“ليس من السهل إطلاقاً إحداث مثل هذه الموجات في سوق تتمتع بأساسيات قوية إلى هذا الحد”
اعترض ريتشارد دريهاوس، مدير الأموال الراحل من شيكاغو الذي ساعد في انتشار استراتيجية الاستثمار بالزخم، على مقولة “الشراء بسعر منخفض والبيع بسعر مرتفع”.
وقال لجاك شواغر في كتابه “The New Market Wizards”: “أعتقد أن أموالاً أكثر بكثير تُجنى من الشراء بسعر مرتفع والبيع بأسعار أعلى منه”.
وقد أثبتت العقود الماضية مراراً صحة رؤية دريهاوس، الذي توفي في 2021، وهو أمر يستحق التذكر بعد أن اخترق مؤشر “ستاندارد آند بورز 500” أحدث مستوى قياسي له على الإطلاق.
جاء المستوى القياسي الجديد بعد فجوة استمرت شهرين (أو 43 يوم تداول على وجه الدقة) مع تنامي تفاؤل المستثمرين بمحادثات السلام مع إيران، واحتمال انخفاض أسعار النفط الخام إذا فُتح مضيق هرمز.
وحدث هذا النوع من الاختراق، بعد فترة تجاوزت 40 يوم تداول من دون بلوغ قمة جديدة، في 22 مناسبة أخرى خلال الأعوام الثلاثين الماضية.
وكان مؤشر “إس آند بي 500” أعلى بعد ستة أشهر و12 شهراً في أكثر من 70% من تلك الحالات.
لا شيء مضمون، لكن هذه السوق تبدو بالتأكيد من النوع الذي كان دريهاوس يفضله.
أرباح الشركات تدعم الصعود
يبدو اختراق يوم الثلاثاء واعداً على نحو فريد من زاوية واحدة، هي مسار الأرباح المدعوم بازدهار الذكاء الاصطناعي وصمود الاستهلاك الأمريكي.
ولا تسير أرباح الربع الثاني نحو نمو استثنائي بنسبة 29% فحسب، بل يرفع المحللون أيضاً تقديراتهم لربحية السهم خلال الأشهر الـ12 المقبلة بوتيرة مذهلة.
ولم تشهد العينة التي أتابعها على مدى 30 عاماً من قبل اختراقاً في وقت كانت فيه تقديرات ربحية السهم مرتفعة 9% مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة.
لكن كل ذلك محسوب بالفعل في هذه التقييمات، أليس كذلك؟ نعم ولا.
فحتى مع ارتفاع تقديرات الأرباح، تضافرت مجموعة من العوامل لخفض مكررات الربحية المستقبلية خلال معظم 2026.
وشملت هذه العوامل حرب إيران، والمخاوف المتعلقة بالسياسة النقدية، والقلق العام إزاء قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحويل استثماراتها الهائلة إلى أرباح.
ولاتزال مكررات الربحية المستقبلية مرتفعة مقارنة بمستوياتها التاريخية، لكنها أصبحت الآن أقل مما كانت عليه خلال ثلاثة أرباع الاختراقات التي شهدناها في الأعوام الخمسة الماضية.
فإذا كنت تحب الأسهم عند مكرر ربحية يبلغ 23 مرة في أواخر 2025، فمن المفترض أنك تعشقها الآن!
مخاطر سياسية تهدد السوق
تنقسم المخاطر في الأساس إلى شقين.
أولاً، حتى إذا انحسرت صدمة الحرب مع إيران بسلاسة، فإن الثابت الوحيد في فترات رئاسة دونالد ترامب هو أن صدمة أخرى تكون دائماً على الأبواب.
وخلال الأشهر الثمانية عشر التي قضاها ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، شهدت الأسواق موجتي هبوط كبيرتين بنسبة 19% و9%، الأولى بسبب رسوم “يوم التحرير” الجمركية، والثانية بسبب إيران.
وليس من السهل إطلاقاً إحداث مثل هذه الموجات في سوق تتمتع بأساسيات قوية إلى هذا الحد.
وكان آخر مرة فقد فيها اختراق كبير زخمه بالفعل في 2018، عندما كان ترامب في ولايته الأولى يثير اضطرابات الأسواق بمغامراته الجيوسياسية.
أما الخطر الثاني، فيتمثل في أن زخم الأرباح لدى شركات الحوسبة فائقة النطاق، بما في ذلك “ألفابت”، و”ميتا بلاتفورمز”، قد يبدأ في التراجع.
ومن هذا المنطلق، فإن انخفاض مكررات الربحية المستقبلية يمثل إشارة تحذيرية لم يلتفت إليها محللو وول ستريت بعد.
وهذا احتمال وارد، لكن المستثمرين يستطيعون تقبل تباطؤ نمو الأرباح من 29% إلى 20% بسهولة أكبر كثيراً من تقبل تراجع فعلي في الأرباح.
وفي هذا السياق، يجدر اختتام الحديث بإحدى مقولات دريهاوس الأخرى، الواردة أيضاً في كتاب شواغر الشهير عن حكمة الأسواق: “لا تحاول استباق حركة السوق باختيار أفضل توقيت للبيع والشراء”.
والمقصود ليس أن هذا الاختراق يمثل فرصة شراء مضمونة، بل إن معظم المستويات القياسية التاريخية تمهد الطريق عادةً لمستويات قياسية جديدة، وأن الاحتمالات التاريخية لا تصب في مصلحة من يحاولون التفوق على السوق والبيع عند “القمة”.
وعندما استعادت السوق مستوياتها القياسية التاريخية بعد شهرين فقط من التطبيق المرتبك لرسوم “يوم التحرير” الجمركية العام الماضي، جعلت المخاطر السياسية غير المحسومة الشراء مع موجة الصعود يبدو تصرفاً متهوراً.
لكن بالنظر إلى ما حدث لاحقاً، بدا ذلك القرار بعيد النظر.
وكما قال دريهاوس: “العبرة هي أن ثمن البقاء خارج السوق في الأيام الخطأ باهظ، وبحكم الطبيعة البشرية، فإن تلك هي بالضبط الأيام التي يُرجح أن يكون فيها معظم الناس خارج السوق”.








