لا يفتقر المستثمرون إلى الأسباب التي تدفعهم إلى تنويع استثماراتهم بعيداً عن الولايات المتحدة.
فالدين العام الأمريكي يواصل الارتفاع، والاستقطاب السياسي يزداد حدةً، والسياسة التجارية باتت عصيةً على التنبؤ، فيما أصبحت سيادة القانون موضع شك. كما دفعت العقوبات المالية حكومات أخرى إلى البحث عن بدائل للدولار.
مع ذلك، لم تشهد الأسواق الأمريكية موجة نزوح واسعة.
فقد ظل الدولار الأمريكي يستحوذ على 56.8% من احتياطيات النقد الأجنبي الموزعة حسب العملات بنهاية عام 2025، كما استُخدم في 89.2% من إجمالي معاملات الصرف الأجنبي التي شملها مسح بنك التسويات الدولية.
عادةً ما تُعزى هذه الأرقام إلى حجم الاقتصاد الأمريكي، والحماية القانونية، والشركات المبتكرة، وعمق أسواق رأس المال، فضلاً عن تأثيرات الشبكة التي رسختها أدوار الدولار في التجارة والائتمان والمدفوعات والاحتياطيات، بحسب ما نقله موقع “بروجكت سنديكيت”.
العملة الأمريكية تستخدم في 89% من إجمالي معاملات الصرف الأجنبي
لكن القيد الأساسي يبدو واضحاً للعيان: حتى لو أراد العالم نقل عدة تريليونات من الدولارات إلى خارج الولايات المتحدة، فأين يمكن أن تتجه هذه الأموال؟
ولا تتمثل المشكلة في نقص الاقتصادات أو الأصول الواعدة، بل في محدودية قدرة الأنظمة المالية الأخرى على استيعاب عملية إعادة تخصيص ضخمة وسريعة لرؤوس الأموال من دون أن يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرارها.
يمكن النظر إلى القدرة الاستيعابية المالية على مستوى النظام باعتبارها قدرة السوق على استقبال تدفقات رأسمالية هائلة وتسعيرها والتحوط منها وتسويتها، دون التسبب في تحركات حادة بأسعار الأصول أو العوائد أو أسعار الصرف.
ولا تتوقف هذه القدرة على حجم الأوراق المالية المتاحة فحسب، بل تعتمد أيضاً على البورصات والبنوك والمتداولين وغرف المقاصة وأمناء الحفظ والجهات التنظيمية والمحاكم والمدققين والمحامين ومزودي البيانات، إلى جانب شبكات الأمان التي توفرها البنوك المركزية.
ويكتسب هذا التمييز أهميةً خاصةً لأن التنويع يُنظر إليه عادةً من زاوية المستثمر الفردي.
فبوسع صندوق تقاعد بيع سندات الخزانة الأمريكية وشراء سندات أوروبية، كما يستطيع بنك مركزي إضافة الذهب أو عملة أخرى إلى احتياطياته.
وتبدو هذه التحركات مباشرةً وسهلةً عندما تظل محدودة النطاق، لكن ماذا يحدث عندما تحاول آلاف المؤسسات الكبرى تنفيذ الخطوة نفسها في الوقت ذاته؟
عندها، ستقفز الأسعار في الأسواق المستقبلة، وتنخفض العوائد، وترتفع قيمة العملات.
كما ستصبح السندات عالية الجودة ذات آجال الاستحقاق المناسبة أكثر ندرةً، وترتفع تكاليف التحوط، وتبدأ القيود الاحترازية أو الحدود المرتبطة بالمؤشرات المرجعية في فرض نفسها.
وربما يتضح أن الأسواق التي تبدو عميقةً في الظروف الطبيعية ليست سوى أسواق ضحلة في مواجهة تدفقات استثنائية.
31.5 تريليون دولار لسوق الخزانة تمنح الولايات المتحدة أفضلية مطلقة
فما يبدو منطقياً لمستثمر واحد ربما يصبح مستحيلاً عندما يحاول جميع المستثمرين تنفيذه في الوقت نفسه.
وافتراض خلاف ذلك يعني الوقوع في مغالطة التركيب التقليدية.
وهنا تبرز الميزة الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة.
ففي يوليو 2026، بلغ حجم الأوراق المالية القائمة في سوق سندات الخزانة الأمريكية ما قيمته 31.5 تريليون دولار، بينما تجاوز متوسط التداول اليومي 1.2 تريليون دولار.
ولا تقتصر أهمية سندات الخزانة على كونها أدوات استثمارية، بل تؤدي أيضاً دور مخزن سائل للقيمة، وضمانات، ومعايير مرجعية للتسعير، وأدوات للوفاء بالمتطلبات التنظيمية.
وتحيط بهذه السندات بنية مؤسسية لا مثيل لها، قادرة على تسعير المعاملات الضخمة وتمويلها والتحوط منها وتسويتها.
ويولي المستثمرون القدرة على التخارج سريعاً أهميةً تكاد تعادل أهمية ضمان استرداد أموالهم.
أما عند النظر إلى البدائل، فتبدو الصورة مختلفةً.
فأوروبا تمتلك مؤسسات متطورة ومدخرات هائلة، لكن أسواق رأس المال فيها لا تزال مجزأةً، كما تفتقر إلى أصل آمن مشترك يماثل سندات الخزانة الأمريكية من حيث الحجم. ولهذا، لا يمثل اتحاد المدخرات والاستثمارات الأوروبي مجرد برنامج لتمويل الشركات الأوروبية، بل يشكل أيضاً أداةً ذات أهمية جيوسياسية.
بالمثل، تمتلك الصين سوقاً ضخمةً للسندات، لكن ضوابط رأس المال، وقابلية تحويل العملة الخاضعة للإدارة، ونفوذ الدولة، وحالة عدم اليقين المحيطة بحقوق المستثمرين، كلها عوامل تحد من قدرتها على استيعاب المحافظ الاستثمارية العالمية بحرية.
أما الأسواق الناشئة، فتواجه مفاضلةً أكثر حدةً، إذ يمكن للتدفقات الرأسمالية الكبيرة أن ترفع قيمة عملاتها، وتضخم أسعار الأصول، وتقوض العوائد التي جذبت المستثمرين إليها في المقام الأول.
وتفسر هذه القيود جزئياً سبب تقدم التعددية القطبية الجيوسياسية بوتيرة أسرع من التعددية القطبية المالية، فالإنتاج والتجارة يمكن إعادة توجيههما بسرعة نسبية، بينما تتشكل المنظومات المالية بصورة تراكمية.
فالحجم يجذب الجهات المصدرة والمستثمرين والوسطاء، ثم يؤدي وجودهم إلى توفير مزيداً من السيولة، التي تستقطب بدورها مزيداً من النشاط.
ومن ثم، لا تستند مركزية الدولار إلى أسبقيته أو الثقة فيه فحسب، بل تعتمد أيضاً على ميزة نسبية جرى بناؤها وترسيخها بمرور الوقت.
مع ذلك، لا تمثل هذه الميزة قانوناً ثابتاً لا يقبل التغيير، إذ يمكن أن تتآكل بفعل انعدام المسؤولية المالية، والهجمات على استقلال المؤسسات، والعقوبات التعسفية، واضطرابات الأسواق المتكررة، والمخاوف المرتبطة بالفساد الحكومي.
أظهرت التقلبات التي أعقبت إعلانات الرسوم الجمركية الأمريكية في أبريل 2025 أن المستثمرين ربما يفضلون التحوط من انكشافهم على الدولار بدلاً من الاندفاع إليه تلقائياً، لكن الرغبة في مغادرته والقدرة الفعلية على ذلك تظلان أمرين مختلفين تماماً.
“وول ستريت” ترسخ قوتها بتحويل المدخرات العالمية الضخمة إلى حقوق مالية سائلة قابلة للتداول والتحوط
بالنسبة إلى الدول الساعية إلى إقامة نظام مالي أكثر تعدديةً، يبدو الدرس المتعلق بالسياسات واضحاً، إذ لا تكفي أنظمة المدفوعات البديلة أو العملات الاحتياطية وحدها لتحقيق هذا الهدف.
وتحتاج أوروبا إلى تعميق التكامل، وزيادة الإصدارات المشتركة، وتوحيد قواعد الرقابة والإعسار.
كما يتعين على الاقتصادات الناشئة بناء منحنيات عائد بالعملات المحلية، وتطوير أسواق المشتقات والبنية التحتية للمقاصة والتسوية، وتوفير كميات أكبر من الأصول الموحدة.
يمكن لبنوك التنمية متعددة الأطراف أن تساعد في تجميع المشروعات، بما يشمل الاستثمارات في الصناعات الخضراء والبنية التحتية ورأس المال الطبيعي، وتحويلها إلى أدوات تستطيع المؤسسات العالمية شراءها فعلياً على نطاق واسع.
وفي نهاية المطاف، تستند قوة وول ستريت إلى شكل من أشكال القدرة الإنتاجية، يتمثل في تحويل حجم هائل من المدخرات العالمية إلى حقوق مالية سائلة قابلة للتداول والتحوط.
ولا يمكن ببساطة إعلان قيام نظام مالي متعدد الأقطاب، إذ سيظل العالم، إلى أن تتمكن الأسواق المنافسة من أداء هذه الوظائف على نطاق مماثل، راغباً في مغادرة وول ستريت بوتيرة أسرع من قدرته الفعلية على فعل ذلك.








