وستنظر المحاكم في هولندا، حيث يقع المقر الرئيسي لشركة “جيه بي إس”، في الالتماس الذي تقدمت به منظمة “جرينبيس” البيئية للحصول على معلومات بشأن ما إذا كانت الشركة تمتثل للقوانين الهولندية المتعلقة بالعناية بالبيئة والإنسان، إلى جانب مدى التزامها بالتعهدات التي أعلنتها علنًا.
وقال محامون إن القضية تفتح جبهة جديدة في مواجهة تغير المناخ، وقد تشكل سابقة قانونية تسمح برفع دعاوى ضد القطاع الزراعي، الذي يُعد أكبر أسباب إزالة الغابات وأحد المصادر الرئيسية لانبعاثات غاز الميثان، بحسب ما أوردته صحيفة “الجارديان” البريطانية.
وقال ريتشارد براون، المستشار القانوني في منظمة “جرينبيس” الدولية: “الهدف الأساسي هو الطعن في نموذج أعمال جيه بي إس وخطة توسعها”، وأضاف: “لدينا شكوك بأنها تتحرك من دون رؤية واضحة، ولا تجمع المعلومات اللازمة لفهم الآثار المترتبة على أنشطتها”، موضحًا أن طلب الحصول على المعلومات يمثل مرحلة تمهيدية قبل رفع دعوى قضائية رسمية ضد شركة اللحوم متعددة الجنسيات.
وحتى الآن، كانت الدعاوى المماثلة تُرفع فقط ضد شركات الوقود الأحفوري، حيث قضت محكمة في باريس الشهر الماضي بضرورة أن تكشف شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية للنفط عن المخاطر المناخية المرتبطة بالانبعاثات الناتجة عن منتجاتها النفطية والغازية، وأن تعرض خططها لمعالجة تلك المخاطر، وذلك في قضية رفعتها منظمات غير حكومية ومدينة باريس، لكنها لم تُلزم الشركة باتخاذ إجراءات محددة، مثل الحد من أنشطة الاستكشاف والإنتاج في الخارج.
وفي هولندا، تواجه شركة “شل” للنفط دعوى قضائية أمام محكمة لاهاي رفعتها منظمة “ميليوديفينسي”، المعروفة أيضًا باسم أصدقاء الأرض في هولندا، للمطالبة بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الخاصة بالشركة بنسبة 45% بحلول عام 2030، بما يتماشى مع اتفاق باريس للمناخ، ومن المتوقع صدور الحكم النهائي في هذه القضية مطلع عام 2027.
ويتركز الالتماس المقدم ضد “جيه بي إس” على ما يعتبره مقدموه نقصًا في الشفافية بشأن خطط التوسع الضخمة للشركة في نيجيريا، وتعتزم شركة اللحوم خلال السنوات المقبلة استثمار 2.5 مليار دولار في إنشاء 6 مصانع عملاقة لمعالجة اللحوم، يُنظر إليها على أنها بوابة لدخول السوق الأفريقية سريعة النمو.
وتقول منظمات المجتمع المدني إن المعلومات المتاحة قليلة للغاية بشأن ما إذا كانت “جيه بي إس” قد قيّمت الآثار الاجتماعية والبيئية لهذه الخطة، التي قد تهدد صغار المزارعين، والأمن الغذائي المحلي، وأولويات استخدام الأراضي، فضلًا عن تكريس كميات هائلة من انبعاثات غاز الميثان، الذي يُعد أحد أكثر غازات الاحتباس الحراري تأثيرًا في زعزعة استقرار المناخ.
وقال إلوجولو أوبييمي، المتحدث باسم شبكة الشباب في الزراعة الإيكولوجية واستعادة النظم البيئية: “إنه أكبر استثمار زراعي سمعنا به في تاريخ نيجيريا، لكن التفاصيل كانت محدودة للغاية، ولم تجر أي مشاورات مع منظمات المجتمع المدني”، مضيفًا: “المعلومات غير متوافرة، نريد من الحكومة النيجيرية التريث إلى أن نتمكن من إجراء تحليل واضح للتكاليف والفوائد، ولن يكون هذا الاستثمار مجديًا إلا إذا كان في مصلحة الناس والكوكب، وإلا فإنه سيخلق مزيدًا من المشكلات”.
ولإبراز حجم المخاطر، قال أوبييمي إن حكومة نيجيريا وعدت بالفعل بتخصيص 1.2 مليون هكتار لصالح شركة “جيه بي إس”.
وتأسست شركة “جيه بي إس” في البرازيل عام 1953، ونقلت مقرها الرئيسي إلى هولندا العام الماضي في إطار استراتيجيتها للإدراج في بورصة نيويورك.
وأتاح هذا الانتقال للشركة الوصول إلى أسواق المال الدولية لتمويل توسعاتها، كما مكّن الأخوين باتيستا، جوزلي باتيستا وويسلي باتيستا، وهما من أفراد العائلة المؤسسة، من زيادة حصتهما في ملكية الشركة بشكل كبير، لكن الانتقال إلى أوروبا جعل الشركة أيضًا خاضعة لقواعد أكثر صرامة فيما يتعلق بالشفافية.
وقال براون: “نقول إنه إذا جئتم إلى هولندا، فعليكم الالتزام بالقواعد الهولندية والخضوع للمساءلة وفقًا للمعايير الهولندية”، وأضاف: “في نهاية المطاف، تتعلق القضية بشركة عالمية عملاقة، وبكيفية ضرورة تقييد أنشطتها ضمن الحدود الآمنة للكوكب.”
وتأتي الدعوى القضائية أيضًا نتيجة الاستياء من السجل البيئي لشركة “جيه بي إس”، ولا سيما في موطنها البرازيل، حيث قدمت مرارًا تعهدات تتعلق بالاستدامة، لكنها تراجعت عنها لاحقًا أو أجلت تنفيذها.
ويُعد إنتاج لحوم الأبقار المحرك الرئيسي لإزالة الغابات، إذ تُزال الأشجار لإفساح المجال لتربية الماشية، ويحذر العلماء من أن ذلك دفع غابات الأمازون إلى الاقتراب من نقطة تحول قد تُسرّع انتقالها من امتصاص الكربون إلى إطلاقه.
وكانت “جيه بي إس”، التي تهيمن على سوق الأبقار في البرازيل، قد تعهدت بتنظيف سلسلة إمدادات لحوم الأبقار الخاصة بها في المنطقة بحلول نهاية عام 2025، لكن صحيفة “الجارديان” وشركاءها في التحقيقات كشفوا العام الماضي أن الشركة لن تفي بهذا التعهد.
وبعد ذلك، أخفقت “جيه بي إس” في الالتزام بالموعد النهائي المحدد بنهاية العام، ثم تخلت لاحقًا عن تعهدها بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2040.
كما استبعد أحدث تقرير للاستدامة الصادر عن الشركة حسابات الانبعاثات غير المباشرة، وفي مقدمتها انبعاثات غاز الميثان الصادرة عن الأبقار، والتي تمثل أحد أبرز مصادر الأثر المناخي لأنشطة “جيه بي إس”.
وقالت ماريكه فيليكوب، المديرة التنفيذية لمنظمة جرينبيس في هولندا، إن المنظمة “لم يعد أمامها خيار سوى اللجوء إلى المحاكم الهولندية للحصول على حقها في الوصول إلى المعلومات.”







