قال محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة 2030، إن مصر تحتاج خلال أسابيع إلى برنامج اقتصادي جديد يبني على ما تحقق من استقرار للاقتصاد الكلي، ويتجاوز إدارة المؤشرات المالية والنقدية إلى إصلاح بيئة الأعمال، وتعزيز الاستثمار والمنافسة، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية والقطاعية، وتطوير سوق العمل، وتوطين التنمية.
وأوضح محيي الدين، خلال مشاركته في جلسة «حالة مصر.. قراءة المشهد الاقتصادي والاستثماري في مصر»، ضمن فعاليات النسخة الرابعة من إطلاق تقرير ريادة الأعمال التابع لإنطلاق، أن الاقتصاد المصري حقق قدرًا كبيرًا من الاستقرار، إلا أنه لم يصل بعد إلى الاستقرار الكامل، في ظل التطورات الإقليمية والعالمية.
وأكد ضرورة استعداد الحكومة والبنك المركزي للسيناريوهات السلبية المحتملة، والاستثمار في قدرة الاقتصاد على الصمود والمرونة «Resilience»، موضحًا أن هذا الاستثمار لا يمثل تكلفة مهدرة حتى في حال عدم وقوع صدمة، إذ يساهم في تشغيل الأفراد وتحريك النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن تقييم الاقتصاد لا يجب أن يقتصر على مؤشرات النمو والتضخم والبطالة والاستقرار المالي والنقدي، وإنما يجب أن يشمل الفقر، وتوزيع الدخل، ونوعية النمو، وجودة الاستثمارات، وتأثيرها على مستويات المعيشة.
وقال إن معدل النمو المصري، البالغ نحو 5% إلى 5.1%، يتجاوز متوسط النمو العالمي البالغ نحو 3%، كما يزيد على متوسط النمو في الأسواق الناشئة والدول النامية البالغ نحو 4%، في حين لا يزال التضخم أعلى من تلك المتوسطات، رغم اتجاهه للتحسن.
وقال محيي الدين إن نظرته إلى مستقبل الاقتصاد المصري أصبحت أفضل كثيرًا مقارنة بما كانت عليه في مارس الماضي، مشيرًا إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك يتمثل في مرونة سعر الصرف.
وأوضح أن تحرك الجنيه صعودًا وهبوطًا بصورة طبيعية يبعث برسالة طمأنة إلى المتعاملين بأن حركة العملة لا تعني بالضرورة وجود أزمة جديدة.
وأضاف أن استقرار سوق النقد الأجنبي يتيح للمستثمر اتخاذ قراراته دون الحاجة إلى الانتظار توقعًا لسعر مختلف في اليوم التالي، خاصة مع إمكانية الحصول على العملة بالسعر القائم في السوق دون تعدد للأسعار أو مفاجآت غير متوقعة.
وأشاد بأداء البنك المركزي المصري، مشيرًا إلى تحسن قدرته على إدارة المعروض النقدي، مع استمرار الحاجة إلى مزيد من التطوير والتنسيق بين السياسة المالية والنقدية.
وأكد محيي الدين أن البرنامج الاقتصادي للمرحلة المقبلة يجب أن يحدد أولويات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، إلى جانب الموارد المتاحة للتنفيذ، والجهات المسؤولة عن التنفيذ والمراجعة والتقييم.
وأوضح أن البرنامج المطلوب بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي لا ينبغي أن يقتصر على الاقتصاد الكلي، لأن وزارة المالية والبنك المركزي لديهما خبرة كبيرة في إدارة المؤشرات المالية والنقدية، والتعامل مع المؤسسات الدولية ووكالات التصنيف.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق الإصلاح ليشمل تحسين بيئة الأعمال، والإصلاحات الهيكلية والقطاعية، وتطوير سوق العمل، وتعزيز المنافسة، وزيادة الاستثمار، وتوطين التنمية.
وأكد محيي الدين ضرورة وجود دولة قوية تمتلك سياسات مالية فعالة وأجهزة رقابية مؤهلة لفهم الأسواق، مع توفير ساحة تنافس متكافئة «Level Playing Field».
وشدد على أن الدولة يجب أن تحدد، قبل دخول أي نشاط اقتصادي، ما إذا كان القطاع الخاص قادرًا على تنفيذه بمفرده، فإذا كان قادرًا، ينبغي أن يقتصر دور الدولة على تهيئة البيئة المناسبة، بينما يمكنها التدخل في الأنشطة التي لا يستطيع القطاع الخاص تنفيذها منفردًا، من خلال أدوات تقليل المخاطر أو الصناديق وآليات الدعم المناسبة.
وأشار إلى أن نجاح الشركات وتحقيقها الأرباح يصب في مصلحة الدولة من خلال زيادة النشاط الاقتصادي والحصيلة الضريبية، ما يتطلب عدم مزاحمة القطاع الخاص في الأنشطة التي يستطيع تنفيذها بكفاءة.
ووضع محيي الدين ملف المديونية ضمن أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد، محذرًا من الارتفاع الحاد في عوائد السندات عالميًا، ومؤكدًا ضرورة التعامل مع الدين المحلي والخارجي بصورة متكاملة.
وشدد على أن أزمة الدين لا يمكن حلها من خلال صفقات منفردة أو حلول مؤقتة، وإنما تتطلب تغيير نموذج النمو عبر زيادة النمو الاقتصادي، وتحسين الإيرادات العامة، وتقليل الاعتماد على الاقتراض، وتطوير آليات تمويل المشروعات.
وقال محيي الدين إن توطين التنمية «Localization» يمثل أحد أهم الأدوات لمعالجة الفجوة بين تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي وعدم شعور المواطنين بالتحسن نفسه على أرض الواقع.
ودعا إلى تبني «منهج لوحة المؤشرات – Dashboard Approach»، بحيث لا يقتصر تقييم الاقتصاد على التضخم والبطالة والنمو، وإنما يشمل الفقر، وتوزيع الدخل، ومستويات المعيشة، وجودة الخدمات.
وأكد أن تحسن المؤشرات الكلية لا يتعارض مع شعور المواطن بعدم التحسن، لأن مستويات المعيشة، وتوزيع الدخل، وجودة الخدمات تمثل أبعادًا أخرى يجب أخذها في الاعتبار.
وأوضح محيي الدين أن المستثمر الخارجي، وخاصة مستثمر الملكية الخاصة، يقارن العائد المتوقع من الاستثمار في مصر بالفرص المتاحة في الأسواق الأخرى.
وقال إنه إذا لم يجد المستثمر عائدًا يتراوح بين 12% و14% على الدولار، فسوف يعيد تقييم جدوى الاستثمار في مصر أو القطاع المستهدف مقارنة بالفرص العالمية.







