رسّخت “جوجل” هيمنتها على البحث عبر الإنترنت، وفتحت أمام المستخدمين أبواباً واسعة للمعرفة المجانية، مستندةً إلى صفقة ذكية مع أصحاب المواقع الإلكترونية: اسمحوا لبرنامج الزحف التابع لها بفهرسة صفحاتكم، وفي المقابل توجّه “جوجل” القراء إليها.
لكن هذه المعادلة تبدو مختلفة تماماً اليوم، بعدما بدأت الشركة توظف بنيتها التحتية المتخصصة بالبحث في دعم منتجاتها للذكاء الاصطناعي.
هذه الممارسة، التي ظلت إلى حد كبير بعيدة عن الأنظار، تمنح الشركة أفضلية غير عادلة على شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى، وتسرّع في الوقت نفسه نمو حركة الزيارات الآلية على الإنترنت على حساب المستخدمين البشر.
إلا أن “جوجل” بدأت تواجه مقاومة من جهة تنظيمية بريطانية جريئة، فيما يقود لاعب بارز في القطاع حملة ضد هذه الممارسات، في تحركات قد تمهّد أخيراً لتغييرات ضرورية.
هيمنة “جوجل” على البحث تعزز تفوقها في الذكاء الاصطناعي
على مدى سنوات، جاب “جوجل بوت”، برنامج الزحف الآلي التابع للشركة، شبكة الإنترنت وحمّل صفحات المواقع لإضافتها إلى فهرس “جوجل” الضخم، ما أتاح لمحرك البحث عرض أحدث الصفحات وأكثرها صلة بعمليات البحث.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأت الحدود تتلاشى بين المحتوى الذي تجمعه “جوجل” لمحرك البحث، والمحتوى الذي تستخدمه لتوليد إجابات الذكاء الاصطناعي، إذ بات البرنامج نفسه يزوّد كلاً من نتائج البحث التقليدية وميزات البحث التوليدي المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالمحتوى.
يصل برنامج الزحف التابع لـ”جوجل” إلى محتوى على الإنترنت يفوق ما يصل إليه نظيره لدى “أوبن إيه آي” بنحو 3.2 مرة، ولدى “مايكروسوفت” بنحو 4.8 مرة، وفق ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي لشركة أمن الإنترنت “كلاود فلير”.
وتتحكم شركة برنس، في بوابة تمر عبرها حركة الزيارات لنحو خُمس شبكة الإنترنت، إذ تتولى إدارة هذه الحركة والتصدي لهجمات الجهات الخبيثة.
وقد برز برنس، منتقداً صريحاً لـ”جوجل” بسبب دمجها أنظمة البحث مع أنظمة جمع المحتوى من المواقع.
ويقول إن هذه الاستراتيجية تصعّب على الناشرين منع “جوجل” من استخدام محتواهم في الملخصات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن يخسروا في المقابل الزيارات التي تجلبها إليهم نتائج البحث العادية.
الذكاء الاصطناعي يزيح البشر عن الإنترنت
لهذه الأفضلية تبعات أوسع نطاقاً أيضاً.
فكلما ازداد اعتماد الذكاء الاصطناعي على قراءة محتوى الإنترنت وتلخيصه وإعادة صياغته، من دون إعادة القراء إلى الصفحات التي أنتجها البشر، تراجع الحافز الاقتصادي لإنتاج محتوى أصلي.
وبدأت هذه الآثار تنعكس بالفعل على أرقام بعض المواقع والناشرين.
فقد كشفت “ريتش”، إحدى أكبر مجموعات الصحف في بريطانيا، هذا الأسبوع أن الزيارات التي تصل إلى مواقعها عبر “جوجل” انخفضت بنحو النصف، مرجعة ذلك جزئياً إلى انتشار ميزة “ملخصات الذكاء الاصطناعي”.
استحوذت برامج الذكاء الاصطناعي الوكيلة على أكثر من 57% من حركة الإنترنت في 2026، مقابل نحو 42% للبشر، وفقاً لـ”كلاود فلير”، لتتجاوز بذلك حركة الآلات نظيرتها البشرية للمرة الأولى في تاريخ الإنترنت.
ويتوقع برنس أن تتسع هذه الفجوة أكثر خلال السنوات القليلة المقبلة، في مسار يتقاطع مع ما يُعرف بـ”نظرية الإنترنت الميت”، التي تفترض أن الآلات تتولى بصورة متزايدة إنشاء المحتوى على الإنترنت واستهلاكه.
ويقول برنس: “قد يصبح نشاط البشر على الإنترنت ضئيلاً إلى حد لا يُذكر، مقارنة بما تقوم به برامجهم الوكيلة وروبوتاتهم”.
إجابات الذكاء الاصطناعي تهدد صناع المحتوى
لا يزال استخدام برامج الذكاء الاصطناعي الوكيلة محصوراً إلى حد كبير في أوساط مطوري البرمجيات والشركات، لكن مارك زوكربيرج قال الأسبوع الماضي إن “ميتا بلاتفورمز” تعتزم قريباً إطلاق نسخة موجهة للمستهلكين عبر “فيسبوك ماسنجر” و”واتساب” و”إنستجرام”، “جاهزة للاستخدام وبسهولة تتيح لمليارات الأشخاص استخدامها”.
لا ضير في أن تنجز الروبوتات مهام مفيدة، لكن الإنترنت مهدد بأن يصبح أكثر سطحية وأقل أصالة، وفي نهاية المطاف أقل فائدة، إذا لم يعد البشر يُكافأون على مساهماتهم التي ستتلاشى مع الوقت.
وهنا يكمن تهديد نظام البحث الجديد من “جوجل”: ينتج البشر المحتوى، ثم تنسخه الآلات وتختصره في إجابات يولدها الذكاء الاصطناعي، فيما تحقق هذه الإجابات عوائد اقتصادية لا يصل منها شيء إلى أصحاب المحتوى الأصلي.
ضغوط تدفع “جوجل” لتغيير ممارساتها
أمكن لـ”جوجل” معالجة هذه المشكلة ببساطة، عبر منح المواقع خيار طلب منع استخدام محتواها في ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن تفقد ظهورها في نتائج البحث التقليدية.
ودرست الشركة بالفعل إتاحة هذا الخيار في أبريل 2024، قبيل إطلاق ميزة “ملخصات الذكاء الاصطناعي”، لكنها تراجعت عنه لاحقاً، لأن الميزة كانت “تتجه نحو تحقيق الإيرادات”، وفقاً لشرائح داخلية كُشف عنها ضمن دعوى أميركية لمكافحة الاحتكار.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الشركة تواجه تبعات هذا القرار. ويقول برنس إن “كلاود فلير” وضعت الشركة أمام إنذار أخير: اعتباراً من 15 سبتمبر، ستحجب تلقائياً برامج الزحف التي تجمع بين أكثر من غرض لدى عملائها الذين تعتمد مواقعهم على الإعلانات.
وقد تفقد “جوجل” نتيجة لذلك إمكانية الوصول إلى ملايين المواقع التي تستخدم خدمات “كلاود فلير”.
تصاعدت الضغوط على “جوجل” من جانب هيئة مكافحة الاحتكار البريطانية.
ففي يونيو، ألزمت هيئة المنافسة والأسواق الشركة بمنح أصحاب المواقع خياراً واضحاً يتيح لهم منع استخدام محتواهم في ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن يحرمهم ذلك من الظهور في نتائج البحث التقليدية.
كما منعت “جوجل” من معاقبة المواقع التي تختار ذلك عبر خفض ترتيبها في نتائج البحث.
وقال برنس إن هناك “مؤشرات” إلى أن “جوجل” قد لا تكتفي بتطبيق هذا المعيار في المملكة المتحدة، بل تعممه على مستوى العالم.
وأكد لي متحدث باسم الشركة أنها تختبر بالفعل إعداداً جديداً يتيح للمواقع استبعاد محتواها من إجابات الذكاء الاصطناعي، من دون الإضرار بترتيبها في نتائج البحث، على أن يُطرح عالمياً بعد انتهاء الاختبارات في المملكة المتحدة.
ويمثل ذلك تحولاً مشجعاً عن الوضع القائم، الذي تفرض فيه كبرى شركات التكنولوجيا في العالم قواعدها الخاصة.
“جوجل” مطالبة بفصل البحث عن الذكاء الاصطناعي
لكن برامج الزحف التابعة لـ”جوجل” لا تزال مدمجة تقنياً، إذ يتولى البرنامج نفسه جمع محتوى المواقع لفهرسته في محرك البحث، قبل أن يصبح هذا المحتوى متاحاً للاستخدام في ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وسيكون الحل الأفضل فصل برنامج الزحف إلى برنامجين مستقلين تماماً: أحدهما لفهرسة المحتوى في نتائج البحث التقليدية، والآخر لميزات البحث بالذكاء الاصطناعي.
وعندها، ستتمكن المواقع الإلكترونية من حجب محتواها عن استخدامات الذكاء الاصطناعي بنفسها ومن المصدر، بدلاً من الاعتماد على وعود “جوجل”، التي أظهرت شرائحها الداخلية لعام 2024 أنها قد تتبدل عندما تصبح الإيرادات على المحك.
وسيظل هذا الخيار أفضل أيضاً من البدائل الأكثر تشدداً، مثل فرض حظر شامل على جمع البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، أو توجيه مطالبة فضفاضة لشركات الذكاء الاصطناعي بالدفع للناشرين.
لا تزال “جوجل” تهيمن على 90% من سوق البحث، ما يجعلها فعلياً بوابة الإنترنت، لكن سعيها إلى استغلال هذه الهيمنة بات أكثر إشكالية في عصر الذكاء الاصطناعي.
ومع قليل من الحظ، قد تستمر الضغوط في دفع الشركة إلى تغيير ممارساتها نحو الأفضل.








