بكين تسرع إصدار السندات لتمويل البنية التحتية ومواجهة ضعف الطلب المحلي
من المتوقع أن يحسم كبار قادة الصين خلال الشهر الحالي، حزمة جديدة من التدابير التحفيزية لدعم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعد التباطؤ الحاد الذي سجله الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني.
ويرجح أن ينصب تركيز القادة، خلال الاجتماع المقبل للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، على تسريع وتيرة إصدار السندات، بما يتيح توسيع الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، في وقت تواصل فيه الصادرات أداءها القوي، بينما يعاني الطلب المحلي من ضعف واضح.
قال إيسوار براساد، الأستاذ في جامعة كورنيل: “حتى قبل بضعة أشهر، كان انطباعي أن الاقتصاد يمر بمرحلة شديدة الخطورة، ومع فقدانه مزيداً من الزخم، أعتقد أن وقت التحرك بات وشيكاً. لذلك، علينا أن نترقب ما سيسفر عنه اجتماع المكتب السياسي”.
كان مستهدف نمو الاقتصاد الصيني لعام 2026، الذي يتراوح بين 4.5% و5%، الأدنى منذ عقود، فيما أظهرت بيانات رسمية صدرت مؤخراً أن النمو خلال الربع الثاني جاء دون هذا النطاق، مسجلاً 4.3%.
ورغم تشديد وسائل الإعلام الرسمية على أن معدل النمو في النصف الأول بلغ 4.7%، بما يضعه داخل النطاق المستهدف، فإن وتيرة التباطؤ أثارت تساؤلات بشأن مدى حاجة بكين إلى التدخل، وفقاً لما نقلته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية.
في هذا السياق، قالت هوي شان، كبيرة الاقتصاديين المعنيين بالصين لدى “جولدمان ساكس”: “ما يثير قلق صُناع السياسات هو أن استمرار التباطؤ قد يعرض مستهدف النمو للعام بأكمله للخطر”.
كشفت البيانات الرسمية الفصلية والشهرية عن استمرار نمط النمو الصيني “على شكل حرف كيه”، إذ تؤدي هشاشة ثقة الأسر إلى إضعاف الطلب المحلي، ما يزيد الضغوط على الإنفاق الحكومي في مشروعات البنية التحتية، ويعزز الاعتماد على الصادرات المتسارعة، ولا سيما صادرات الرقائق والمعدات الإلكترونية المرتبطة بازدهار الذكاء الاصطناعي، بوصفها محركاً رئيسياً للنمو.
وارتفعت الصادرات الصينية بنسبة 27% على أساس سنوي في يونيو، في حين لم تزد مبيعات التجزئة سوى بنسبة 1%.
في الوقت نفسه، أظهر الركود العقاري الممتد في الصين مؤشرات جديدة على التفاقم، بعدما انهار الاستثمار في القطاع بنسبة 18% خلال النصف الأول من العام.
وقال آدم وولف، اقتصادي الأسواق الناشئة لدى “أبسولوت ستراتيجي”: “لتحقيق الاستقرار في الاستهلاك، ربما تحتاج الصين أولاً إلى استقرار سوق الإسكان”.
وأضاف أنه رغم ظهور بعض المؤشرات الإيجابية في أكبر المدن الصينية، فإن التعافي في المدن الأصغر “سيستغرق وقتاً طويلاً”.
وتابع: “من المرجح أن يكون سعر التوازن أقل بكثير من المستويات الحالية”.
وشدد كبار صُناع السياسات في الصين على ضرورة تعزيز الطلب المحلي، وزيادة مساهمة الاستهلاك في دفع النشاط الاقتصادي.
وخلال مائدة مستديرة جمعت قادة أعمال وخبراء الاثنين الماضي، دعا رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ إلى تكثيف “التعديلات المعاكسة للدورة الاقتصادية”، في إشارة واضحة إلى الحاجة إلى مزيد من التحفيز الاقتصادي.
كما كرر الإشارة إلى ضرورة “استقرار” التوظيف أربع مرات، في دلالة على تصاعد القلق بشأن أوضاع سوق العمل.
ووافق مجلس الدولة، وهو الحكومة الصينية التي يرأسها لي، مؤخراً على أحدث “خطة خمسية” لدعم الاستهلاك، تضمنت الدعوة إلى زيادة مبيعات الأجهزة المنزلية والسيارات، إلى جانب تعهدات برفع الدخول وتعزيز دعم الضمان الاجتماعي.
وخلال السنوات الماضية، اعتمدت بكين على برامج، من بينها خطط استبدال السلع القديمة، لتمكين المستهلكين من تحديث الأجهزة المنزلية والمركبات بأسعار مدعومة.
غير أن محللين رأوا أن هذه البرامج أسهمت أساساً في تقديم الطلب المستقبلي إلى فترات سابقة، ما أدى إلى ضعف أرقام مبيعات التجزئة خلال العام الجاري.
تشير الخطة الخمسية الجديدة إلى زيادة سنوية قدرها 3.7% في استهلاك الأسر.
وقالت “جولدمان ساكس” في تقرير إن هذه التدابير “متوسطة الأجل بطبيعتها”، وإنها تميل بدرجة أكبر إلى دعم جانب العرض بدلاً من تحفيز الطلب مباشرة.
ورغم التباطؤ الحالي، يرى محللون أن بكين لا تزال تمتلك أدوات متعددة لتوجيه الاقتصاد خلال هذه المرحلة الضعيفة.
فقد بلغ إجمالي إصدارات السندات الحكومية في نهاية يونيو نحو 43% من المستهدف للعام بأكمله، البالغ 11.9 تريليون يوان، ما يترك مجالاً واسعاً لتسريع الإصدارات خلال الربع الثالث.
كما تستطيع الحكومة الاستفادة من حصة إضافية بقيمة 1.8 تريليون يوان من إصدارات السندات التي سبق إقرارها ولم تُستخدم.
إضافة إلى ذلك، أنشأت بكين هذا العام “أداة مالية قائمة على السياسات” بقيمة 800 مليار يوان، ممولة من ائتمان البنوك الحكومية، ويمكن توظيفها في تقديم دعم مالي إضافي.
وقالت هوي، من “جولدمان ساكس”، إن هذه التدابير قد تكون كافية لدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الفصلي مجدداً إلى داخل النطاق المستهدف، لكنها لم تستبعد تقديم مزيد من الدعم، بما فيها إصدار سندات سيادية خاصة، على غرار ما فعلته بكين خلال السنوات الأخيرة.
وأضافت أنه “إذا تعرض الاقتصاد لصدمة سلبية، سواء من الحرب التجارية، أو من تصاعد كبير في حرب إيران، أو من تطور لم يظهر بعد في الأفق، فلن يكون هناك حد فعلي لحجم التدخل الذي يمكن للحكومة تنفيذه”.
وحذر محللون من الإفراط في توقع حزمة دعم ضخمة ومفاجئة للاستهلاك، إذ يواصل صُناع السياسات إعطاء الأولوية للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، في ظل المنافسة المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة على الصدارة العالمية.
كتب خبراء الاقتصاد لدى “مورجان ستانلي” في تقرير: “نتوقع أن تُوجه موارد الدولة بدرجة أكبر نحو تقنيات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية والتصنيع المتطور، بدلاً من توجيهها مباشرة إلى محافظ الأسر”.
وقال براساد، من جامعة كورنيل، إن التركيز على التكنولوجيا والصادرات قد “يوفر قدراً محدوداً من المساحة”، لكنه لن يقدم دعماً يُذكر في مواجهة تراجع نمو دخول الأسر وضعف آفاق التوظيف، ولا سيما بين الفئات منخفضة الدخل.
وأضاف أن رقم النمو الرئيسي للربع الثاني، الذي جرى “ضبطه بعناية”، بعث “برسالة تنطوي على قدر من القلق، لكن دون هلع”.
وتابع: “هناك مجموعة من المؤشرات التي ـ إلى جانب نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي يبدو مقبولاً ـ ربما تمنح صُناع السياسات شعوراً زائفاً بالاطمئنان”.








