقراره في الكونغرس، ووصفه بأنه «أمر لا يثير الاهتمام». لكن من دون استخدام حق النقض (الفيتو)، دخل القانون حيز التنفيذ تلقائياً يوم السبت.
كبار المستثمرين يطرحون منازل للبيع
أصبح المستثمرون المؤسسيون نقطة اشتعال في نقاش القدرة على تحمل تكاليف السكن بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل كبير خلال فترة الجائحة.
لكن اندفاعهم نحو سوق المنازل المخصصة لعائلة واحدة بدأ قبل أكثر من عقد من الزمان، في أعقاب الأزمة المالية عام 2008.
ومع موجة حبس الرهن العقاري التي أغرقت السوق، اشترت شركات مثل بلاكستون آلاف المنازل بأسعار منخفضة ثم حولتها إلى وحدات للإيجار.
وعندما هبطت معدلات الرهن العقاري إلى مستويات قياسية خلال الجائحة، عاد هؤلاء المستثمرون لتسريع وتيرة مشترياتهم.
ويعاني سوق الإسكان الأميركي نقصاً يقدر بالملايين من المنازل، لذلك فإن أي منافسة إضافية على شراء المنازل قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وفي مدن مثل أتلانتا، قال وكلاء عقاريون لشبكة سي إن إن «إن المستثمرين الكبار كانوا يقدمون عروض شراء نقدية بالكامل، وهو ما عجزت كثير من الأسر عن مجاراته».
ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات
وخلص تقرير صادر عن مكتب محاسبة الحكومة الأميركية عام 2024 إلى أن المستثمرين المؤسسيين ربما أسهموا في ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات بعد الأزمة المالية، لكنه أقر بصعوبة إثبات ذلك بشكل قاطع، في المقابل، يرى مؤيدو العقارات المملوكة للمستثمرين أنها تتيح للمستأجرين الذين لا يستطيعون شراء منزل فرصة السكن في أحياء مخصصة للمنازل العائلية.
وبموجب القانون الجديد، يُمنع المستثمرون الذين يمتلكون حالياً 350 منزلاً أو أكثر من شراء منازل إضافية، لكنهم غير ملزمين ببيع ما يمتلكونه حتى لو تجاوز هذا العدد.
ومع ذلك، كان كثير من كبار المستثمرين قد بدأوا بالفعل في تقليص مشترياتهم وزيادة مبيعاتهم من المخزون العقاري.
ووفقاً لتقرير صادر عن ريلتور كوم في يونيو، تراجعت مشتريات المستثمرين الذين يمتلكون 350 منزلاً أو أكثر بنحو 70% هذا العام مقارنة بذروتها في عام 2021.
كما تعرض أكبر شركات تأجير المنازل، مثل ترايكون المملوكة لـبلاكستون وغيرها من الشركات المدعومة من صناديق الأسهم الخاصة، مئات المنازل للبيع في المدن الكبرى، وهو عدد يفوق ما تشتريه، بحسب شركة باركل لابس لبيانات العقارات.
مدن حزام الشمس الأكثر تأثراً
من المرجح أن تكون مدن «حزام الشمس» الأكثر تأثراً بالقيود الجديدة مقارنة ببقية الولايات المتحدة.
ففي بعض مناطق أتلانتا، يمتلك كبار المستثمرين نحو منزل واحد من كل سبعة منازل مخصصة لعائلة واحدة، وفقاً لبيانات باركل لابس.
وقال متخصصون في العقارات في أتلانتا لشبكة سي إن إن «إن المشترين واجهوا بعد الجائحة منافسة شرسة من الشركات التي كانت تقدم عروضاً نقدية بالكامل.
لكن مع طرح مئات تلك المنازل للبيع حالياً، لا يشهد السوق إقبالاً من المشترين».
وقالت داريل فيرويذر، كبيرة الاقتصاديين في ريدفين، لشبكة سي إن إن قبل إقرار القانون: «السبب في تراجع حصة المشترين لأول مرة من سوق المنازل ليس كبار المستثمرين، بل لأن امتلاك منزل أصبح باهظ التكلفة إلى حد كبير».
وساعدت جولي سانت جورج، وهي وكيلة عقارية في منطقة أتلانتا، مستثمراً صغيراً مؤخراً في شراء منزل من أحد كبار المستثمرين المؤسسيين.
وقالت إن العقار ظل معروضاً للبيع لأسابيع، ولم تقم الشركة المالكة بتجهيزه للعرض، كما كان يحتاج إلى بعض أعمال التجميل، ما جعله أقل جاذبية للمشترين لأول مرة، ومنح موكلها فرصة للتفاوض وخفض السعر بآلاف الدولارات.
وأضافت أن المشترين لأول مرة، في ظل استمرار معدلات الرهن العقاري فوق 6% وبقاء أسعار المنازل قرب مستوياتها القياسية، أصبحوا مترددين في شراء المنازل التي رممها كبار المستثمرين بتكاليف منخفضة.
وقالت: «المشترون لأول مرة يدفعون حالياً مبالغ طائلة، ولذلك يريدون أن يكون المنزل مثالياً».







