تعتبر سنغافورة، واحدة من التجارب الملهمة اقتصادياً والتي يجب أن تحتذي بها الدول، إذ نجحت من التحول من جزيرة ذات موارد محدودة إلى واحدة من أغنى العواصم المالية وأكثرها تقدماً في العالم خلال جيل واحد فقط، طبقا لتقارير وتحليلات أجنبية اطلعت عليها “البورصة”.
استلهمت سنغافورة مسيرتها المستقلة 1965 باقتصاد متواضع، إذ أظهرت بيانات دائرة الإحصاء، أن ناتجها المحلي الاسمي قُدّر بنحو 1.01 مليار دولار أمريكي وقتها، ثم قفزت ليرتفع إلى 659.5 مليار دولار أمريكي، مستنداً إلى نمو ربع سنوي بلغ 4.6% مطلع العام الحالي.
وأظهرت مؤشرات صادرة عن البنك الدولي، أن الاقتصاد سجل قفزة في معدل النمو الحقيقي بلغت 7.3% مستفيداً من مرونة التجارة ومينائها الاستراتيجي بعد ركود 1964، إلا أن نصيب الفرد السنوي من الناتج المحلي ظل بين 512 و535 دولاراً أمريكياً.
وذكرت التقارير أن متوسط نصيب الفرد من الناتج الإجمالي تجاوز حاجز 107,750 دولاراً أمريكياً العام الحالي، محتلاً المرتبة الثامنة عالمياً، ليتجاوز الدخل السنوي للمواطن السنغافوري اليوم 200 ضعف عام 1965.
وعلى جبهة التشغيل، كشفت البيانات أن الدولة واجهت مأزقاً هيكلياً مع تفشي البطالة بمعدلات تراوحت بين 9% و14%، مدفوعة بافتقار البلاد لصناعات محلية قادرة على استيعاب الانفجار السكاني.
ثم تحولت ستغافورة، إلى أحد أكثر أسواق العمل جاذبية للمواهب عالمياً، إذ كشفت أحدث تقارير وزارة القوى العاملة السنغافورية أن معدل البطالة استقر عند 2%، وهو ما يمثل حالة “عمالة كاملة”.
وأظهرت البيانات الصادرة عن اتحاد نقابات العمال الوطني أن السوق يشهد شحاً في المعروض العمالي مدفوعاً بطلب قوي على وظائف التكنولوجيا المتقدمة، وتحول كامل للسكان من العشوائيات إلى المجمعات السكنية المنظمة.
وفي سياق متصل، ذكر الموقع الحكومي للتوعية الوطنية السنغافورية ضمن استعراضه للتحديات الاجتماعية الخانقة وقتها، أن نحو 70% من السكان كانوا يعيشون في أحياء عشوائية خلال الاستقلال، ما فرض تحديات على خطط التوظيف والإسكان الأولى.
وفي المقابل، وعلى عكس أزمات الفقر والبطالة، سجلت سنغافورة حاليًا استقراراً نقدياً، إذ أظهرت قاعدة بيانات التضخم التاريخية أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين استقر بين 0.17% و0.77%.
وحافظت الدولة على فلسفتها في كبح جماح الأسعار، وأظهرت البيانات المشتركة لوزارة التجارة والصناعة وسلطة النقد السنغافورية، أن معدل التضخم الأساسي السنوي استقر عند مستويات بلغت 1.2%.
وذكرت التقارير البحثية لسلطة النقد أنها تدير حالياً استقرار الأسعار عبر آلية فريدة تركز على التحكم في “سعر الصرف الفعلي المرجح للتجارة” بدلاً من الفائدة التقليدية، مما يسمح للدولار السنغافوري بالتحرك صعوداً لحماية الأسواق المحلية من تقلبات الطاقة والغذاء العالمية.
وذكرت وثائق الأرشيف الوطني ومجلس المكتبات الوطنية في سنغافورة أن هذا الأداء جاء مدفوعاً بعدم إصدار عملة مستقلة بعد الاستقلال واعتمادها على “دولار ماليزيا وبورنيو البريطانية” المدار عبر مجلس نقد مشترك يربط العملة باحتياطيات أجنبية وغطاء من الجنيه الإسترليني.
وتابعت سلطة النقد السنغافورية في دراسة بحثية لها، أن هذا النظام وفّر “مرساة اسمية” حمت الاقتصاد من التضخم المستورد في سنوات الاستقلال الأولى، قبل أن تضطر الجزيرة لإصدار الدولار السنغافوري في يونيو 1967.
ومع ذلك، فإن المؤشرات الاقتصادية المتواضعة لم تمنع النمو، بل تفوقت على الصعوبات الاقتصادية لتصبح واحدة من أكبر اقتصادات العالم.
واعتمدت سنغافورة على عدد من الركائز في مسار التنمية الخاصة بها، إذ استعرضت عدد من المراجع الأكاديمية والبحثية، وورقة صادرة عن الأمم المتحدة، استراتيجيات الإصلاحات والنمز ودورها في بناء جدار النزاهة الحكومية والتنمية، بالإضافة إلى دراسة منشورة في مجلة كامبريدج للاقتصاد الإطار التاريخي لحركة العولمة والتدفقات المالية.
كما اتكأ الموضوع على طرح لتفسير التحول السياسي وتخفيف رقابة الدولة مع بزوغ نجم “رأس المال المحلي” في الثمانينيات، بالتكامل مع فصل في كتاب “حول ملكية الدولة”، والذي فكك أبعاد نجاح نموذج “رأسمالية الدولة”.
وأخيراً، تم رصد تطور شبكات الأمان الاجتماعي وتقييم السياسات الإنسانية من خلال دراسة منشورة في مجلة السياسة الاجتماعية والإدارة.
تفكيك النموذج: رأس مال حر بآليات سيادية
كشفت التحليلات الاقتصادية أن التجربة السنغافورية لم تكن وليدة الصدفة، بل قامت على هندسة هيكلية اتسمت بالتكامل بين آليات السوق الفاعلة والدور التوجيهي للدولة، ضمن إطار من الاستقلالية المؤسسية التي حصنت القرار الاقتصادي من تقلبات المصالح الضيقة.
وقد ارتكز هذا النموذج على تكريس الرأسمالية عبر تحرير الأسعار والأجور من التدخلات المباشرة وربطها بديناميكيات السوق، مما أدى إلى كفاءة أعلى في تخصيص الموارد وضمان تدفق السيولة النقدية كركيزة للتبادل، في حين ظلت الدولة حاضرة كفاعل استراتيجي يمتلك زمام المبادرة عبر تخصيص رؤوس الأموال الحيوية، وتشكيل كيانات احتكارية مقننة تقود القطاعات الإنتاجية، مع الحفاظ على قدرة حاسمة في التأثير على هيكل الأجور لخدمة الأهداف التنموية الوطنية.
وتعزز هذا المسار بفضل استقلالية القرار السياسي والاقتصادي، إذ لم ترتهن الدولة لضغوط القوى المجتمعية أو مراكز النفوذ، ما مكنها من المضي قدماً في إصلاحات هيكلية جريئة وطويلة الأمد دون معوقات سياسية أو عرقلة من جماعات الضغط.
وقد أظهر هذا النموذج قدرة فائقة على التكيف مع التحولات العالمية؛ إذ تجاوز حالة الجمود الهيكلي عبر سلسلة من المراجعات التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، وتطورت بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين، واضطرت الدولة إلى إعادة صياغة أدواتها التنموية لدمج نطاق أوسع من المشاركة المجتمعية في عملية صنع القرار الاقتصادي، وهو ما يجسد التحول نحو نموذج أكثر مرونة يستجيب لمتطلبات الاقتصاد العالمي المتغير وضرورات الاستقرار الاجتماعي.
المرحلة الأولى (1965 – 1984): بداية نموذج الإصلاح الاقتصادي
أوضحت البيانات للفترة ما بين استقلال سنغافورة عام 1965 وحتى منتصف الثمانينيات، كيف هيمن حزب العمل الشعبي المشهد الاقتصادي بالكامل؟.
وفي هذا السياق، غابت إعانات البطالة الحكومية تماماً؛ وفسرت الدولة هذا التوجه بأن كسب العيش يقع عاتقه كمسؤولية فردية على المواطن، أو على أسرته في حال تعذره، بينما يقتصر دور الدولة على تنمية الاقتصاد الكلي للحد الذي يسهل فيه الحصول على وظيفة.
وذكرت البيانات أن الحزب تبنى ثلاث ركائز أساسية، الأولى تكمن في ربط النمو الاقتصادي بالبقاء الوطني، كون سنغافورة جزيرة متناهية الصغر محاطة بجيران أكبر حجماً بكثير.
والثانية تتضمن الانفتاح العالمي الحتمي نظراً لضيق السوق المحلي بعد الانفصال عن ماليزيا وانعدام الموارد الطبيعية، مما جعل التدفق الرأسمالي الأجنبي والتصدير خياراً وحيداً.
والأخيرة هي الحاجة إلى المرونة والسرعة لتمكين الدولة من اتخاذ قرارات حاسمة وفورية لمواكبة تقلبات الاقتصاد العالمي دون الدخول في نقاشات برلمانية مطولة.
وبناءً على هذه المبررات، تحركت الدولة لاحتواء مجموعات المصالح؛ حيث أظهرت البيانات قانون العلاقات الصناعية المعدل لعام 1968 لترشيد علاقة العمل بهدف جذب الاستثمارات.
وفسرت هذا القانون بأنه صِيغ ليكون صديقاً لأصحاب العمل، مع تجريد النقابات العمالية من سلطة التفاوض بشأن الترقيات، التوظيف، أو الفصل، وحظر العمل الاحتجاجي إلا بموافقة الأمين العام للمؤتمر الوطني لنقابات العمال الحليف للحكومة، مما أدى عملياً إلى غياب الإضرابات العمالية إلا في حالتين فقط طوال عقود.
وعلى الصعيد التنفيذي، كشفت البيانات أن الخطة الاقتصادية للدولة قامت على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتصنيع الموجه للتصدير؛ إذ تولى مجلس التنمية الاقتصادية تقديم إعفاءات ضريبية وضمانات أمنية للشركات الغربية متعددة الجنسيات الهاربة من اضطرابات النقابات في بلدانها.
وأكدت البيانات أن الدولة هي التي تولت تعبئة الرساميل بدلاً من القطاع الخاص، مستندة إلى صندوق الادخار المركزي، وهو نظام ادخار إجباري ومحتجز من أجور الموظفين لا يتم صرفه إلا عند التقاعد، مما وفر للدولة سيولة لتمويل البنية التحتية.
وأشارت البيانات الرسمية إلى أن سنغافورة واجهت احتمالات الفساد الناجمة عن تراكم هذه الأموال بالتزام صارم من أعلى المستويات السياسية بنزاهة الحكم وقيم الجدارة؛ حيث فتحت تحقيقات علنية مع قيادات بارزة في الحزب الحاكم، شملت وزراء ونواباً.
كما أقرت الدولة رواتب مجزية لموظفي الخدمة المدنية لحمايتهم من الإغراءات، مما رفع بالتبعية الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص لمواكبة القطاع العام وجعلها تتماشى مع النمو الاقتصادي دون حاجة لتشريع حد أدنى قانوني للأجور.
ووجهت هذه الرساميل بالكامل نحو “رأسمالية الدولة”؛ فأنشأت الحكومة احتكارات لإدارة المرافق، الاتصالات، الموانئ، والمطارات عبر مجالس حكومية مستقلة أُجبرت قانونياً على تحقيق الأرباح أو الاكتفاء بالتمويل الذاتي، كما هو الحال في مجلس المرافق العامة.
ونتيجة لهذه الكفاءة الهيكلية، قفز الناتج المحلي للفرد في سنغافورة خلال هذه الفترة من 500 دولار إلى 7,200 دولار أمريكي في غضون عشرين عاماً.
المرحلة الثانية (1984 – 2000): صدمة الركود والتنويع الهيكلي
سجلت البيانات الاقتصادية منعطفاً حرجاً عام 1984 عندما تعرضت سنغافورة لأول ركود اقتصادي منذ الاستقلال، ودفعت هذه الصدمة مخططي الدولة لتشكيل لجنة اقتصادية لدراسة الاختلالات الهيكلية.
وحددت اللجنة المشكلة مشكلة رئيسية تكمن في الاعتماد المفرط للاقتصاد على الاستثمارات الأجنبية المعزولة عن النسيج التجاري المحلي، واقترحت ركيزتين للعلاج، وهي تعزيز قطاع الخدمات المتقدم وتوطين سلاسل التوريد، ومنح القطاع الخاص والشركات المحلية دوراً أكبر في صياغة السياسات.
وتبعاً لذلك، ظهرت كيانات تمثيلية مثل جمعية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عام 1986، ودعمت الدولة هذا التحول عبر ضخ اعتمادات مالية لدعم وتدويل الشركات المحلية.
كما أطلقت الحكومة برنامجاً لخصخصة الكيانات الكبرى مثل تحويل قطاع الاتصالات لشركة “سينجتيل” عام 1992 ودخول منافسين مثل، الأمر الذي مهد الطريق لمنافسة أوسع.
ورافق هذه الإصلاحات الداخلية مناخ عالمي مواتٍ في التسعينيات تميز بتكامل الأسواق المالية وانفتاح الصين وانخفاض التضخم، مما أسهم في دفع عجلة النمو ليتعافى نصيب الفرد من الناتج المحلي بصورة أكبر.
المشهد المعاصر: قراءة في حدود النمو
أوضحت البيانات التحليلية الحديثة أنه رغم نجاح النموذج القديم في تحويل سنغافورة إلى دولة بالغة الثراء في جيل واحد، إلا أن العقود الثلاثة الماضية شهدت تصاعداً في الأصوات النقدية التي تفكك أبعاد هذا النمو.
وشمل التصاعد طبيعة النمو واستدامته، إذ جادل اقتصاديون، بأن نمو سنغافورة يعود لحشد وتراكم عوامل الإنتاج كرأس المال والعمالة المستوردة وليس إلى نمو الحجم الحقيقي للإنتاجية، مما يجعله نموذجاً غير مستدام.
ورغم رد الحكومة علناً بوصف الحجة بالتبسيطية، إلا أن البيانات أشارت إلى اعتراف رسمي ضمني بوجود أزمة إنتاجية تعود جذورها إلى دراسات مبكرة عام 1982.
بالإضافة إلى كفاءة الإنفاق الاستثماري، حيث واجهت سياسة الدولة في “الاستهداف الصناعي” وتوجيه الرساميل الضخمة لقطاعات محددة كالتكنولوجيا الحيوية اتهامات بعدم تحقيق عوائد كافية.
وانتقاد الاعتماد على العمالة الوافدة وعدم المساواة، إذ برزت قضية الاعتماد المفرط على استيراد العمالة الرخيصة كأزمة سياسية واجتماعية كبرى في انتخابات عام 2011؛ حيث بينت التحليلات أن هذا التوجه أدى إلى كبح أجور الفئات الدنيا وتوسيع فجوة التفاوت الطبقي.
واختتمت البيانات بالإشارة إلى تصاعد مطالبات خبراء الاقتصاد المحليين بضرورة مراجعة المرتكزات الاستبدادية القديمة، وإعطاء صوت للفئات الهامشية التي أُقصيت من مسار صياغة القرار الاقتصادي؛ حيث يرى هذا التيار النقدي أن النمو لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل وسيلة لرفع مستوى معيشة المجتمع بكافة شرائحه، مما يفتح الباب لجدل مستمر حول الهوية الجديدة لرحلة سنغافورة الاقتصادية المقبلة.








