على مدى السنوات القليلة الماضية، لجأت دول غربية كانت في السابق متحفظة على امتلاك حصص في شركاتها الوطنية أو الاستثمار فيها، إلى تبني أداة ارتبطت تقليدياً بالدول الغنية بالنفط وبالاقتصادات المعتمدة على التصدير، ألا وهي صناديق الثروة السيادية.
فقد أعلنت كل من كندا وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا أخيراً إطلاق صناديق استثمارية جديدة تستهدف تعزيز التصنيع المحلي، وتسريع التقدم في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، على أمل توظيف العوائد المحققة بما يعود بالنفع على مواطنيها.
فكرة صندوق الثروة السيادي تشق طريقها إلى أمريكا
اللافت أن هذه الصناديق تحظى بتأييد واسع، حتى في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي. وقال آشبي مونك، المدير التنفيذي لمبادرة ستانفورد للأبحاث حول الاستثمار طويل الأجل: “هذه الأداة باتت حاضرة في كل مكان، وتجمع بين التيارات اليسارية واليمينية”، مضيفاً “دور الدولة لم يعد يقتصر على التنظيم والاقتراض والانفاق، بل أصبحت أيضاً مالكاً ومستثمراً وموجّهاً لتخصيص رؤوس الأموال”.
الولايات المتحدة أحدث الدول التي تتجه نحو فكرة إنشاء صندوق ثروة سيادي، لكنها، كعادتها، لم تحسم بعد ملامح المشروع.
ففي فبراير 2025، أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يدعو إلى إنشاء صندوق ثروة سيادي “لتعظيم إدارة ثروتنا الوطنية بما يحقق المنفعة الحصرية للمواطنين الأميركيين”. إلا أن الأمر خلا من تفاصيل أساسية، أبرزها الجهة التي ستتولى إدارة الصندوق، والأهم مصدر التمويل.
ومنذ ذلك الحين، ضخت الحكومة استثمارات في شركات تصنيع الرقائق، ومشروعات المعادن النادرة، وشركات الحوسبة الكمية، لكن هياكل هذه الصفقات كانت تفتقر إلى كثير من الاتساق.
ترافقت محاولات تحويل هذه الاستثمارات المتفرقة إلى نواة لصندوق ثروة سيادي مع مقترحات بدت بعيدة عن الواقعية لتمويله، مثل استخدام عائدات بيع عمليات “تيك توك” في الولايات المتحدة من شركتها الأم الصينية “بايت دانس”، أو توظيف إيرادات الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب. غير أن أياً من هذين المقترحين لم يتحقق.
هل تصبح الحكومة شريكاً في شركات الذكاء الاصطناعي؟
يحظى أحد المقترحات الأحدث وأكثرها إثارة للاهتمام، بدعم ليس فقط من الإدارة الأمريكية، بل أيضاً من أحد أبرز منتقديها، السيناتور بيرني ساندرز عن ولاية فيرمونت، ويقوم على إنشاء صندوق يستند إلى حصص ملكية في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة ذات النمو السريع، مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”.
يبدو من المنطقي أن يستفيد جميع الأمريكيين من طفرة الذكاء الاصطناعي، لا أن تنحصر مكاسبها في نخبة التكنولوجيا. حتى أن شركات الذكاء الاصطناعي نفسها تبدو منفتحة على هذا الطرح.
فقد اقترح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، منح الحكومة الأمريكية حصة قدرها 5% في شركته، بحسب صحيفة “فاينانشال تايمز”، معتبراً أن ذلك سيتيح للمواطنين الأميركيين المشاركة في المكاسب، ويوفر لهم في الوقت نفسه، نوعاً من الحماية في مواجهة التداعيات المحتملة لثورة الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
صندوق الاستثمارات العامة السعودي… نموذج يلفت أنظار أمريكا
يعود تصاعد الاهتمام بصناديق الثروة السيادية إلى عدة عوامل. فقد تمكن كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي تتجاوز أصوله 900 مليار دولار، و”تيماسيك هولدينغز” السنغافورية، التي تدير أصولاً تزيد على 500 مليار دولار، من تحقيق عوائد قوية منذ تأسيسهما، إلى جانب مساهمتهما في وتعزيز التنمية الاقتصادية، وربما أيضاً في تنويع اقتصادَي بلديهما.
يمكن أن تتيح صناديق الثروة السيادية أيضاً وسيلة عادلة لتعويض دافعي الضرائب عندما تضطر الحكومات إلى إنقاذ شركات مهمة خلال الأزمات، كما حدث مع البنوك الأميركية التي اعتُبرت “أكبر من أن تُترك لتخفق” خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، أو عندما تتدخل لدعم سلاسل إمداد حيوية، كما جرى مع قطاع معدات الوقاية الشخصية خلال جائحة “كوفيد-19”.
تخيل لو أن الأميركيين يمتلكون اليوم حصصاً في شركة “3 إم” المنتجة للأقنعة الجراحية “N95″، إلى جانب حصص في شركات مثل “فورد” و”سيتي غروب” و”جيه بي مورغان تشيس”.
حصص الحكومة في شركات الذكاء الاصطناعي… فرصة أم مخاطرة؟
يرى بيرني ساندرز، في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بُنيت على معرفتنا الجماعية، ولذلك ينبغي أن يكون للمواطنين نصيب من العوائد التي تحققها.
ويقترح إنشاء صندوق ثروة سيادي أمريكي يمتلك حصصاً تصل إلى 50% في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي، على أن يوزّع أرباحاً سنوية تعادل 5% مباشرة على المواطنين.
لكن ثمة أسباباً عدة تدعو الولايات المتحدة إلى التعامل بحذر مع هذه الفكرة. فامتلاك الدولة حصصاً بهذا الحجم سيشكل تحولاً كبيراً عن النهج الأميركي التقليدي القائم على الحد الأدنى من التدخل في الاقتصاد، وقد يدفع مستثمرين آخرين إلى التردد في الاستثمار في تلك الشركات.
المسألة الأخرى أنه إذا ما استثمرت الحكومة في شركات التكنولوجيا، قد يصبح المشرعون أقل استعداداً لفرض لوائح تنظيمية صارمة قد تحد من نموها، حتى عندما يكون ذلك في مصلحة المجتمع. وربما يفسر هذا جانباً من حماسة سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك” داريو أمودي، وغيرهما من قادة القطاع، لفكرة منح الحكومة حصصاً في شركاتهم.
هل يجهض الاستقطاب السياسي الصندوق السيادي الأمريكي؟
يتطلب أي صندوق من هذا النوع إدارةً محترفة وذات خبرة، بعيدة عن تدخلات المسؤولين الحكوميين، وهو أمر بات نادراً في الولايات المتحدة هذه الأيام، إلى جانب استقلالية كاملة عن رياح السياسة المتقلبة، أياً كان اتجاهها في ذلك الوقت.
فلنأخذ مثلاً تجربة صناديق التقاعد الحكومية في ولايات مثل كاليفورنيا وتكساس، التي وجدت نفسها مضطرة إلى تبني معايير الاستثمار القائمة على مبادئ “البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة” ثم التخلي عنها مع تراجع زخم الاستثمار المسؤول اجتماعياً.
وقال مايكل مادويل، مؤسس “معهد صناديق الثروة السيادية”، وهي مؤسسة بحثية: “الفكرة جيدة، لكنني لا أعلم إن كانت ستكون مناسبة لهذا البلد، في ظل هذا المستوى من الانقسام السياسي”.
يتجلى هذا الانقسام بوضوح في النقاش الأميركي حول إنشاء صندوق ثروة سيادي. فالساسة من الحزبين يتفقون على جدوى الفكرة من حيث المبدأ، لكنهم يختلفون بشأن كيفية تمويل الصندوق، وآلية إدارته، ومن ينبغي أن يستفيد من عوائده.
وفي مشروع بهذا الحجم، تُعد الرؤية الاستراتيجية الواضحة منذ البداية شرطاً أساسياً لنجاحه. لذلك، قد لا يكون السؤال ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تمتلك صندوق ثروة سيادي، بل ما إذا كان البلد يتمتع بما يكفي من الانضباط ليستحق امتلاك واحد.








