منذ إطلاق برنامج التحول الرقمي بمصلحة الضرائب المصرية في يناير 2021، توسعت المنظومة الإلكترونية لتشمل مختلف مراحل التعامل الضريبي، بدءًا من الإقرارات والفواتير والإيصالات الإلكترونية، مرورًا بالتسجيل والمدفوعات والفحص الضريبي المميكن، وصولًا إلى منظومات رد الضريبة والإعفاءات الضريبية والطعون والتحصيل الجبري، إلى جانب إتاحة المراسلات الإلكترونية بين الممولين والمصلحة.
ورغم هذا التوسع الكبير في الخدمات الرقمية، يظهر تساؤل جوهري حول مدى نجاح هذه المنظومات في تحقيق مستهدفات الإصلاح الضريبي؟ سواء من خلال مكافحة التهرب الضريبي، والقضاء على الفواتير الوهمية، وتقليل الاعتماد على الاستيفاءات الورقية، أو تبسيط الإجراءات، وخفض تكلفة الامتثال، وتسريع عمليات الفحص ورد الضريبة، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الممول والإدارة الضريبية.
عبدالهادي: بعض الشركات تواجه صعوبات في إثبات أرصدتها الدائنة
قال عبدالرسول عبدالهادي، عضو مجلس إدارة جمعية الضرائب المصرية، إن نجاح التيسيرات الضريبية المرتبطة برد الرصيد الدائن والخصم الضريبي، مرهون بمعالجة التحديات الفنية داخل المنظومة الإلكترونية لمصلحة الضرائب، مؤكدًا لـ”البورصة”، أن جميع إجراءات الفحص والرد والتسويات أصبحت تعتمد بالكامل على النظام الإلكتروني، لكن المنظومة لاتزال تعاني من قصور يحد من الاستفادة الكاملة من تلك التيسيرات.
وأشار إلى أن مشروع تقليص مدة رد الرصيد الدائن إلى 4 أشهر للممولين و3 أشهر للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، لا يزال في انتظار استكمال إجراءاته التشريعية، مؤكدًا أن تقليص المدة لن يحقق أهدافه ما لم تُحل المشكلات التشغيلية التي تعوق إثبات الأرصدة وإجراء التسويات الضريبية.
أضاف أن منح المنشآت الصغيرة والمتوسطة مهلة ثلاثة أشهر يتوافق مع إمكانية تقديمها إقرارات ضريبة القيمة المضافة بشكل ربع سنوي، إلا أن جوهر الأزمة لا يرتبط بطول فترة الرد، وإنما بقدرة المنظومة على إظهار الأرصدة الدائنة وتنفيذ المقاصات بصورة دقيقة.
وكشف عبدالهادي عن وجود شركات من القطاعين الخاص والعام تواجه صعوبات في إثبات أرصدتها الدائنة، ما يؤدي إلى ظهور مديونيات ضريبية عليها داخل النظام الإلكتروني عند طلب شهادات أو مستندات رسمية، رغم امتلاكها مستحقات فعلية لدى المصلحة لم تُرحل إلكترونيًا، وهو ما يضطرها أحيانًا إلى سداد مبالغ أو تسوية أوضاعها رغم وجود أرصدة دائنة لصالحها.
وأشار إلى أن المنظومة الحالية لا تتيح إجراء المقاصة بين الأرصدة الدائنة التاريخية والأرصدة المسجلة إلكترونيًا بالكفاءة المطلوبة، كما أن بعض التسويات لا تزال تستلزم مراجعة أكثر من إدارة داخل المصلحة، رغم أن التحول الرقمي يستهدف إنجازها بصورة مركزية. وشدد على ضرورة إجراء مراجعة شاملة لمنظومة” SAP ” والمنظومات المرتبطة بها لمعالجة نقاط الضعف وتحسين تكامل البيانات، بما يضمن تحقيق أهداف الرقمنة ورفع كفاءة العمل الضريبي.
القطان: تسوية الضرائب المسددة على عوائد الأذون والسندات تواجه تحديات
وقال محمد القطان، المحاسب القانوني، إن منظومة “ساب” ، مازالت تواجه تحديات فنية وإجرائية تؤثر على كفاءة العمل الضريبي، رغم الاستثمارات الكبيرة التي تم ضخها في مشروع التحول الرقمي.
وأوضح لـ”البورصة”، أن من أبرز المشكلات، عدم قدرة المنظومة حتى الآن على التعامل مع طلبات إعادة فحص الملفات التي تم تقديرها ضريبياً، ما يؤدي إلى استمرار مطالبات ضريبية ضخمة ضد بعض الشركات دون تمكينها من استكمال إجراءات إعادة الفحص بصورة فعالة.
أضاف القطان، أن العديد من الشركات تضطر إلى تكوين مخصصات مالية كبيرة لمواجهة المطالبات الواردة بالنماذج الضريبية، رغم أن تلك الملفات مازالت محل نزاع وقابلة للمراجعة وإعادة الفحص، وهو ما ينعكس على نتائج الأعمال والمراكز المالية للشركات.
وأشار إلى وجود أزمة أخرى تتعلق بتسوية الضرائب المسددة من المنبع على عوائد أذون وسندات الخزانة، موضحاً أن المستثمر أو الشركة يحتاج إلى الحصول على خطابات معتمدة من البنوك ثم اعتمادها من البنك المركزي لإثبات الضريبة المسددة، رغم أن الضريبة تكون قد تم توريدها بالفعل إلى مصلحة الضرائب.
أكد القطان أن المنظومة تقوم في بعض الحالات بتحويل الملفات تلقائياً من اللجان الداخلية إلى لجان الطعن بمجرد انتهاء المدة المحددة، حتى وإن كان الممول بصدد استكمال المستندات المطلوبة أو التفاوض مع اللجنة المختصة، وهو ما يؤدي إلى إطالة دورة النزاع وتأخير تحصيل الحصيلة الضريبية.
وأشار إلى أن تجارب بعض الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، توضح إمكانية إنجاز طلبات استرداد الضريبة خلال فترات قصيرة قد لا تتجاوز 12 إلى 24 ساعة، من خلال الاعتماد على الفحص الإلكتروني السريع واختيار عينات محددة من الفواتير للتحقق ثم تحويل المبالغ المستحقة مباشرة إلى حسابات الممولين.
وأوضح أن عدم استكمال تحديث الأطر التنظيمية المرتبطة بالتسعير التحويلي والتقارير الضريبية الدولية قد يحد من جاهزية مصر لتطبيق قواعد الضريبة العالمية الدنيا «Pillar Two»، في وقت بدأت فيه دول أخرى الاستفادة من هذه القواعد وتحقيق إيرادات إضافية.
كشف القطان أن التحول الرقمي لم يكتمل بالشكل المطلوب، إذ مازالت بعض المأموريات تعتمد على الملفات الورقية خلال مراحل الفحص المختلفة قبل إدخال النتائج على المنظومة الإلكترونية، بما يقلل من الاستفادة الكاملة من مشروع الرقمنة.
خليل: النظام لا يتيح طلب مستندات أو تحليلات إضافية أثناء الفحص
وقال محمود خليل، المستشار الضريبي بمكتب “فورفس مازرز مصطفى شوقى للاستشارات”، إن منظومة التحول الرقمي بمصلحة الضرائب المصرية، رغم استهدافها تبسيط الإجراءات وتسريع دورة العمل، ما زالت تواجه تحديات فنية وإجرائية حدّت من تحقيق أهدافها، وأدت إلى زيادة الأعباء على الممولين وأثرت على كفاءة الفحص الضريبي.
وأوضح أن التعليمات رقم (23) لسنة 2025 الخاصة باستيفاء الفواتير لأغراض الفحص أو رد الضريبة، أوجدت إجراءات أكثر تعقيدًا من النظام الورقي السابق، مشيرًا إلى أن النماذج الإلكترونية أضافت متطلبات إدارية جديدة دون أن تحقق التبسيط المستهدف.
وأضاف خليل، أن منظومة الفحص الضريبي المميكن تُلزم الممولين برفع جميع المستندات إلكترونيًا مرة واحدة، في حين لا يتضمن نموذج تجهيز المستندات جميع البيانات المطلوبة، كما لا يتيح النظام طلب مستندات أو تحليلات إضافية أثناء الفحص، وهو ما يحد من مرونة المأموريات في استكمال إجراءات الفحص.
وأشار إلى أن هذا القصور يدفع بعض مأموري الضرائب إلى استخدام وسائل غير رسمية، مثل البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل، لتبادل المستندات مع الممولين، بما يخرج تلك المستندات من إطار المنظومة الإلكترونية ويزيد الأعباء على اللجان الداخلية عند نظر الاعتراضات.
وأوضح أن المنظومة لا تزال تواجه مشكلات في إثبات بعض المدفوعات، من بينها ضريبة القيمة المضافة المسددة بالعملة الأجنبية وفقًا لقرار وزير المالية رقم (518) لسنة 2023، إضافة إلى بعض المدفوعات المنفذة عبر منظومة «مدفوعات مواطن»، ما يؤدي إلى ظهور فروق فحص ومديونيات غير حقيقية.
نصر: ضرورة الاكتفاء بالفاتورة الإلكترونية كمستند معتمد
ويؤكد حسام نصر رئيس لجنة الضرائب بغرفة التجارة الأمريكية، أهمية استمرار وجود جهات وهيئات حكومية لا تطبق منظومة الفاتورة الإلكترونية بشكل كامل، موضحًا أن بعض الجهات الحكومية نفسها لا تصدر فواتير إلكترونية في بعض التعاملات رغم إلزام القطاع الخاص بذلك.
وأشار إلى أن هذا الوضع يخلق تناقضًا بين متطلبات التطبيق العملي والتشريعات المنظمة للمنظومة، ما يؤدي إلى ظهور نزاعات ومشكلات عند احتساب أو خصم الضرائب.
وطالب نصر، بالاكتفاء بالفاتورة الإلكترونية الصحيحة كمستند معتمد، وعدم التوسع في طلب الاستيفاءات، بالإضافة إلى معالجة مشكلة إضافة الضريبة المسددة بالعملة الأجنبية إلى حسابات المسجلين.
وأشار إلى أن ملف التسعير التحويلي يعد من أكثر الملفات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، موضحاً أن الدليل الإرشادي المعتمد حالياً يعود إلى عام 2018 ولم يتم تحديثه رغم التعديلات المتلاحقة في التشريعات والمعايير الدولية.
أضاف أن بعض لجان الطعن بدأت تستند إلى نصوص قانونية تشترط صدور دليل إرشادي معتمد من وزير المالية، الأمر الذي ترتب عليه إلغاء بعض الغرامات والجزاءات المرتبطة بملفات التسعير التحويلي، مؤكدا أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى ضياع حصيلة ضريبية ضخمة على الدولة.
العادلى: استمرار الاعتماد على الملفات الورقية في فحص السعر المحايد
وقال عبدالله العادلي، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية للتشريع الضريبي، إن تجربة التطبيق على مدار نحو خمس سنوات كشفت في الوقت نفسه عن عدد من التحديات التشغيلية التي تتطلب معالجة لضمان تحقيق الاستفادة الكاملة من إمكانات المنظومة.
وأشار إلى أن من أبرز أوجه القصور استمرار بعض المأموريات في مطالبة الممولين بمستندات وبيانات متوافرة بالفعل على قواعد بيانات المصلحة، بما يؤدي إلى تكرار الإجراءات وزيادة الأعباء، بدلاً من تحقيق هدف التحول الرقمي المتمثل في تبسيط الإجراءات وتقليل الاعتماد على المستندات الورقية.
ولفت إلى أن الأمر يمتد إلى فحص ملفات السعر المحايد، إذ تُطلب في بعض الحالات نسخ ورقية من الملف المحلي والملف الرئيسي رغم رفعها إلكترونياً، وهو ما يقلل من مكاسب الرقمنة ويطيل مدة الفحص.
قزمان: يجب عدم اعتماد أي فاتورة إلا بعد تسويتها بين طرفى التعامل
وبحسب هاني قزمان، الشريك التنفيذي بمكتب قزمان وشركاه، فإن المنظومة الإلكترونية بمصلحة الضرائب المصرية تمثل إحدى الركائز الأساسية لبرنامج التحول الرقمي، وأسهمت في تعزيز الشفافية ورفع كفاءة الإدارة الضريبية، إلا أنها لا تزال تواجه عدداً من التحديات التشغيلية التي تؤثر على الممولين والمحاسبين.
وأوضح أن من أبرز هذه التحديات، التحديثات المستمرة التي تطرأ على الأنظمة الإلكترونية دون منح المستخدمين الوقت الكافي للتأقلم معها، وهو ما ينعكس على استقرار العمليات اليومية داخل الشركات.
أشار قزمان، إلى استمرار بعض المشكلات التقنية المرتبطة بسرعة المنصة أو تعرضها للأعطال خلال فترات الذروة، بما يعرقل تنفيذ الإجراءات الضريبية في توقيتها.
وأضاف أن محدودية الوعي والتدريب لدى شريحة من المستخدمين، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، تمثل أحد أبرز التحديات.
لفت قزمان إلى وجود إشكالية أخرى تتعلق بمنظومة الفواتير الإلكترونية، تتمثل فيما يعرف بـ”الفواتير الوهمية” أو غير الدقيقة، موضحاً أن الممول قد يرفض فاتورة لعدم صحتها، إلا أن الجهة المصدرة لا تستجيب لهذا الرفض، بما قد يؤدي في بعض الحالات إلى استمرار اعتماد الفاتورة داخل النظام، وهو ما يخلق مشكلات محاسبية وضريبية للممول المتضرر.
ودعا إلى تبني عدد من الإجراءات لمعالجة هذه التحديات، في مقدمتها استحداث آلية واضحة وملزمة لحسم النزاعات المتعلقة برفض الفواتير الإلكترونية، بحيث لا يتم اعتماد أي فاتورة محل خلاف إلا بعد تسويتها بين طرفي التعامل أو مراجعتها من الجهة المختصة.
عزمى: الشركات تواجه مشكلات متكررة فى ربط بوابات الدفع البنكية بالمنظومة
ويرى رامى عزمي، مدير قسم الضرائب بمجموعة بدر الدين العقارية، أن تطبيق المنظومة الضريبية الإلكترونية أدى إلى زيادة الأعباء التشغيلية على العديد من الشركات، نتيجة الحاجة إلى الاستعانة بمحاسبين متخصصين أو الاستثمار في أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP) المتوافقة مع متطلبات المنظومة.
وأوضح أن الشركات لا تزال تواجه مشكلات متكررة في ربط بوابات الدفع البنكية بالمنظومة، ما يؤدي أحيانًا إلى تعطل سداد المستحقات الضريبية في مواعيدها، فضلًا عن مخاوف تعرضها لغرامات بسبب أخطاء في إدراج الأكواد أو التأخر في إرسال الفواتير الإلكترونية خلال المدد القانونية.
وشدد عزمي، على أهمية التحقق من صحة أكواد السلع والخدمات عبر مطابقتها مع نظام الترميز العالمي (GS1) أو نظام الترميز المصري (EGS)، لتجنب رفض الفواتير الإلكترونية.
حسن: “ساب” لا تقوم بترحيل الأرصدة الدائنة
وقال كارم حسن مدير إدارة الضرائب بشركة موكيت ماك “إحدى شركات مجموعة النساجون الشرقيون”، إن المنظومة تواجه عدة تحديات أبرزها عدم ترحيل الأرصدة الدائنة التاريخية للشركات من الملفات الورقية إلى منظومة SAP، رغم مرور سنوات على تطبيقها.
ولفت إلى أن بعض الشركات تواجه مواقف متكررة عند طلب شهادات أو مستندات رسمية، إذ تظهر عليها مديونيات ضريبية داخل المنظومة رغم امتلاكها أرصدة دائنة فعلية غير مرحّلة إلكترونيًا.
ويري فتح الله مصطفى رئيس قسم الحسابات بإحدى الشركات، أن المنظومة الإلكترونية لاتزال تواجه تحديات تشغيلية، أبرزها تكرار أعمال الصيانة، خاصة في نهاية الفترات الضريبية ونهايات الأسبوع، وهو ما يؤثر في قدرة الشركات على الالتزام بالمواعيد المحددة لتقديم الإقرارات ورفع المستندات.
وأضاف أن آلية إلغاء الفواتير تفتقر إلى المرونة، إذ تقتصر المنظومة على إصدار إشعار دائن “Credit Note” بدلاً من إتاحة خيار الإلغاء المباشر للفاتورة عند الحاجة، بما يزيد من تحديات الإجراءات المحاسبية.








