كم مرة سمعتَ شخصًا يقول: “المشروع ده كان فكرتي”، أو “الفكرة دي كانت عندي و كنت خلاص هعملها”، أو “سرقوا فكرتي ولاد اللذينا!”…
وبطبيعة الحال، هذا الكلام في عالم الأعمال لا قيمة له على الإطلاق “زي وجهة نظر الكابتن مدحت شلبي بالظبط 🙂 “
فالأمر كله مرتبطٌ بشيء أهم بكثير: قدرتك على تحويل هذه الفكرة إلى واقع.
وقدرتك على تحويل الفكرة إلى واقع مرتبطةٌ بثلاثة أشياء:
أولاً: أن تمتلك ما يُعرف بـالاستراتيجية (Strategy)
ثانياً: أن تمتلك خطة عمل (Business Plan)
ثالثاً: أن تمتلك نموذج عمل (Business Model)
والحقيقة أن كثيراً من الناس يخلطون بين هذه الثلاثة، فيشتبه عليهم الفرق بين خطة العمل والاستراتيجية ونموذج العمل. دعونا نُميّز بينها بإيجاز:
الاستراتيجية مرتبطةٌ في جوهرها بالتعامل مع المنافسين، والإجابة على أسئلة أساسية من قبيل: أين نحن الآن؟ وأين نريد أن نكون؟ وكيف نصل إلى هناك؟ وما أفضل مسار للوصول؟ وتقوم على ثلاثة محاور رئيسية: صياغة الاستراتيجية، وتنفيذها، والتحقق منها. وكلها تصبّ في مفهوم واحد هو “الميزة التنافسية”
الميزة التنافسية هي ما يُميّزك عن باقي القطيع، أو بعبارة أدق: السبب الذي يجعل الناس يُقبلون على شراء منتجك لأن لديك شيئاً مختلفاً عن المنافسين. لن يشتريك أحدٌ إن كنتَ تقدّم ما يقدّمه غيرك بالضبط؛ وكما يقول الفرنسيون: “C’est la même chose” — أي نفس الشيء. غير أنك حتى لو قدّمت نفس الشيء، يمكنك تقديمه بسعر أقل أو بسرعة أكبر، وهذا بحد ذاته ميزةٌ تنافسية
إذن، عليك البحث عمّا يُميّزك عن الآخرين، وستكون الكارثة أن يشتري منك الناس دون أن تعرف أنت السببَ! لأنك لن تستطيع الحفاظ على ما لا تعرفه
وقد قال جاك ويلش — الذي يُعدّ من أهم التنفيذيين في تاريخ الإدارة الحديثة — مقولةً بالغة الأهمية: “If you don’t have a competitive advantage, don’t compete” أي: إن لم تكن لك ميزة تنافسية، فلا تنافس!
يعني “انتي جايه هنا اشتغلي ايه؟”
الاستراتيجية في جوهرها تدور حول إيجاد هذه الميزة التنافسية التي تُميّزك عن القطيع. وإليك أمثلة على المزايا التنافسية التي تجعل الزبون يختارك:
- “أشتري من هنا لأن أسعارهم معقولة…”
- “أذهب إلى هنا لأن تنوّعه لا مثيل له عند غيره…”
- “أتعامل معهم لأن تعاملهم لطيف…”
- “أطلب التوصيل منهم لأنهم لا يتأخرون…”
كل هذه العناصر تُسمّى مزايا تنافسية يختارك العميل من أجلها، وهذه هي نواة و قلب الاستراتيجية
أما الأمر الثاني فهو خطة العمل (Business Plan)، وهي الخطة التنفيذية. وتشمل محاور كثيرة، أبرزها ثلاثة: العمليات، والتسويق، والمالية
أما الأمر الثالث فهو نموذج العمل (Business Model)، وقد يكون أهم الثلاثة جميعاً؛ لأن الآخرَين قابلان للتغيير بسرعة، وقد ذهب باحثو Harvard Business Review إلى أن الشركات تفشل بسبب غيابه، وأكد جيف بيزوس مؤسس “أمازون” أنه أهم من خطة العمل ذاتها
لماذا؟ لأن نموذج العمل هو القصة بعينها
نموذج العمل يُجيبك على السؤال: كيف ستكسب المال؟ من أين ستأتي به؟ كما يقول رجل الأعمال الأمريكي بطريقته الشهيرة: “Show Me The Money!”
المال يأتي من خلال نموذج يُحدّد: كيف تُقدّم القيمة لعميل معين، بطريقة محددة، تجعله يدفع لك بأسلوبٍ ما
وثمة أنواع متعددة جداً من نماذج العمل:
من شركة لشركة (B2B): شركة تتعامل مع شركة. كشركة توزيع تُوَرِّد لسوبر ماركت، فلا أفراد في المعادلة
من شركة لمستهلك (B2C): شركة تبيع مباشرةً للمستهلك النهائي. كمحل جوالات يبيع عميل بشكل مباشر — هذا B2C
من مستهلك لمستهلك (C2C): مستهلكٌ يبيع لمستهلك. كـ OLX حيث يبيع أحدهم سيارته المستعملة لزبون آخر، والطرفان مستهلكان، لكن في الوسط ثمة منصة تجمعهما
مستهلك لشركة (C2B): الفرد يبيع للشركة. كالعمل الحر (Freelancing)، حيث يقدّم المصوّر أو المصمّم خدماته للشركات من موقعه المستقل
مباشرةً للمستهلك (D2C): المصنع يبيع مباشرةً للمستهلك، بفتح منفذ بيع مباشر بأسعار مميزة، مستهدفاً فئة “المستهلك الواعي” (Savvy Consumer) الذي يبحث عن أفضل الأسعار
الاشتراك (Subscription): كما في Netflix وWatchit وAmazon وAnghami — جميعها قائمة على فكرة الاشتراك الدوري
النموذج المجاني المميز (Freemium): يجمع بين المجاني والمدفوع: جزءٌ مجاني تجريبي، وجزءٌ مدفوع للمميزات المتقدمة — بمعنى: “جرّب واشترِ لاحقاً.”
السوق الإلكتروني (Marketplace): هو في جوهره السوق التقليدي القديم، مثل سوق الأربعاء وسوق الجمعة، لكن في نسخته الافتراضية كـ Amazon — يجمع بائعين ومشترين على نطاق واسع.
المُجمِّع التجاري/ مُجمِّع الأعمال (Aggregator): يضمّ أنواعاً متعددة من الخدمات في منصة واحدة، كـ Uber الذي توسّع ليشمل Uber Eats
البيع بالتجزئة (Retail): التعامل المباشر مع المستخدم النهائي، كـ Walmart و Carrefour وسواها من السلاسل الكبرى
الامتياز التجاري (Franchise): كـ McDonald’s في مصر الذي تملكه مجموعة منصور بموجب عقد امتياز. وفي هذا النموذج طرفان: المرخِّص (Franchisor) صاحب العلامة التجارية، والمرخَّص له (Franchisee) مستثمر الامتياز، مقابل رسوم (Royalty Fees) نسبية أو مقطوعة سنوياً
التصنيع (Manufacturing): إنتاج وبيع المنتجات كـ Samsung وToyota، وإن كانت تكاليفه ضخمة
الشحن المباشر (Drop Shipping): بيعٌ دون امتلاك مخزون، إذ يشحن المورّد مباشرةً للمشتري وتكسب الفارق في السعر
التراخيص (Licensing)
الإعلانات (Ad-Based): كـ YouTube وFacebook وInstagram، تكسب أساساً من الإعلانات
التسويق بالعمولة (Affiliate): يحصل المسوّق على عمولة مقابل الترويج
السمسرة (Brokerage): سمسرة العقارات، سواء شركات كبرى أو سمسار فرد يعرف منطقته جيداً
الطلب الفوري/ الخدمات عند الطلب (On-Demand): كـ Uber، تطلب الخدمة فتصلك فوراً
هل يتعيّن عليك الالتزام بنوع واحد؟ لا. يمكنك المزج بين هذه النماذج لتخلق نموذج عملك الخاص. فالشركات الكبرى اليوم تمزج بين نماذج عدة: تبيع جزءاً بنموذج B2B وجزءاً بنموذج B2C. أما إن كنتَ تعمل باستقلالية، فتختار نموذجاً واحداً يناسبك
والشاهد أنه إن لم يكن نموذج عملك راسخاً وواضحاً — أي إن لم تعرف من تخدم وكيف تُقدّم القيمة وماذا يدفع عميلك — فلن تصل إلى أي مكان. وإن سألتَ أحداً عن نموذج عمله فلم يُجب، فإنه ليس مؤهلاً بعدُ للشروع في عمله
إذن أنت بحاجة حتماً إلى الإجابة على الثلاثة: الاستراتيجية، وخطة العمل، ونموذج العمل
فحين تعرف من تُخاطب، ستعرف كيف تبيع له. وحين تعرف كيف تبيع، ستعرف ماذا تبيع. وحين تعرف ماذا تبيع، ستعرف ما الذي يُميّزه، فتعرف بأي سعر تبيع. وحين تفكر في السعر، ستراجع تكلفتك فتعرف أرباحك، فتستطيع الاستمرار…
وإلا، فأنصحك بالتفكير في شيء آخر، لأن عالم الأعمال له معاييره. والأخذ بالأسباب يقتضي أن يكون لديك نموذج عمل واضح وقوي ومُقنِع، يُشعر عميلك بأن ما يدفعه يُساوي ما يحصل عليه
الناس لا يدفعون إلا لما يشعرون بقيمته
هذا الحديث يذكرني بأغنية “لاموني اللي غاروا مني” ليبية الأصل، غنّاها ولحّنها الفنان التونسي الكبير الهادي الجويني عام 1955، وكتب كلماتها الشاعر الليبي بشير فهمي الفُحيمة، التي كان مطلعها:
“لاموني اللي غاروا مني… قالولي: وش عجبك فيها؟
جاوبت اللي جهلوا فني… خدوا عيني شوفوا بيها.”
وتعود جذور القصة التي ألهمت هذه الأغنية إلى أوائل القرن العشرين في ليبيا، وتحديداً في قبيلة المحاميد، حين أحضر قائد القبيلة إلى منزله جاريةً سمراء لتقوم على شؤون البيت. فوقع ابن القائد في حبّ هذه الفتاة حبّاً جنونياً، وتمسّك به رغم رفض أبيه والقبيلة رفضاً قاطعاً بسبب الفارق الاجتماعي. وقد تعدّدت الروايات حول مصير هذا الحب؛ فقيل إنه هرب بها إلى تونس، وقيل إن الأب نفاهما أو أبعد الفتاة، وبقيت النهاية طيّ الكتمان
تأثّر الشاعر بشير فهمي بهذه القصة الواقعية، فنسج كلماتٍ متناغمة تعبّر عن التحدّي والتمسّك بالحبيب، ووضع لها الهادي الجويني لحناً مستوحىً من الأجواء الطربية والإيقاعات المغاربية والأندلسية الخالدة. وقد حقّقت الأغنية نجاحاً ساحقاً وتناقلتها الأجيال، وأعاد تقديمها لاحقاً كبار النجوم مثل لطفي بوشناق وماجدة الرومي وغالية بن علي
“The beauty lies in the eye of the beholder” — الجمال يقع في عين الناظر، وكذلك القيمة، قيمة المنتج تقع في عيني المستهلك.المستهلك لن يشتري ما لا يرى له قيمة…








