تفترض النظرية الاقتصادية التقليدية أن الندرة تنطبق على الموارد المادية مثل النفط أو الذهب، إلا أن العصر الرقمي أبرز تحولاً في تطبيق الندرة؛ حيث انتقلت الندرة إلى الموارد المعرفية، فالمعلومات -والتي تمثل جانب العرض- أصبحت وفيرة بحجم ضخم، بينما الانتباه البشري -والذي يمثل جانب الطلب- محدودٌ ومقدار الوقت المتاح في اليوم ثابت، وهو ما خلق من الانتباه أصلاً اقتصادياً قيماً تسعى الشركات للاستحواذ عليه، وأيضاً حول الإنسان من مستهلك إلى سلعة تتنافس عليها الشركات.
في عام 1971 حذر الاقتصادي الأمريكي هربرت سيمون، الحائز على جائزة نوبل، من أن وفرة المعلومات ستخلق فقراً في الانتباه، وفي عام 1997 تنبأ مايكل جولدهابر في مقاله المنشور بمجلة Wired بأن الانتباه سيصبح العملة الجديدة للعصر الرقمي، وهي النبوءة التي تحققت ونعيشها اليوم.
وتعمل المنصات بخوارزميات تقدم خدمات مجانية مثل الفيديوهات والصور والأخبار وغيرها مقابل انتباهك؛ ففي كل تمريرة وتوقف وإعجاب وتعليق يقوم به المستخدم، تتعرف الخوارزمية على سلوك المستخدم واهتماماته وأخلاقه ووظيفته وعمره وغيرها من المعلومات التي تعمل على تحليلها وخلق نموذج مشابه لها قادر على التنبؤ برد فعله وسلوكه المستقبلي، وهو ما يمكنها من جذب انتباه المستخدم ثم تبيع هذا الانتباه إلى المعلنين بمليارات الدولارات؛ حيث تجاوزت قيمة الإعلانات الرقمية عام 2025 سبعمائة مليار دولار من إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي البالغ أكثر من تريليون دولار، بما يشكل نسبة 73% من إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: السيطرة الرقمية مفتاح النمو في القرن الـ21
هذا التحول الاقتصادي الذي خلق أسواقاً رقمية جديدة، حوّل الفرد وانتباهه من مستهلك إلى سلعة، وأعاد تعريف عناصر ومكونات الاقتصاد، يثير الكثير من الأسئلة الفلسفية والمتعلقة بالحريات؛ خاصة حرية الإرادة والحريات السياسية والاجتماعية، ففي ظل عمل تلك الخوارزميات هل ما زال الفرد يمتلك إرادة حرة؟ وما مدى تأثير تلك الخوارزميات على النظم السياسية وكيفية انتخابها؟ وهل أصبح المزاج العام للأفراد والتحكم في سلوكهم رهينة التفوق التكنولوجي؟.
وإذا كان التفوق التكنولوجي للشركات هو الحاكم والمسيطر على الأفراد وسلوكهم، فهل هذا يعني انتهاء السيطرة الأمنية للنظم السياسية والتحول للسيطرة الرقمية؟ وكيف يمكن تحقيق السيادة الرقمية للدول إذا ما كانت تفتقر للتكنولوجيا اللازمة؟ كما أنه إذا كانت تكلفة الفرصة البديلة في النظرية الاقتصادية تمثل قيمة البديل الضائع عند اتخاذ قرار معين، ففي اقتصاد الانتباه تتمثل تكلفة الفرصة البديلة في الأنشطة الأخرى التي كان يمكن للمستخدم القيام بها مثل العمل، أو التفاعل الاجتماعي الحقيقي وليس الافتراضي، أو القراءة أو ممارسة الرياضة وغيرها.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: مصر وتداعيات الحرب على إيران
الآن ونحن نحصد نتائج اقتصاد الانتباه والتي بدأت تظهر في تراجع القدرة على التركيز، والقلق العام المتصاعد، وأجيال تنشأ وسط تشتت دائم وبمعدلات ذكاء تقل ولأول مرة عن الأجيال السابقة، كل ذلك يفرض علينا -ليس كمجتمع ودولة ولكن كمجتمع عالمي- العمل على فرض قوانين للحد من تصميم المنصات الإدماني ومكافحة الإدمان الرقمي، وهو ما قامت به العديد من الدول مثل أستراليا التي حظرت استخدام المنصات لمن هم دون الـ 16 عاماً، كما عمدت دول الاتحاد الأوروبي لفرض تشريعات مماثلة، وأيضاً تركيا والإمارات العربية المتحدة.
وفي مصر، هناك مشروع قانون لتنظيم حقوق الطفل في الفضاء الرقمي، تلك التشريعات لا تمثل تياراً رجعياً أو مكافحاً للتقدم التكنولوجي، ولا تمثل أيضاً معركة ضد الشركات التكنولوجية، وإنما هي تقنين ورقابة لنماذج الأعمال التي قد تتسبب في انتهاك الإنسانية، والتي تحد من القدرة على التفكير والشعور والتواصل الحقيقي.
كما أن دور الدول لا يجب أن يتوقف عند فرض تشريعات ورقابة، وإنما يجب العمل على خلق النماذج التكنولوجية الوطنية؛ فنحن وإذ نشاهد مخاض ميلاد العالم الجديد، لن يكون فيه سيادة لأي دولة لا تملك سيادة رقمية، ونماذج تكنولوجية متفوقة ومنافسة عالمياً.







