تتحدث الحكومة كثيرًا عن توطين صناعة الهواتف المحمولة، وزيادة الإنتاج المحلي، وجذب شركات عالمية لإنشاء خطوط ومصانع داخل مصر، وهي خطوات مهمة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وزيادة القيمة المضافة المحلية، لكن وسط كل هذه التحركات، يظل سؤال آخر أكثر أهمية حاضرًا: أين الهوية الصناعية المصرية في صناعة الهواتف؟.
ليس المقصود هنا أن تصبح مصر قادرة فقط على تجميع أجهزة تحمل علامات تجارية عالمية، وهو ما نجحت فيه بالفعل خلال السنوات الماضية، وإنما أن تمتلك شركات محلية حقيقية تستطيع بناء علامة مصرية في سوق التكنولوجيا، وتطوير منتجاتها، والتوسع بها داخل السوق وخارجها.
فمصر لديها تاريخ طويل في بناء صناعات تحمل أسماءها، واستطاعت على مدار عقود تكوين شركات وعلامات ارتبطت بالصناعة المحلية في قطاعات مختلفة، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر صناعة الغزل والنسيج، فلماذا لا يتكرر الأمر في صناعة الهواتف؟.
إذا كانت الدولة تستهدف زيادة حجم الإنتاج المحلي من الهواتف إلى أكثر من 15 مليون جهاز بنهاية العام الجاري، والوصول بالإنتاج إلى 30 مليون جهاز بحلول 2028، بالتزامن مع رفع نسبة المكون المحلي تدريجيًا إلى 45%، فلماذا لا يكون من بين هذا الإنتاج جزء يحمل علامة مصرية قادرة على المنافسة؟.
الهوية تبدأ عندما يصبح لدينا منتج مصرى، وشركة مصرية، وتكنولوجيا تستطيع أن تجد لنفسها مكانًا في السوق المحلى والخارج
السوق المصرية كبيرة، والطلب على الهواتف مستمر، والكوادر الهندسية والتكنولوجية موجودة، كما أن هناك قاعدة صناعية تتوسع بالفعل في مجال التجميع، لكن ما ينقص المشهد هو الانتقال من مفهوم «صنع أو جُمع في مصر» إلى مفهوم أكثر عمقًا وهو «علامة مصرية صُنعت في مصر».
وقد يتبادر إلى ذهن القارئ تجربة شركة «سيكو»، التي كانت من أوائل المحاولات المصرية لإنشاء علامة محلية للهواتف المحمولة، وأعلنت عن إنتاج هواتف في مصر مطلع عام 2018، في خطوة كان يمكن أن تمثل بداية لمسار أوسع تظهر من خلاله شركات مصرية أخرى في هذا القطاع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: أين «سيكو» من المشهد المحلي للهواتف؟ ولماذا لا تفصح عن حجم أعمالها أو صادرتها؟.
الشركة تحدثت عن تركيز أكبر على التصدير إلى الأسواق الأفريقية وهو أمر جيد، لكن بلا معلومات أو أرقام قد تجذب شركات جديدة وتشجعها أو تلفت انظار المستثمرين إليها.
فحضور علامتها بشكل عام لم يعد بنفس الوضوح الذي صاحب إطلاقها في البداية، وهو ما يطرح تساؤلًا أوسع حول قدرة العلامات المصرية على الاستمرار وبناء قاعدة قوية من المستهلكين داخل السوق المحلية.
لا يمكن بناء هوية صناعية من خلال شركة واحدة فقط، كما أن وجود مصنع أو خط إنتاج لا يكفى وحده لبناء هذه الهوية.
والسؤال لا يتعلق بـ«سيكو» وحدها، أين الشركات المصرية الأخرى التي كان يمكن أن تظهر لتنافسها، وتخلق سوقًا محليا حقيقيا للعلامات المصرية؟.
لا يمكن بناء هوية صناعية من خلال شركة واحدة فقط، كما أن وجود مصنع أو خط إنتاج لا يكفي وحده لبناء هذه الهوية.
وجود شركتين أو ثلاث أو أكثر بعلامات مصرية، تتنافس فيما بينها على تطوير المنتجات والأسعار والتكنولوجيا وخدمة ما بعد البيع، يمكن أن يخلق صناعة أكثر نضجًا، بدلًا من أن يظل الجزء الأكبر من المشهد قائمًا على شركات عالمية تنتج أو تجمع أجهزتها داخل مصر. المسألة هنا ليست مجرد «اسم مصري» يوضع على الهاتف.
الهوية الصناعية الحقيقية تعني امتلاك الشركة للمعرفة والخبرة والتصميم والتطوير، وبناء سلاسل توريد، وتطوير البرمجيات والخدمات، وفهم احتياجات المستهلك المحلي، ثم استخدام السوق المصرية كنقطة انطلاق للتوسع في أسواق أخرى.
وهذا هو الفارق بين أن تكون مصر موقعًا للإنتاج، وأن تصبح مركزًا لصناعة التكنولوجيا.
قد تقول الشركات إن المنافسة مع عمالقة الهواتف العالمية ليست سهلة، وهذا صحيح، لكن بناء صناعة محلية لا يعني بالضرورة الدخول مباشرة في منافسة مع أغلى وأحدث الهواتف العالمية.
يمكن أن تبدأ الشركات المصرية من الفئات الاقتصادية والمتوسطة، وهي الشرائح التي تمثل قاعدة واسعة من المستهلكين، وتطور منتجات مصممة وفق احتياجات السوق المصرية والأسواق الإقليمية التي تتشابه معها في مستويات الدخل وطبيعة الاستخدام.
هاتف عملي بسعر مناسب، وبطارية جيدة، وخدمة ما بعد البيع، وتحديثات برمجية منتظمة، ثم تطوير تدريجي للمنتج والعلامة.
قد لا تكون هذه الاستراتيجية الأكثر بريقًا في البداية، لكنها يمكن أن تكون أكثر ارتباطًا باحتياجات السوق.
والأهم أن الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تصنع الهاتف بنفسها، وإنما إلى خلق البيئة التي تسمح بظهور شركات مصرية قادرة على النمو.
هناك فرق بين جذب مصنع عالمي إلى مصر، وبين مساعدة شركة مصرية على بناء علامة قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
الأول يزيد الإنتاج المحلي ويوفر فرص عمل واستثمارات، وهو أمر مهم، أما الثاني، فيبني ملكية فكرية وعلامة تجارية وخبرة صناعية مصرية يمكن أن تستمر وتتوسع خارج حدود السوق المحلي.
ولذلك، فإن الحديث عن توطين صناعة الهواتف يجب ألا يتوقف عند أعداد الأجهزة التي يتم إنتاجها داخل مصر أو نسبة المكون المحلي.
الأسئلة الأهم يجب أن يكون: كم علامة مصرية حقيقية نمت من هذه الصناعة؟، وكم شركة مصرية تمتلك تصميمًا ومنتجًا وتكنولوجيا وعلامة تجارية تستطيع المنافسة في الأسواق العربية والأفريقية؟.
إذا كانت مصر تمتلك طموحًا للوصول إلى إنتاج عشرات الملايين من الهواتف، فإن وجود شركة مصرية واحدة أو اثنتين أو أكثر بحجم مؤثر يجب أن يكون جزءًا من هذا الطموح.
فالدول التي بنت صناعات تكنولوجية قوية لم تكتفِ باستضافة مصانع الشركات العالمية، وإنما نجحت في خلق شركاتها وعلاماتها الخاصة، والهدف في النهاية ليس استبدال الشركات العالمية أو مطالبتها بالخروج من السوق المصرى.
على العكس، وجودها مهم لنقل الخبرات، وزيادة الاستثمارات، وتطوير العمالة، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على التصدير، لكن وجود هذه الشركات يجب أن يسير بالتوازي مع ظهور شركات مصرية تستطيع الاستفادة من هذه المنظومة، ثم بناء قدراتها الخاصة. فمصر لا تحتاج فقط إلى أن تقول إن الهاتف «صُنع في مصر».
تحتاج في مرحلة ما إلى أن يقول المستهلك في مصر والمنطقة: «هذا هاتف مصري»، ويعرف اسم الشركة التي صنعته، ويثق في منتجاتها، ويرى أنها جزء من الصناعة المصرية، وليس مجرد نتيجة لوجود مصنع أجنبي على الأراضي المصرية.
وهنا تصبح قضية الهواتف أكبر من مجرد سوق استهلاكية أو صناعة تجميع؛ تصبح قضية هوية صناعية.
فكما استطاعت مصر أن تترك بصمتها في صناعات وقطاعات مختلفة، لا يوجد ما يمنع من أن يكون لها أكثر من اسم مصري في صناعة التكنولوجيا والهواتف. ربما كانت «سيكو» إحدى البدايات، لكن البداية وحدها لا تكفي.
الهوية تبدأ عندما يصبح لدينا منتج مصري، وشركة مصرية، وعلامة مصرية، وتكنولوجيا مصرية تستطيع أن تجد لنفسها مكانًا في السوق المحلية، ثم تنطلق منها إلى الخارج.






