تواصل البنوك المركزية تعزيز حيازاتها من الذهب، في وقت لا تتحرك فيه صناديق الاستثمار والمستثمر بالوتيرة نفسها، لتبرز مفارقة مهمة في السوق: هل أصبحت مشتريات المؤسسات النقدية بمثابة «إشارة شراء» يستند إليها المستثمر، أم أن قراراته تظل رهينة لحسابات العائد والفائدة والدولار؟
وتكتسب هذه المفارقة أهمية مع إضافة البنوك المركزية 289 طنًا إلى احتياطياتها خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 62% على أساس سنوي، مقابل خروج نحو 45 طنًا من صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب خلال الفترة نفسها.
وبينما ينظر البنك المركزي إلى الذهب كأصل استراتيجي يمكن الاحتفاظ به لسنوات بهدف تنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر، يتعامل المستثمر مع المعدن باعتباره جزءًا من محفظة قابلة لإعادة التوزيع وفق تغيرات الأسعار وأسعار الفائدة والدولار والعوائد الحقيقية.
مشتريات البنوك.. «إشارة شراء» للمستثمر؟
وترى حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن مشتريات البنوك المركزية تحمل تأثيرًا يتجاوز حجم الطلب الذي تضيفه فعليًا إلى السوق، إذ تمثل في الوقت نفسه رسالة ثقة يمكن أن تنعكس على سلوك المستثمرين.
وقالت لـ«البورصة»، إن زيادة مشتريات البنوك تعزز جاذبية المعدن لدى المتعاملين، خاصة عندما تأتي هذه المشتريات في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمي والعملات وأسعار الفائدة.
وأضافت أن المستثمرين ينظرون عادة إلى تحركات المؤسسات الكبرى باعتبارها أحد المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها عند اتخاذ قرارات الاستثمار، وبالتالي فإن الإعلان عن استمرار البنوك المركزية في تكوين مراكز من الذهب قد يدفع شريحة من المستثمرين إلى زيادة مشترياتهم أو الاحتفاظ بما لديهم من المعدن بدلًا من البيع.
رمسيس: المشتريات الرسمية تُطلق «رسالة ثقة» وتدعم سيكولوجية الشراء لدى المستثمرين
وأوضحت أن تأثير هذه المشتريات لا يتوقف عند آلية العرض والطلب المباشر، وإنما يمتد إلى سيكولوجية السوق؛ فالمستثمر عندما يرى أن مؤسسة نقدية تمتلك احتياطيات ضخمة وتتبنى استراتيجية طويلة الأجل لزيادة حيازتها من الذهب، قد يعتبر ذلك إشارة إلى أن المعدن لا يزال يتمتع بأهمية استراتيجية.
وأشارت إلى أن بعض المستثمرين قد يتجهون إلى الشراء اقتداءً بتحركات البنوك المركزية، في حين قد يفضل آخرون تأجيل البيع انتظارًا لمستويات سعرية أعلى، بما يضيف دعمًا للطلب ويحد من الضغوط البيعية.
لكن اتباع المستثمر لتحركات البنك المركزي لا يعني بالضرورة أن قراره الاستثماري أصبح مطابقًا لقرار المؤسسة النقدية؛ فلكل طرف أفق زمني وأهداف مختلفة، وهو ما يجعل تأثير المشتريات الرسمية أقوى على ثقة السوق واتجاهاته طويلة الأجل، وليس بالضرورة على قرارات الدخول والخروج اليومية.
الفائدة والدولار.. متى يتراجع تأثير «إشارة» البنوك؟
ورغم قدرة مشتريات البنوك المركزية على تعزيز الثقة في الذهب، فإنها لا تكفي وحدها لتحديد توقيت دخول المستثمرين إلى السوق، إذ تظل قراراتهم مرتبطة بدرجة أكبر بالعائد المتوقع مقارنة بالبدائل الاستثمارية المتاحة.
وترى حنان رمسيس أن حركة الدولار والسياسة النقدية الأمريكية تمثلان عاملين حاسمين في تحديد جاذبية الذهب، إلى جانب المشتريات الرسمية، موضحة أن تراجع الدولار أمام سلة من العملات يعزز جاذبية المعدن، خاصة عندما تتراجع جاذبية أدوات الدين الأمريكية.
وأضافت أن بعض البنوك المركزية تستغل فترات انخفاض أسعار الذهب لبناء مراكز جديدة، وهو ما يعكس اختلافًا جوهريًا بين أهدافها وأهداف المستثمرين؛ فالمؤسسة النقدية يمكنها الشراء بهدف إعادة هيكلة الاحتياطي حتى عند مستويات سعرية مرتفعة، بينما يقارن المستثمر بين سعر الذهب الحالي والعائد الذي يمكن تحقيقه من الأسهم أو السندات أو غيرها من الأصول.
وتوقعت رمسيس استمرار البنوك المركزية في دعم الطلب على الذهب حتى مع ارتفاع الأسعار، مشيرة إلى إمكانية استمرار عمليات الشراء عند مستويات تتراوح بين 4200 و4300 دولار للأوقية، مع احتمال اتجاه بعض المؤسسات إلى جني الأرباح عند مستويات أعلى وإعادة إدارة مراكزها.
البنك المركزي يشتري للاحتياطي.. والمستثمر يشتري للعائد
وقال مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية بشركة أكيومن لإدارة الأصول، إن زيادة حيازات البنوك المركزية من الذهب تعكس تحولًا في إدارة الاحتياطيات الدولية، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالدولار وتصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وأضاف لـ«البورصة»، أن تراجع قيمة العملة الأمريكية خلال بعض الفترات، إلى جانب انخفاض جاذبية أدوات الدين الأمريكية، دفع البنوك المركزية إلى تعزيز الذهب باعتباره أصلًا للتحوط وتنويع مكونات الاحتياطي.
وأوضح أن الذهب يتمتع بميزة تختلف عن أدوات الدين والعملات الأجنبية، إذ لا يمثل التزامًا مباشرًا على دولة أخرى، ما يمنحه أهمية خاصة ضمن الاحتياطيات الرسمية، كما يمكن تسييله عند الحاجة لتوفير العملات الأجنبية أو تلبية احتياجات طارئة من السيولة.
وأكد أن أهمية الذهب بالنسبة للبنك المركزي لا ترتبط بالضرورة باحتمالات ارتفاع سعره، وإنما بقدرته على أداء وظيفة احتياطية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة.
الدماطى: «المركزيات» تبنى أفقاً استراتيجية والصناديق تلاحق عوائد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى
قالت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية ونائب رئيس مجلس إدارة بنك مصر الأسبق، إن هذا الاختلاف في الهدف يفسر تباين حركة البنوك المركزية وصناديق الاستثمار، موضحة أن البنوك تمثل المشتري الاستراتيجي للذهب، بينما تتحرك الصناديق بصورة أسرع وفق تغيرات السوق وتوقعات المستثمرين.
وأضافت لـ«البورصة»، أن تأثير صناديق الاستثمار يكون أكثر وضوحًا في حركة الأسعار قصيرة الأجل، في حين يمتد تأثير الطلب السيادي إلى الأجل الطويل، باعتباره جزءًا من استراتيجية إدارة الاحتياطيات.
وأوضحت أن المستثمر يستطيع إعادة توزيع محفظته بين الذهب والأسهم وأدوات الدين خلال فترة قصيرة، وبالتالي فإن ارتفاع مشتريات البنوك المركزية قد يعزز قناعته بأهمية الذهب على المدى الطويل، لكنه لا يفرض عليه قرار الشراء في توقيت محدد.
وأشارت إلى أن جزءًا من التراجعات الأخيرة في الذهب يمكن تفسيره بإعادة توجيه السيولة نحو أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الأسواق الأمريكية، ما يعكس قدرة المستثمرين على نقل أموالهم بين فئات الأصول بسرعة أكبر بكثير من قدرة البنوك المركزية على تغيير استراتيجيات احتياطياتها.
289 طنًا لم تمنع خروج الصناديق
وقال أحمد أبوالخير، الخبير المصرفي، إن اختلاف الأفق الزمني يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء التباين بين سلوك البنوك المركزية وصناديق الاستثمار.
وأضاف لـ«البورصة»، أن شراء البنوك المركزية للذهب لا يرتبط عادة بالسعي إلى تحقيق أرباح سريعة، وإنما بإدارة الاحتياطيات وتنويع مكوناتها وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.
في المقابل، تستطيع صناديق الاستثمار إعادة توزيع محافظها بسرعة استجابة لتغيرات أسعار الفائدة والدولار والعوائد الحقيقية وتوقعات التضخم والمخاطر.
وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الربع الثاني، عندما أضافت البنوك المركزية 289 طنًا إلى احتياطياتها، بينما سجلت صناديق الذهب المتداولة تدفقات خارجة بنحو 45 طنًا.
وأوضح أبو الخير أن خروج هذه الكمية من الصناديق لم يؤد إلى انهيار السوق، إذ ظل إجمالي الطلب العالمي مستقرًا، واستمرت البنوك المركزية في الشراء، بينما بلغ الطلب على السبائك والعملات نحو 307 أطنان.
متى تتحول الصناديق من متابع إلى محرك للسعر؟
وأشار أبو الخير إلى أن الصناديق يمكن أن تضخم موجة الهبوط، لكن من الصعب تحديد حجم معين من التدفقات الخارجة يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض محدد في الأسعار.
وأوضح أن تأثير التدفقات يعتمد على سيولة السوق، وحجم المراكز المضاربية، واتجاه الدولار، والعوائد الحقيقية، وتوقعات الفائدة، ومدى استعداد المستثمرين الآخرين للبيع أو الشراء.
وأضاف أن الخطر يرتفع إذا تحولت التدفقات الخارجة إلى موجة مستمرة من الاستردادات، بالتزامن مع ارتفاع الدولار والعوائد الحقيقية وتراجع جاذبية الذهب كملاذ آمن.
وعندها يمكن أن تنتقل الصناديق من مجرد الاستجابة لاتجاه السوق إلى لعب دور في تسريع الحركة نفسها، سواء صعودًا أو هبوطًا.
زرعى: تجميد الأصول الروسية حوّل الذهب إلى «درع حماية» ضد توظيف العملات سياسياً
وقال أسامة زرعي، محلل أسواق الذهب والمدير الإقليمي لشركة «جولد إيرا»، إن التحول المتزايد نحو الذهب في احتياطيات البنوك المركزية اكتسب زخمًا عقب تجميد جزء من الاحتياطيات الروسية المقومة بالدولار على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية.
وأضاف لـ«البورصة»، أن هذه التطورات أثارت مخاوف لدى عدد من الدول بشأن إمكانية استخدام العملات والأصول الاحتياطية كأداة سياسية، ما دفع بعض البنوك المركزية إلى إعادة النظر في توزيع أصولها والبحث عن أدوات تقلل مخاطر التركز في عملة واحدة.
وأشار إلى أن زيادة المشتريات رفعت وزن الذهب داخل محافظ الاحتياطيات العالمية، معتبرًا أن الطلب الرسمي على المعدن أصبح الجزء الأكثر رسوخًا في إدارة الاحتياطيات، وليس مجرد تحرك مؤقت مرتبط بمستويات الأسعار.
وأوضح أن الصين من أبرز المشترين خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب روسيا وسنغافورة، لافتًا إلى استمرار الصين في زيادة حيازتها من الذهب خلال النصف الأول من 2026.
وأضاف أن مشتريات الصين لا ترتبط بتنويع الاحتياطي وتقليل الاعتماد على الدولار، وإنما تتصل كذلك برغبتها في تعزيز موقعها داخل سوق الذهب العالمي، خاصة مع مساعي تطوير هونج كونج كمركز رئيسي لتجارة الذهب في آسيا.
الذهب يرتفع داخل الاحتياطى.. لكن الدولار لا يخرج
لكن زيادة حيازة الذهب لا تعني بالضرورة أن البنوك المركزية تستعد للتخلي عن الدولار، حسبما قالت شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، وقالت لـ«البورصة»، إن الذهب لايزال أصلًا مكملًا للدولار وليس بديلًا عنه، لأن العملة الأمريكية تؤدي وظائف لا يستطيع الذهب القيام بها، من بينها تمويل التجارة الدولية وإدارة السيولة اليومية وتنفيذ السياسة النقدية والتدخل في أسواق الصرف.
وأضافت أن البنك المركزي يستطيع زيادة حيازته من الذهب والدولار في الوقت نفسه إذا ارتفع إجمالي الاحتياطيات الأجنبية، وبالتالي فإن صعود وزن الذهب داخل الاحتياطي لا يعني بالضرورة انخفاض حيازة الدولار بالقيمة نفسها.
وأوضحت أن تنويع المخاطر يأتي في مقدمة دوافع زيادة الذهب، يليه العامل الجيوسياسي والرغبة في تقليل الاعتماد على أصل واحد.
وتوقعت أن يؤدي استمرار المشتريات الرسمية إلى ارتفاع الوزن النسبي للذهب داخل الاحتياطيات العالمية تدريجيًا، لكنها استبعدت حدوث تغيير جذري في هيكل الاحتياطيات، في ظل استمرار حاجة الدول إلى العملات الأجنبية لتمويل التجارة وإدارة أسواق الصرف.
نجلة: الإنتاج المحلى يعزز احتياطيات الدول وتسييل الذهب يظل خياراً لطوارئ السيولة
وقال محمود نجله، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، إن دولًا مثل روسيا والصين تمتلك إنتاجًا محليًا يمكن توجيه جزء منه إلى الاحتياطيات الرسمية، بينما تعتمد دول أخرى مثل بولندا وتركيا والهند بدرجة أكبر على شراء الذهب من الأسواق العالمية.
وأضاف لـ«البورصة»، أن وجود إنتاج محلي يمنح الدول المنتجة ميزة في بناء الاحتياطيات، لأنه يسمح بإضافة الذهب إلى الأصول الرسمية دون الحاجة إلى توفير الكميات نفسها من النقد الأجنبي لشراء المعدن من الخارج.
وأشار إلى أن بعض الدول قد تضطر في ظروف معينة إلى تسييل جزء من احتياطيات الذهب لتوفير الدولار، خاصة عند تعرض موارد النقد الأجنبي لضغوط أو ارتفاع تكلفة الواردات.
وبالتالي، فإن استمرار الاتجاه العام نحو زيادة حيازات الذهب لا يعني اختفاء عمليات البيع، وإنما يعكس تحول الشراء إلى عنصر أكثر حضورًا في استراتيجية إدارة الاحتياطيات، مع احتفاظ البنوك المركزية بالقدرة على إعادة موازنة محافظها وفق احتياجاتها.
هل تستطيع البنوك المركزية وحدها دفع الذهب إلى الصعود؟
ويرى سيف بهجت، مدير الشراكات بشركة «سند بارتنرز» المتخصصة في الاستثمار، أن البنوك المركزية والصناديق السيادية تمثل أحد أهم الأطراف المؤثرة في تسعير الذهب، نظرًا لطبيعة مشترياتها طويلة الأجل.
وأضاف لـ«البورصة»، أن دخول سيولة جديدة إلى سوق الذهب، سواء من المؤسسات الرسمية أو صناديق الاستثمار، يدعم مستويات الأسعار من خلال آلية العرض والطلب، لكن دوافع كل طرف تختلف.
وأوضح أن صعود الذهب قد يدفع الأفراد أيضًا إلى زيادة حيازاتهم عندما ترتفع الضغوط التضخمية وتتراجع القوة الشرائية للعملات، وهو ما يضيف طبقة أخرى من الطلب إلى السوق.
وتزداد أهمية هذا العامل مع محدودية قدرة المعروض على الاستجابة السريعة لارتفاع الطلب، إذ إن تطوير مناجم جديدة وزيادة الإنتاج يحتاجان إلى سنوات طويلة، ما يجعل أي استمرار في الطلب الرسمي والاستثماري أكثر قدرة على دعم الأسعار على المدى الممتد.







