يتساءل المواطن في مصر عن أسباب تضرره اقتصادياً عند كل أزمة دولية لا تربطه بها أية علاقة مباشرة، بالإضافة إلى السؤال المتكرر منذ الثمانينيات وحتى الآن، متى يخرج الاقتصاد من عنق الزجاجة؟.
والإجابة عن هذا السؤال لها محوران، الأول يتعلق بالنظام العالمي الجديد فيما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي اعتمد على تشابك اقتصادات الدول ودمجها في منظومة عالمية تعمل على توزيع أية مخاطر أو أضرار على كافة دول العالم، والثاني يتعلق بقدرات وإمكانيات كل دولة، والتي بموجبها يتحدد نصيبها من المخاطر والأضرار.
تعتمد مصر على مصادر دخل محدودة؛ سواء محلياً وهي الضرائب بواقع 4 تريليونات جنيه (75 مليار دولار تقريباً)، أو مصادر دولارية من تحويلات العاملين بالخارج -والتي يتصدرها العاملون بدول الخليج- بنسبة أكثر من 60% من إجمالي التحويلات، إلى جانب إيرادات قناة السويس، والصادرات، والسياحة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، والتي لم تتجاوز مجتمعة 170 مليار دولار سنوياً، فضلاً عن أن إجمالي الناتج المحلي يُقدر بـ 400 مليار دولار تقريباً.
وإذا ما وضعنا إلى جانب تلك الأرقام حجم ما تستورده مصر من طاقة (نفط ومشتقاته وغاز)، وهي أساس ومحرك المجتمعات والتنمية، إلى جانب ما تستورده مصر من غذاء ومواد خام لازمة للإنتاج، مقابل ما تصدره –على الرغم من تقليص عجز الميزان التجاري بنسبة 9% تقريباً منذ سنوات– إلا أن حجم الصادرات المصرية بقيمة 40 مليار دولار ما زال أقل بكثير من الاقتصادات المماثلة والتي تتجاوز صادراتها مائتي وثلاثمائة مليار دولار.
بداية التعافي قبل الأزمة
خلال الثمانية أشهر الماضية كان الاقتصاد المصري قد بدأ في التعافي من سلسلة الأزمات المتلاحقة؛ بدءاً من كلفة التغييرات السياسية التي بدأت مطلع 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب، ثم جائحة كورونا، والتي تلتها أزمة سلاسل الإمداد، والحرب الأوكرانية، ختاماً بحرب غزة.
وبدأ الجنيه المصري في التحسن مقابل الدولار مع اتباع البنك المركزي لسياسات نقدية مرنة، فانخفضت الفائدة خلال عام 2025 بمقدار 7.25%، كما تراجع التضخم الأساسي من 27% في 2024 إلى 12% عام 2025، مع استقرار نسبي في الأسواق، ونمو ملحوظ في قطاع السياحة وإيرادات قناة السويس، واستثمارات أجنبية مباشرة غير مسبوقة بفضل صفقة رأس الحكمة.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: مستقبل قطاع الأعمال العام في مصر
ثم بدأت الحرب الإيرانية والتصعيد العسكري في المنطقة، ليختبر الاقتصاد المصري أزمة جديدة؛ يرتفع معها سعر الطاقة، وتنخفض معها الصادرات، وتنكمش إيرادات قناة السويس والسياحة، ويرتفع الدولار مرة أخرى، كنتيجة لتداعيات التصعيد العسكري القائم والتي انعكست على سلاسل توريد النفط والغاز، خاصة مع الاعتداءات المتكررة على مصافي النفط وآبار الغاز ومنشآت الطاقة، والتي تعمق من تأثير الأزمة لتخلق أزمة إنتاج بعد أن كانت مقتصرة في بداية الحرب على سلاسل التوريد فقط.
وأدى ذلك إلى رفع سعر برميل البترول من 72 دولاراً تقريباً ليتجاوز 100 دولار، كما ارتفع سعر الغاز بشكل أعنف يقدر بنسبة 60% تقريباً وبمتوسط 30%، لتشكل الأزمة الراهنة أكبر أزمة طاقة قد تتجاوز أزمتي 1973 و1979، والأخيرة التي كانت للمفارقة بسبب الثورة الإيرانية التي أنتجت النظام الإيراني الراهن.
متطلبات خروج مصر من عنق الزجاجة
إن الخروج من عنق الزجاجة والدائرة المفرغة للأزمات يقتضي إعداد برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي -خاصة مع انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد الدولي العام الجاري- يقوم على عدة أهداف هي: القضاء على الفقر، مضاعفة الإنتاجية، تخفيض الدين، وتحقيق صادرات بقيمة مائتي مليار دولار.
ويعمل البرنامج على عدة محاور هي: إعادة هيكلة هيئة الاستثمار ومنظومة الاستثمار في مصر (بما يُمكن أي فرد محلي أو أجنبي من الانضمام لمنظومة الاستثمار والتجارة في مصر بسهولة ويسر)، تخفيض الضرائب ومنح إعفاءات للمشروعات والشركات الجديدة (بما يعمل على دمج الاقتصاد غير الرسمي وجذب الاستثمارات)، التخارج الحكومي وإعادة هيكلة الاستثمارات الحكومية وتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة (وهو ما تعمل عليه الحكومة الحالية)، وتسريع برامج إحلال الطاقة المتجددة التي تساهم حالياً بنسبة 22% تقريباً من إجمالي الطاقة المولدة في مصر.








