أظهرت مؤشرات حديثة، قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات مقارنة بالفترات السابقة، مع وصول صافي الاحتياطيات الدولية إلى 56.29 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، مقابل 55.07 مليار دولار في يونيو، بزيادة نحو 1.22 مليار دولار خلال شهر واحد، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
وتزامن ذلك مع تحسن عدد من مصادر النقد الأجنبي، إذ أشار “المركزي” إلى وصول تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 43.1 مليار دولار خلال الـ 11 شهرًا الأولى من السنة المالية 2025/ 2026، إلى جانب استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي والسياحة، فيما أسهمت مرونة سعر الصرف في امتصاص جزء من الضغوط الخارجية والحفاظ على السيولة الدولارية.
وكان صندوق النقد الدولي، قد أشار إلى تحسن الظروف الاقتصادية لمصر، مدعوما بزيادة تحويلات العاملين وإيرادات السياحة وتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي، مع استمرار تحسن ثقة الأسواق.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للجدارة الائتمانية لمصر، في ظل نجاح الدولة في الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وتحسن قدرتها على توفير النقد الأجنبي، إلى جانب انخفاض تكلفة المخاطر السيادية وتحسن شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين المصرية، وهي عوامل يرى محللون أنها قد تفتح الباب أمام تحرك مؤسسات التصنيف الائتماني نحو رفع التصنيف خلال الفترة المقبلة، حال استمر التحسن بصورة مستدامة.
وتُصنف مصر حاليًا عند مستوى “B” لدى كل من وكالتي التصنيف “إس آند بي جلوبال ريتينجز” و”فيتش ريتينجز”، مع نظرة مستقبلية مستقرة لدى المؤسستين.
وأكدت “إس آند بي” في أبريل 2026 تصنيف مصر عند “B/B” مع نظرة مستقرة، مشيرة إلى قوة الاحتياطيات مقارنة بالأزمات السابقة، ومرونة سعر الصرف واستمرار الحصول على دعم متعدد الأطراف.
أما “فيتش” فتُبقي التصنيف السيادي لمصر عند” B ” مع نظرة مستقرة، وترى أن مرونة سعر الصرف ساعدت الاقتصاد على امتصاص أثر التدفقات الخارجة وتقليل الضغط على الاحتياطيات، مع استمرار تحسن السيولة بالعملة الأجنبية.
في المقابل، تحتفظ “موديز” بتصنيف مصر عند “Caa1” مع نظرة إيجابية، ما يعني أن مصر ما زالت في درجة تصنيف أقل من “إس آند بي” و”فيتش”، إلا أن النظرة الإيجابية تشير إلى إمكانية اتخاذ إجراء تصنيفي صعودي إذا استمر تحسن المؤشرات الاقتصادية والمالية.
نجلة: السوق بدأ في تسعير التحسن قبل مؤسسات التصنيف نفسها
قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، إن صمود الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة أمام التطورات الجيوسياسية والضغوط الخارجية يمثل عاملًا إيجابيًا مهمًا جدًا في تقييم الجدارة الائتمانية لمصر.
أضاف لـ “البورصة”، أن الأهم ليس فقط نجاح مصر في الوفاء بالتزاماتها الخارجية في مواعيدها، وإنما تزامنه مع تحسن واضح في مؤشرات السيولة الخارجية، وارتفاع الاحتياطي النقدي إلى مستويات قياسية، واستمرار تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب التحسن الملحوظ في نظرة المستثمرين تجاه أدوات الدين المصرية.
وأوضح نجلة أن عقود مبادلة مخاطر الائتمان على الديون السيادية المصرية لأجل 5 سنوات تدور حاليًا حول 265 نقطة أساس، وهو مستوى يعكس تراجعًا ملموسًا في تقييم مخاطر الائتمان مقارنة بالمستويات السابقة.
وتابع : “هذه التطورات تضع مصر في موقف أفضل أمام مؤسسات التصنيف الائتماني، وقد تمهد بالفعل لرفع التصنيف الفترة المقبلة، خاصة إذا استمر هذا التحسن ولم يكن مجرد تحسن مؤقت مرتبط بظروف استثنائية”.
وأشار نجلة، إلى أن مؤسسات التصنيف الائتماني لا تنظر فقط إلى قدرة الدولة على سداد التزاماتها، وإنما تضع في اعتبارها أيضًا استدامة الدين، وخفض أعباء خدمة الدين، ومستوى العجز، واستدامة مصادر النقد الأجنبي، وكذلك قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
أضاف أن السؤال الحالي لم يعد فقط :”هل مصر قادرة على تجنب خفض التصنيف؟” وإنما أصبح “متى تبدأ مؤسسات التصنيف في ترجمة التحسن الذي حدث في المؤشرات الاقتصادية والمالية إلى رفع فعلي للتصنيف؟”.
لفت نجلة، إلى أن استمرار التحسن في الاحتياطيات وتدفقات النقد الأجنبي وانخفاض تكلفة الاقتراض السيادي، بالتوازي مع استمرار الإصلاحات المالية والاقتصادية، قد يجعل رفع التصنيف احتمالًا واقعيًا الفترة المقبلة.
وأكد أن الأهم هو أن السوق بدأ بالفعل في تسعير جزء من هذا التحسن قبل مؤسسات التصنيف نفسها، وهو ما يظهر في تراجع تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية وتحسن شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين المصرية.
شفيع: معظم مؤسسات التصنيف لديها حاليًا نظرة “مستقرة” تجاه مصر
وقال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث المالية بشركة أسطول القابضة، إن اندلاع الحرب الإيرانية أثر على الاقتصاد العالمي، وانعكس على معدلات التضخم، وفي مقدمتها التضخم في الولايات المتحدة، كما امتدت تداعياته إلى الاقتصاد المصري.
وأوضح أن مصر تأثرت بالتطورات العالمية والإقليمية، إذ شهدت معدلات التضخم ارتفاعًا، إلى جانب تعديل أسعار المحروقات والكهرباء، كما حدثت تحركات ملحوظة في استثمارات الأجانب بأدوات الدين المصرية، بين التخارج والعودة إلى السوق.
وهذه التحركات انعكست بشكل واضح على سعر الصرف، خاصة في ظل تبني البنك المركزي المصري نظامًا مرنًا لسعر الصرف، إذ تحرك الجنيه إلى نطاق 54 و55 جنيهًا للدولار خلال فترة الاضطرابات.
وأشار شفيع إلى أن مصر تأثرت بالتطورات، واتخذت الدولة عددًا من القرارات للتعامل مع تداعياتها، إلا أن الأهم هو نجاحها في سداد المستحقات الخارجية في مواعيدها الطبيعية.
وتابع: «حتى القطاع البترولي تم سداد كل التزاماته، وتم وضع خطة لمواجهة هذه الالتزامات أولًا بأول».
وفيما يتعلق بالدين السيادي، أوضح شفيع أن مصر شهدت تراجعًا في علاوة المخاطر على السندات السيادية الخارجية المقومة بالدولار، لتصل إلى نحو 315 نقطة أساس، بانخفاض ملحوظ عن مستويات الأعوام السابقة.
وأوضح أن تراجع علاوة المخاطر يمثل مؤشرًا إيجابيًا يمنح المستثمرين الأجانب قدرًا أكبر من الأمان والطمأنينة تجاه الاستثمار في أدوات الدين المصرية.
وأشار إلى أن انخفاض علاوة المخاطر لا يأتي من فراغ، وإنما يرتبط بعدد من العوامل، في مقدمتها ارتفاع الاحتياطي النقدي وتحسن واستقرار مصادر النقد الأجنبي لمصر، موضحًا أن هذه المصادر تشمل قطاعات مثل السياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والصادرات وغيرها.
أضاف شفيع أن تحسن هذه المؤشرات يمكن أن يمثل عاملًا داعمًا أمام مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية لإعادة تقييم الجدارة الائتمانية لمصر.
ومن الوارد جدًا إمكانية رفع التصنيف الائتماني لمصر، موضحًا أنه من الوارد أيضًا أن تقوم مؤسسات التصنيف بتغيير نظرتها المستقبلية للاقتصاد المصري.
أضاف أن معظم مؤسسات التصنيف لديها حاليًا نظرة مستقرة تجاه الاقتصاد المصري، وبالتالي من الممكن أن تتحول هذه النظرة إلى إيجابية، بالتزامن مع إمكانية رفع مستوى التصنيف الائتماني لمصر، بدعم من تحسن الاحتياطيات ومصادر النقد الأجنبي، واستقرار التدفقات الدولارية، وانخفاض علاوة المخاطر.
أكد شفيع، أن تحقيق ذلك يظل مرتبطًا بعدم حدوث تطورات سلبية جديدة، خاصة فيما يتعلق بالحرب والتوترات الجيوسياسية.
وأشار إلى أن أي تطورات جديدة في مسار الحرب ستكون لها انعكاسات على الاقتصاد العالمي، ومن ثم على الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن استمرار تحسن المؤشرات الحالية دون حدوث صدمات جديدة قد يدعم إعادة تقييم إيجابية للتصنيف الائتماني لمصر.
متولي: أرجح الرفع التدريجي خلال 6 ـ 12 شهرًا
وقال علي متولي، محلل اقتصادي، إن قدرة مصر على امتصاص الصدمات الخارجية الأخيرة والاستمرار في سداد التزاماتها الخارجية بشكل منتظم، تمثل عوامل تعزز بشكل واضح من قوة ملفها الائتماني.
وأوضح أن تقييم المخاطر والقوة المالية للدولة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها في مواعيدها، وما إذا كانت تواجه أي تعثر أو صعوبات متزايدة في السداد، إلى جانب قدرتها على توفير التمويل اللازم بسهولة.
أضاف أن الاحتياطي النقدي لمصر تجاوز حاليًا مستوى 56 مليار دولار، وهو مستوى تاريخي، بالتزامن مع بدء سوق الدين في تسعير مخاطر أقل على مصر، مشيرًا إلى أن تكلفة المخاطر وصلت إلى مستويات هي الأدنى في أكثر من 10 سنوات.
وتابع :” هذه التطورات، إلى جانب مرونة سعر الصرف، واستمرار التمويلات الدولية، وتواصل الاستثمارات ونموها، فضلًا عن حالة التفاؤل الحذر بشأن الاستثمارات، خاصة الخاصة منها، في مصر، تعطي مؤسسات التصنيف الائتماني دليلًا على تحسن قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية”.
أشار متولي، إلى أن مؤسسات التصنيف والمحللين لديهم قدر من الحذر عند تقييم اقتصادات الدول، خصوصًا دولة بحجم مصر، موضحًا أن السؤال الرئيسي بالنسبة لهم لا يتعلق فقط بما إذا كان الاقتصاد قد نجح في تجاوز أزمة معينة، وإنما هل التحسن الذي تحقق مستدام أم مؤقت؟.
أضاف أن مؤسسات التصنيف تنظر إلى مدى قدرة الاقتصاد على مواصلة التحسن، وما إذا كان من الممكن أن يتعرض لأزمة جديدة بعد تجاوز الأزمة الحالية، مؤكدًا أن المؤسسات تاريخيًا تتعامل بدرجة من التحفظ عند رفع التصنيفات، وتحتاج إلى أدلة إضافية حتى تبرر رفع التصنيف إلى مستويات أعلى.
وأوضح أن مؤسسات التصنيف ستركز خلال الفترة المقبلة على عدد من المؤشرات الرئيسية، في مقدمتها مسار الدين العام، وتكلفة الفوائد كنسبة من إيرادات الدولة، والاحتياجات التمويلية السنوية وما إذا كانت تتراجع أم تتزايد؟ وقدرة مصر على زيادة الاستثمارات والصادرات، بالتزامن مع استمرار مرونة سعر الصرف.
وهذه العوامل قد تدفع مؤسسات التصنيف إلى اتخاذ خطوات مختلفة، مثل رفع النظرة المستقبلية للتصنيف دون رفع التصنيف نفسه، أو رفع التصنيف مع الإبقاء على النظرة المستقبلية عند مستويات أكثر تحفظًا.
قال متولي، إن احتمال رفع التصنيف الائتماني لمصر خلال الـ6 ـ 12 شهرًا المقبلة، أصبح أعلى بالتأكيد مقارنة بالفترة السابقة، مشيرًا إلى أن وكالة موديز كانت قد وضعت نظرة إيجابية للتصنيف المصري، وهو ما يدعو إلى قدر من التفاؤل.
لكنه رجح أن يكون السيناريو الأساسي الرفع تدريجيًا، وليس بالضرورة أن يتم من جانب مؤسسات التصنيف الثلاث في توقيت واحد.
أشار متولي إلى أن الإجراءات التي تتخذها الحكومة المصرية لتحسين الوضع المالي والاقتصادي تسير في الاتجاه الصحيح بالنسبة للتصنيف الائتماني، ومن بينها محاولات خفض تكلفة الدين من خلال الصكوك التي أعلنت عنها، والإعفاءات الجمركية والتسهيلات المقدمة لدعم التصدير، فضلًا عن المبادرات الموجهة للمصريين بالخارج، والجهود المبذولة لتسويق القطاع السياحي.
أضاف أن إنهاء برنامج صندوق النقد الدولي في نهاية العام بصورة قوية وإيجابية سيكون عاملًا مهمًا أيضًا، إلا أن ذلك سيعتمد بدرجة كبيرة على تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، الذي يعد من أهم العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تحول إضافي في ثقة السوق.
وتابع أن تنفيذ الطروحات يمكن أن يدعم زيادة ثقة المستثمرين، إلى جانب التحسن الذي شهدته عقود مبادلة مخاطر الائتمان خلال الفترة الأخيرة، فضلًا عن التحسن في السندات السيادية المصرية.
وأكد أن تراجع عقود مبادلة المخاطر وتحسن أداء أدوات الدين السيادية يمثلان مؤشرًا إيجابيًا إضافيًا على تحسن نظرة الأسواق إلى المخاطر المصرية، ويمكن أن يدعما، إلى جانب التطورات الاقتصادية والمالية الأخرى، فرص تحسن التصنيف الائتماني لمصر خلال الفترة المقبلة.







