تسعى شركات الدفاع الكبرى إلى إنتاج صواريخ أقل تكلفة وبوتيرة أسرع، بعدما كشفت حرب إيران الضغوط التي تتعرض لها مخزونات صواريخ “باتريوت” الاعتراضية الحيوية، بينما تقدم الشركات الأصغر خيارات بأسعار معقولة.
شركات الصناعات الدفاعية الكبرى تعيد تصميم منتجاتها وعملياتها التصنيعية، وتتعاون مع بعض الشركات الأصغر لتقديم بدائل للمقذوفات “فائقة التطور” المكلفة والمعقدة والبطيئة الإنتاج، التي قد يتجاوز سعر الواحد منها 4 ملايين دولار.
انت شركات “بوينج” (Boeing) و”لوكهيد مارتن” (Lockheed Martin) و”نورثروب جرومان” (Northrop Grumman) و”رايثيون” (Raytheon)، التابعة لـ”آر تي إكس” (RTX Corp)، من بين الشركات التي عرضت خططها هذا الأسبوع في ندوة الدفاع الفضائي والصاروخي بمدينة هنتسفيل في ولاية ألاباما.
خيارات ميسورة التكلفة
قال جيم برايان، المدير التنفيذي للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل لدى “بوينغ”، في مقابلة: “نتطلع إلى تغيير النهج المتبع في بعض المنتجات”. وأضاف: “ننتج كثيراً من المنتجات فائقة التطور، وهذه المنتجات غالباً ما تكون مكلفة”، لكننا “نعمل بجد لتوفير خيارات ميسورة التكلفة ومتاحة بكميات كبيرة”.
على مدى عقود، أضافت صناعة الدفاع الأمريكية عناصر جديدة إلى الصواريخ، من بينها باحثات توجيه متزايدة التطور، وهي أجهزة استشعار في مقدمة الصاروخ تكتشف الأهداف وتتعقبها، إلى جانب تقنيات الدفع، بهدف المساعدة على التصدي لتهديدات متزايدة الصعوبة. لكن إنتاج هذه الصواريخ قد يستغرق سنوات، كما أن تكلفة كل منها تفوق بكثير تكلفة المسيّرات الهجومية الرخيصة أحادية الاتجاه التي تستخدمها إيران في الشرق الأوسط وروسيا في ضرباتها على أوكرانيا.
قلل الرئيس دونالد ترامب من شأن المخاوف المتزايدة بشأن تراجع مخزونات الذخائر الأميركية خلال الصراع المستمر مع طهران منذ خمسة أشهر، زاعماً أن شركات الأسلحة تنتج بمعدلات غير مسبوقة. وفي الوقت نفسه، طلبت وزارة الدفاع الأميركية من الكونغرس تمويلاً طارئاً لمجموعة من الأسلحة التي تحتاج مخزوناتها إلى التعويض.
“التكيف والتغيير أو الموت”
تواجه شركات الدفاع الكبرى، التي تتعرض بالفعل لضغوط من مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية من أجل “التكيف والتغيير أو الموت”، مهمة هائلة. فهي لا تحتاج فقط إلى زيادة الإنتاج، بل إلى خفض تكلفة الصواريخ بما يسمح باستمرار استخدامها في مواجهة المقذوفات الهجومية الأرخص، ونشر الأنظمة بالسرعة الكافية لمعالجة المخاوف بشأن النقص الحالي. ولا يزال معظم الخيارات الأقل تكلفة على بُعد عدة سنوات.
في الوقت نفسه، يحيط الغموض بالتمويل، إذ لا تزال طلبات الموازنة غير المسبوقة لوزارة الدفاع الأميركية معلقة في الكونغرس، حيث تتزايد الانتقادات لتداعيات حرب إيران.
عقود لشركات أصغر
في غضون ذلك، رحبت وزارة الدفاع الأميركية بالشركات الأحدث عهداً في قطاع الدفاع لتصميم صواريخ اعتراضية واختبارها سريعاً بتكلفة تعادل جزءاً بسيطاً من تكلفة الصواريخ الموجودة حالياً في المخزون الأمريكي. وخلال الأشهر الأخيرة، منحت الوزارة عقوداً لشركات أصغر، من بينها “كاستيليون” (Castelion Corp) و”أندوريل إندستريز” (Anduril Industries) و”كو أسباير” (CoAspire) و”زون 5″ (Zone 5).
قال العميد آر جي ميكيش، المسؤول عن مشتريات الأسلحة في الجيش الأمريكي: “قد تكون هذه واحدة من المشكلات الحاسمة في الحروب الحديثة؛ فلا يتطلب كل هدف استخدام أكثر المهام تطوراً، ولا ينبغي التصدي لكل تهديد بأغلى صواريخنا الاعتراضية”.
“بوينج” تخفض تكلفة باحثات توجيه الصواريخ
وللمنافسة على أساس التكلفة، تعمل “بوينج” على تطوير ما تصفه بأنه باحث توجيه للصواريخ “منخفض التكلفة للغاية”. وقال برايان إنه في حين يمثل هذا المكون عادةً نحو 30% من تكلفة المقذوف، يستخدم الباحث الجديد الأقل تكلفة مكونات تجارية، ومن المفترض ألا يمثل سوى نحو 10% من التكلفة الإجمالية.
اختبرت الشركة الباحث جواً على جسم صاروخي وطائرة، وتخطط لمحاولة تنفيذ عملية اعتراض العام المقبل.
“لوكهيد” تتوصل إلى نسخة معدّلة بنصف التكلفة
أعلنت “لوكهيد”، التي تصنع منظومة “باتريوت” ذات الطلب المرتفع، الشهر الماضي نسخة أقل تكلفة بكثير من صواريخها الاعتراضية المعروفة، المستخدمة في الشرق الأوسط وأوكرانيا.
يُعرف المقذوف الجديد باسم “المؤثر المعدّل لقدرات باتريوت المتقدمة-3″، أو “إيه سي إي” (ACE)، وتبلغ تكلفته نحو مليوني دولار، أي أقل من نصف تكلفة النسخة الأكثر تطوراً، وهي صاروخ “باك-3 إم إس إي” (PAC-3 Missile Segment Enhancement) البالغة 4 ملايين دولار.
قال جيسون رينولدز، نائب رئيس الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل في “لوكهيد”، إن نسخة “إيه سي إي” الأقل تكلفة توفر نحو ثلثي قدرات النسخة الأعلى، بحسب نوع التهديد ومدى الطيران.
نهج مختلف
تعمل “لوكهيد” أيضاً على تبسيط المكونات واستبدال التكنولوجيا الدقيقة التي تتطلب إصابة الصاروخ الاعتراضي للهدف مباشرةً، بنهج ينفجر فيه الصاروخ على مسافة قريبة بما يكفي لتعطيل الهدف. كما تستكشف عقد شراكات مع شركات غير تقليدية لإنتاج المكونات أو الصاروخ بأكمله، بحسب رينولدز.
وقال رينولدز: “يحب الناس الاعتقاد بأن (لوكهيد) ليست مرنة، وأننا غير قادرين ونستغرق وقتاً طويلاً، وأننا نتبع الأساليب القديمة”. وأضاف: “وُلد صاروخ إيه سي إي وصُمم وطُوّر خلال بضعة أشهر تقريباً”.
مع ذلك، تتوقع “لوكهيد” تنفيذ أول رحلة لصاروخ “إيه سي إي” الاعتراضي في مطلع 2028، على أن تصبح المنظومة جاهزة للإنتاج بعد نحو 18 شهراً، ما يبرز استمرار طول الجداول الزمنية لدى شركات الدفاع الكبرى.
ولا تزال تكلفته أعلى من المستوى الذي يستهدفه الجيش في حملته المتجددة للحصول على صواريخ اعتراضية منخفضة التكلفة. وعلى سبيل المقارنة، قد تبلغ تكلفة مسيّرات “شاهد” الإيرانية المستخدمة في إيران وأوكرانيا 30 ألف دولار.
“نورثروب جرومان” تجهز “ريد هانتر” للهجمات المختلطة
تناولت شركة “نورثروب جرومان” أيضاً مسألة “تكلفة إسقاط الهدف” هذا الأسبوع، عندما كشفت عن منظومة “ريد هانتر” (Raid Hunter)، وهي منظومة دفاع جوي جديدة موجهة قائمة على مدفع عيار 50 مليمتراً. وقال كين تودوروف، نائب رئيس حلول الدفاع الصاروخي في الشركة، إن المنظومة مصممة للتعامل بتكلفة أقل بكثير مع “سيناريوهات الهجمات المختلطة”، التي تشمل المسيّرات وصواريخ كروز.
“رايثيون” تقلص التكاليف
أعلنت “رايثيون”، التابعة لـ”آر تي إكس”، الأسبوع الماضي اتفاقاً مع “فوييجر تكنولوجيز” (Voyager Technologies) لتوفير تقنية دفع أقل تكلفة لصاروخها الاعتراضي “ستاندرد ميسايل-3” (Standard Missile-3). كما تواصل توسيع إنتاج صاروخ “كايوتي” (Coyote)، وهو صاروخ اعتراضي أقل تكلفة لمواجهة المسيّرات، ويُستخدم حالياً في الشرق الأوسط.
قال بوب كيلي، المدير الأول لحلول الدفاع البري والجوي لدى “رايثيون”، إن ذلك “يخفض منحنى التكلفة لتجنب استخدام” صواريخ “باتريوت” الاعتراضية المتطورة “في التصدي لمسيّرات معادية تكلفتها 100 ألف أو 50 ألف دولار وتهاجمك باستمرار”.








