توقعت بحوث سي آى كابيتال، أن يكون الأثر الرئيسي لارتفاع أسعار الطاقة العالمية على الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة متمثلًا في زيادة فاتورة واردات الطاقة والاحتياجات التمويلية الخارجية، أكثر من كونه ضغطًا مباشرًا على أوضاع المالية العامة للدولة، في ظل استمرار الحكومة في تطبيق آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية والالتزام بمستهدفات ضبط المالية العامة.
وأضافت البحوث في تقرير حديث عن الاقتصاد الكلي المصري، حصلت “البورصة على نسخة منه”، إن اعتماد مصر الهيكلي على استيراد النفط والغاز الطبيعي يجعل الاقتصاد أكثر حساسية لصدمات الطاقة العالمية، إذ تمثل الواردات نحو ثلث الاستهلاك المحلي من الوقودين.
وأضافت أن تأثير موجات ارتفاع أسعار الطاقة الحالية يختلف عن الصدمات السابقة، حيث لا يُتوقع أن يؤدي إلى تدهور جوهري في المؤشرات المالية للحكومة، بقدر ما ينعكس على زيادة الضغوط التمويلية الخارجية واتساع احتياجات الحساب الجاري.
الأثر المباشر على الموازنة يظل محدودًا مع استمرار آلية التسعير التلقائي للوقود
وأوضحت أن فاتورة واردات المواد الهيدروكربونية تعد الأكثر تأثرًا بالصدمات الجيوسياسية المرتبطة بأسواق الطاقة، مشيرة إلى أن تجربة مارس 2026 تمثل نموذجًا واضحًا لحجم التأثير المحتمل، بعدما ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة 63% وأسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 55%.
ووفقًا للتقرير، قفزت فاتورة واردات مصر الشهرية من النفط بنسبة 108%، بينما ارتفعت فاتورة واردات الغاز الطبيعي بنسبة 195% خلال تلك الفترة، بحسب بيانات استندت إلى تصريحات رئيس مجلس الوزراء.
وترى «سي آي كابيتال» أن العلاقة بين أسعار الطاقة العالمية وفاتورة الاستيراد تشير إلى أن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار خام برنت والغاز الطبيعي المسال قد تؤدي إلى ارتفاع فاتورة واردات النفط والغاز السنوية بنحو 26%، بما يعادل نحو 6 مليارات دولار.
كل زيادة 10% فى أسعار الوقود المحلية قد ترفع التضخم 2.4 نقطة مئوية
وأضافت أن هذه الزيادة من شأنها رفع احتياجات تمويل الحساب الجاري بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالتقديرات المعدلة للعام المالي 2025-2026، ما يعكس حجم الحساسية التي يواجهها الاقتصاد المصري تجاه التطورات الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية.
وأشارت الشركة إلى أن هذه التقديرات لا ترتبط فقط بالتغيرات السعرية الطبيعية، وإنما تعكس أيضًا تأثير الاضطرابات التي تصاحب الأزمات الجيوسياسية، سواء على مستوى سلاسل الإمداد أو تكاليف النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بتجارة الطاقة.
ورغم ذلك، توقعت أن تسهم التعاقدات طويلة الأجل والإمدادات المسعرة بأسعار ثابتة في تخفيف حدة المخاطر خلال الفترة المقبلة، خاصة مع زيادة الاعتماد على عقود توريد الغاز المستقرة خلال عام 2026، إلا أن السيناريو يظل عرضة للمخاطر في حال تأثر إمدادات الغاز المنقولة عبر خطوط الأنابيب نتيجة أحداث استثنائية أو ظروف قوة قاهرة.
أثر محدود على الموازنة
وفيما يتعلق بالأوضاع المالية الحكومية، أوضح التقرير أن الأثر المباشر لارتفاع أسعار الطاقة على الموازنة العامة يظل محدودًا نسبيًا مقارنة بفترات سابقة، نتيجة تراجع الوزن النسبي لدعم الطاقة داخل هيكل الإنفاق الحكومي.
وأشار إلى أن إجمالي مخصصات الدعم تمثل نحو 9% فقط من مصروفات مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، فيما لا تتجاوز مخصصات دعم الطاقة 26% من إجمالي مخصصات الدعم.
وأضاف أن مشروع الموازنة الجديدة يظهر تحولًا في هيكل الدعم، حيث يستحوذ دعم الكهرباء على نحو 22% من إجمالي مخصصات الدعم، مقابل 3% فقط لدعم المنتجات البترولية، وهو ما يعني أن الأثر المالي النهائي لارتفاع أسعار الطاقة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة على تمرير الزيادات في تكاليف إنتاج الكهرباء إلى المستهلكين.
ارتفاع مخصصات دعم الكهرباء 38% والاحتياطيات العامة 47% فى موازنة 2026-2027
ولفت التقرير إلى أن الحكومة أظهرت التزامًا واضحًا بهذا التوجه من خلال الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء للمنازل بمتوسط بلغ 12%، في خطوة تعكس استمرار سياسة ربط الأسعار المحلية بالتكلفة الفعلية للطاقة.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن مشروع موازنة العام المالي 2026-2027 يتبنى نهجًا احترازيًا لمواجهة تقلبات أسعار الطاقة، حيث ارتفعت مخصصات دعم الكهرباء بنحو 38% على أساس سنوي، كما زادت مخصصات الاحتياطيات العامة بنسبة 47%، بما يوفر مساحة مالية أكبر للتعامل مع الصدمات غير المتوقعة.
التضخم يظل الحلقة الأكثر حساسية
وترى بحوث «سي آي كابيتال» أن التأثير الأهم لصدمات الطاقة العالمية قد يظهر عبر مسار التضخم المحلي، والذي سيظل العامل الرئيسي المحدد لاتجاهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
ووفقًا لحسابات الشركة، فإن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار الوقود المحلية، بما يشمل السولار، قد تؤدي إلى رفع الحد الأدنى المتوقع لمعدل التضخم بنهاية العام بنحو 2.4 نقطة مئوية.
وقالت إن هذا السيناريو قد يدفع معدل التضخم بنهاية العام المالي 2026-2027 إلى مستوى لا يقل عن 16%، مقارنة بالتقديرات الحالية.
في المقابل، أوضح التقرير أن تأثير زيادات أسعار الكهرباء المنزلية على معدلات التضخم يظل محدودًا للغاية مقارنة بتأثير تحركات أسعار الوقود.
المركزى المصرى سيظل معتمدًا على البيانات
وفيما يخص السياسة النقدية، توقعت الشركة أن يواصل البنك المركزي المصري اتباع نهج يعتمد بصورة أساسية على البيانات الاقتصادية الفعلية عند اتخاذ قرارات أسعار الفائدة.
وأضافت أن البنك المركزي سيحافظ على أسعار فائدة حقيقية موجبة تتراوح بين 4 و5 نقاط مئوية، بما يدعم استقرار توقعات التضخم ويحافظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه.
وأشارت إلى أن استمرار التضخم فوق مستوى 15.5% قد يدفع البنك المركزي إلى إعادة تقييم موقفه الحالي، مع ارتفاع احتمالات اللجوء إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا إذا أدت التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد العالمية وظهور موجات تضخمية غير مباشرة ذات طابع أكثر استدامة.
وخلص التقرير إلى أن المخاطر الرئيسية التي تواجه الاقتصاد المصري في المرحلة الحالية لا ترتبط بتدهور مباشر في أوضاع المالية العامة، وإنما بارتفاع فاتورة الواردات الطاقوية وزيادة الاحتياجات التمويلية الخارجية، إلى جانب الضغوط التضخمية المحتملة الناتجة عن تمرير جزء من ارتفاع تكاليف الطاقة إلى المستهلكين، وهو ما يجعل مسار أسعار الطاقة العالمية أحد أهم المتغيرات المؤثرة على الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة.







