بين فائض عالمي يتجاوز 640 مليون طن، وطاقة محلية للبيليت تفوق الاحتياجات، يطرح الجدل حول رسم الـ13% سؤالًا أكبر: هل تستورد مصر احتياجاتها من الصلب أم تستورد معها فائض العالم؟.
أعاد قرار وزارة التجارة والصناعة فرض رسم وقائي بنسبة 13% على واردات البيليت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في صناعة الحديد والصلب المصرية. فالخلاف، في جوهره، لا يدور فقط حول تكلفة طن البيليت أو هامش ربح مصانع الدرفلة، وإنما حول شكل الصناعة المصرية في السنوات المقبلة: هل تتجه إلى مزيد من التكامل وتعميق التصنيع المحلي، أم تظل بعض حلقاتها مرتبطة بالاستيراد، في وقت يشهد فيه سوق الصلب العالمي فائضًا تاريخيًا في الطاقات الإنتاجية؟
القصة بدأت بشكوى تقدمت بها مصانع متكاملة وشبه متكاملة، طالبت فيها بفرض رسم وقائي بنسبة 25%، بدعوى تضررها من تدفق واردات بيليت منخفضة الأسعار. وأجرى قطاع المعالجات التجارية بوزارة التجارة والصناعة تحقيقًا مبدئيًا انتهى إلى توصية برسم مؤقت قدره 16%، قبل أن ينتهي القرار النهائي الصادر في 31 مارس 2026 إلى تحديد الرسم عند 13%.
ومنذ صدور القرار، تصاعدت اعتراضات مصانع الدرفلة، التي ترى أن الرسوم ترفع تكلفة مدخل إنتاج رئيسي، وتهدد قدرتها على المنافسة والتصدير، بل وتدفع بعض المصانع إلى التوقف.
لكن في المقابل، تقدم المصانع الشاكية قراءة مختلفة تمامًا للملف، مفادها أن القضية لا ينبغي اختزالها في سؤال: “كم سيدفع المدرفل مقابل طن البيليت؟”، وإنما في سؤال أكثر أهمية: “لماذا تستورد مصر منتجًا شبه نهائي بينما تمتلك طاقات إنتاجية محلية تفوق احتياجاتها؟”
فائض العالم من الصلب يقترب من مستوى غير مسبوق
ارتفع فائض الطاقة الإنتاجية لصناعة الصلب عالميًا من نحو 522 مليون طن عام 2019 إلى 640 مليون طن في 2025، بزيادة تقارب 23%، وهو مستوى يكشف عن اختلال هيكلي بين قدرات الإنتاج ونمو الطلب.
والأكثر دلالة أن فائض الطاقات الإنتاجية خارج الصين بلغ نحو 336 مليون طن في 2025، مقابل 640 مليون طن عالميًا، بما يضع الصين في قلب مشكلة الفائض العالمي.
وهنا تتغير زاوية النظر إلى واردات البيليت. فالمشكلة ليست أن هناك مصنعًا أجنبيًا يريد بيع البيليت لمصنع مصري، وإنما أن صناعة الصلب العالمية تبحث عن أسواق تستوعب طاقات إنتاجية تفوق الطلب، بينما تتزايد الضغوط التجارية في الأسواق الكبرى لإغلاق أبوابها أمام هذا الفائض.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع ما أورده OECD Steel Outlook 2026 بشأن استمرار بعض السياسات والممارسات غير السوقية التي تسهم في الحفاظ على طاقات إنتاجية غير تنافسية في الصين.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، ظهرت خلال 2025 نحو 59 مبادرة دعم جديدة على مستوى المقاطعات والبلديات الصينية، تضمنت منحًا وتمويلًا تفضيليًا، مع وجود برامج تربط بعض أشكال الدعم بمستويات الإنتاج والمبيعات، وأخرى توفر ائتمانًا تفضيليًا لمنتجي الصلب، فضلًا عن برامج ترتبط بتعزيز القدرة التنافسية للصادرات.
وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت الأسواق الكبرى تغلق أبوابها أمام الفائض العالمي، فإن الأسواق التي لا تمتلك أدوات حماية فعالة تصبح بطبيعتها هدفًا أكثر جاذبية لتصريف هذا الفائض.
والسؤال الذي يطرح نفسه في الحالة المصرية هو: هل من الحكمة أن تتحول مصر إلى منفذ لتصريف فائض عالمي في صناعة تمتلك فيها أصلًا طاقات إنتاجية محلية كبيرة؟
البيليت ليس خام الحديد.. فلماذا يُعامل كأنه مادة خام؟
أحد أبرز مرتكزات خطاب مصانع الدرفلة هو وصف البيليت بأنه مادة خام، وبالتالي اعتبار فرض رسوم عليه عبئًا على الصناعة التحويلية.
لكن هذا التوصيف يحتاج إلى تدقيق. فالبيليت ليس خام الحديد، ولا خردة، وإنما منتج صلب شبه نهائي يأتي بعد مراحل صناعية أساسية تشمل الاختزال أو الصهر وإنتاج الصلب السائل ثم الصب، قبل أن تأتي مرحلة الدرفلة لتحويله إلى منتج نهائي مثل حديد التسليح.
والأكثر دلالة هو السعر. فوفق أسعار الصلب العالمية المشار إليها في البيانات المقدمة، يتراوح سعر البيليت بين 89% و94% من سعر حديد التسليح في بعض الأسواق الرئيسية. وهذا يعني ببساطة أن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية للمنتج موجود بالفعل في البيليت، بينما تمثل الدرفلة المرحلة النهائية من تشكيل المنتج.
ومن ثم، فإن وصف البيليت بأنه “خام” يخفي فارقًا مهمًا في طبيعة العملية الصناعية. الخام مادة أولية، أما البيليت فهو صلب تم بالفعل إنجاز الجزء الأكبر من عملية تصنيعه.
المفارقة المصرية: طاقة البيليت أكبر من الاحتياجات
تبلغ احتياجات إنتاج حديد التسليح في مصر، وفق الأرقام المقدمة، نحو 8.8 مليون طن من البيليت، بينما تبلغ الطاقة الإنتاجية المتاحة للبيليت نحو 13.7 مليون طن.
أي أن هناك طاقة فائضة تقترب من 5 ملايين طن، أو نحو 42% من إجمالي الطاقة الإنتاجية.
وتتوزع الطاقة الإنتاجية للبيليت بنحو:
- 8.7 مليون طن لدى المصانع المتكاملة.
- 2.4 مليون طن لدى المصانع شبه المتكاملة.
- 2.6 مليون طن لدى مصانع الحث الذاتي التي قامت بتوفيق أوضاعها.
هذه الأرقام تطرح سؤالًا يصعب تجاهله: إذا كانت مصر تمتلك طاقة لإنتاج البيليت تتجاوز احتياجات إنتاج حديد التسليح بنحو 5 ملايين طن، فما المبرر الاقتصادي لاستيراد كميات كبيرة منه؟
بل إن الصورة تصبح أكثر وضوحًا مع الإشارة إلى أن المصانع الكبرى، وعلى رأسها حديد عز، توفر كميات من البيليت لمصانع الدرفلة، تصل ـ وفق البيانات المقدمة ـ إلى نحو 60 ألف طن شهريًا.
كما أن مصانع الدرفلة سبق أن عُرض عليها، عبر وزارة الصناعة، تراخيص لإنتاج نحو 3.7 مليون طن من البيليت، دون تقدم مصانع الدرفلة للحصول عليها. وهنا يتحول الخلاف من قضية “نقص في المعروض المحلي” إلى سؤال آخر: هل المشكلة فعلًا في عدم وجود بيليت محلي، أم في تكلفة إنتاجه مقارنة بالبيليت المستورد؟ والفارق بين السؤالين جوهري.
مليار دولار تخرج من الاقتصاد لاستيراد منتج يمكن إنتاجه محليًا
بحسب البيانات المشار إليها من الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، استوردت مصر نحو 1.6 مليون طن من البيليت خلال 2024 بقيمة تقترب من مليار دولار. وإذا صحت هذه الأرقام، فإن النقاش لا يعود متعلقًا فقط بحماية مصنع أو دعم منتج محلي، وإنما يصبح جزءًا من قضية أوسع تتعلق بإدارة الموارد الدولارية.
فاستيراد منتج لا تتوافر له طاقات إنتاجية محلية كافية فقط، أمر قد يكون ضروريًا. أما استيراد منتج تتوافر له ـ وفق البيانات المتاحة ـ طاقات محلية فائضة بنحو 42%، فيحتاج إلى تفسير اقتصادي مختلف.
المعضلة هنا أن كل دولار يُنفق على استيراد البيليت يمثل قيمة مضافة تم إنتاجها خارج الاقتصاد المصري، بينما كان يمكن ـ من حيث المبدأ ـ أن تظل نسبة أكبر من هذه القيمة داخل الاقتصاد من خلال التصنيع المحلي.
ومن هذه الزاوية، يصبح رسم الحماية أداة ضمن سياسة أوسع تستهدف إعادة توجيه الطلب نحو الإنتاج المحلي، وليس مجرد زيادة تكلفة على مصانع الدرفلة.
هل الـ13% رسم استثنائي؟ الأرقام الدولية تقول شيئًا آخر
من الحجج التي أثيرت ضد القرار أن فرض رسوم على البيليت أمر غير معتاد عالميًا. لكن مقارنة معدلات الحماية التي تستند إليها المصانع الشاكية تعطي صورة مختلفة. فبحسب البيانات المقدمة، تبلغ الرسوم الحمائية على واردات الصلب في عدد من الأسواق: 50% في الولايات المتحدة، 35% في باكستان، 25% في كندا، 30% في تونس، 17% في تركيا، و20% في أنجولا، مقابل نحو 13% في مصر.
وبالتالي، فإن السؤال ليس فقط: هل تفرض الدول رسومًا على الصلب؟ بل: هل معدل الحماية المصرية مرتفع بصورة استثنائية مقارنة بالأسواق المنافسة؟
والإجابة وفق هذه المقارنة تبدو أقرب إلى النفي. بل إن المقارنة مع تركيا تحديدًا تكتسب أهمية، نظرًا إلى ثقلها في تجارة الصلب العالمية وعلاقاتها التجارية مع مصر.
وماذا عن الاتحاد الأوروبي؟
يُستشهد أحيانًا بعدم فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا على البيليت باعتباره دليلًا على عدم الحاجة إلى حماية هذا المنتج. لكن هذه المقارنة قد تكون مضللة إذا تم تجاهل هيكل صناعة الصلب الأوروبية.
السبب الأساسي أن الاتحاد الأوروبي لا يفرض رسومًا على البيليت بينما يفرض 50% على أي كمية تفوق الحصص المقررة من الصلب المسطح مثلاً وبعض المنتجات الأخرى هو أن الواردات الأوروبية من البيليت محدودة للغاية، بل إن الاتحاد الأوروبي يُعد من أقل المناطق في العالم استيرادًا للبيليت لأن معظم المصانع به إما متكاملة أو نصف متكاملة أي منتجة للبيليت ولا تحتاج للاستيراد إلا في أدنى الحدود ونادرًا ما توجد مصانع درفلة بالاتحاد الأوروبي.
وتقدم المقارنة مع السعودية مثالًا يستحق الدراسة.
فبحسب البيانات المقدمة، تبلغ الرسوم الجمركية الثابتة على واردات البيليت في السعودية نحو 12%، مقابل نحو 13.1% في مصر. لكن الاقتصار على مقارنة النسبتين قد يكون مضللًا؛ لأن تكلفة الإنتاج لا تتحدد بالرسوم الجمركية وحدها. فهي تشمل أسعار الغاز والكهرباء، وتكلفة التمويل، وسعر الصرف، واللوجستيات، وغيرها. ومن ثم، فإن المقارنة العادلة بين صناعة الصلب المصرية والسعودية يجب أن تبدأ من التكلفة الكلية للطن، وليس من الرسم الجمركي وحده.
هل الرسوم تمنع التصدير فعلًا؟
من أكثر الحجج إثارة للجدل القول إن رسوم البيليت تمنع مصانع الدرفلة من التصدير. لكن هناك تفصيلًا بالغ الأهمية هنا: البيليت المستورد لا يتحول إلى “منتج مصري” بعد درفلته في مصر. وبالتالي، فإن المنتج المصنوع من البيليت المستورد مقيد بقواعد المنشأ ذاتها، ويستحيل تصديره.
القضية التي لا تحتمل التبسيط: سلامة المنتج وإمكانية التتبع
هناك جانب آخر في الملف لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، وهو سلامة المنتج وإمكانية التتبع. فالبيليت مادة تدخل مباشرة في تصنيع حديد التسليح المستخدم في المنشآت. ومن منظور الجودة الصناعية، لا تكفي معرفة أن عينة معينة مطابقة للمواصفات؛ بل تكتسب إمكانية تتبع المنتج إلى مصدره و”الصبة” التي أنتجته أهمية خاصة في نظم الجودة. وتطرح المصانع الشاكية تساؤلًا حول مدى فعالية التتبع عندما يتم تجميع كميات من البيليت المستورد من مصادر أو شحنات مختلفة، ثم استخدامها في عمليات إنتاج لاحقة.
وهنا لا ينبغي تحويل النقاش إلى اتهام مباشر لجودة المنتج المستورد، وإنما إلى سؤال تنظيمي مشروع: هل منظومة التتبع والرقابة الحالية قادرة على ضمان ربط كل منتج نهائي بالمصدر والصبة والمواصفات الخاصة بالمواد التي دخلت في إنتاجه؟ وهو سؤال يتعلق بالسلامة العامة قبل أن يكون متعلقًا بالمنافسة التجارية.
بين الدرفلة والتكامل الصناعي.. أيهما يخلق قيمة مضافة أكبر؟
يمكن فهم جوهر الخلاف من خلال مثال خارج صناعة الصلب نفسها. لو استورد مصنع قماشًا جاهزًا ثم أجرى عليه بعض عمليات التصنيع النهائية، هل يمكن مساواة ذلك اقتصاديًا بمصنع يبدأ من الغزل، ثم النسيج، ثم الصباغة والطباعة، وصولًا إلى المنتج النهائي؟ كلاهما يضيف قيمة، بالتأكيد.
لكن عمق القيمة المضافة، وحجم الاستثمار، وعدد مراحل الإنتاج، والعمالة، والقدرة على بناء قاعدة صناعية محلية تختلف بصورة واضحة.
وهذه هي القضية التي تطرحها المصانع المتكاملة في ملف البيليت. فالمسألة ليست المفاضلة بين “مصنع جيد” و”مصنع سيئ”، وإنما بين نموذجين للصناعة: صناعة تملك حلقات إنتاج متكاملة، وصناعة تعتمد على استيراد الحلقة الأساسية ثم تقوم بمرحلة التصنيع الأخيرة.
هل حماية البيليت تعني احتكار سوق الحديد؟
مصانع الدرفلة ترى أن تقليص قدرتها على استيراد البيليت يمكن أن يؤدي إلى زيادة تركّز السوق وخلق وضع احتكاري.
لكن الرد المقابل يقوم على أن الرسم الوقائي لا يمنح المنتج المحلي حقًا في تحديد السعر، وإنما يرفع تكلفة البديل المستورد إلى مستوى أقرب إلى المنافسة العادلة. وهنا يجب التمييز بين الاحتكار والحماية التجارية.
إذا كانت السوق تضم أكثر من منتج محلي للبيليت، فإن فرض رسم على الواردات لا يعني تلقائيًا قدرة منتج واحد على التحكم في السعر.
بل يمكن أن يكون الهدف هو منع المنافسة القائمة على منتج مستورد منخفض السعر بصورة لا تعكس تكلفته الحقيقية، سواء بسبب الدعم الحكومي أو فائض الطاقة أو ممارسات تجارية غير سوقية.
والفيصل في النهاية هو درجة المنافسة الفعلية في السوق المحلي، وليس مجرد وجود رسم جمركي.
لماذا تدافع دول العالم عن صناعاتها الثقيلة؟
صناعة الصلب ليست كأي صناعة. فهي ترتبط بالتشييد والبنية الأساسية والسيارات والأجهزة المنزلية والمعدات والعديد من الصناعات الهندسية، كما ترتبط بالقدرة على تنفيذ مشروعات قومية دون الاعتماد الكامل على الخارج. ولهذا أصبحت حماية القاعدة الصناعية في العديد من الدول جزءًا من مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي.
وفي الحالة المصرية، تكتسب المسألة أهمية أكبر في ظل وجود فائض كبير في الطاقات الإنتاجية المحلية، وفي وقت تتجه فيه أسواق كبرى إلى تشديد القيود على واردات الصلب. فإذا أغلقت الأسواق الكبرى أبوابها أمام فائض الإنتاج العالمي، فإن المنافسة لن تختفي؛ بل ستنتقل إلى الأسواق الأكثر انفتاحًا.
وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي: هل تريد مصر أن تكون منتجًا للصلب، أم سوقًا لتصريف فائض إنتاج الصلب العالمي؟
ومن المستفيد من فتح السوق أمام البيليت منخفض السعر: الصناعة المصرية على المدى الطويل، أم مصانع أجنبية تبحث عن أسواق جديدة لفائض إنتاجها؟
إن الدفاع عن رسم الحماية لا يعني بالضرورة تجاهل مصالح مصانع الدرفلة أو التقليل من أهمية العمالة أو التصدير أو المنافسة.
لكن السياسة الصناعية لا يمكن أن تُبنى على مصلحة حلقة واحدة من سلسلة الإنتاج. إذا كانت مصر تمتلك طاقات كبيرة لإنتاج البيليت، فإن زيادة الاعتماد على استيراده قد تعني إضعاف الحافز على الاستثمار في الحلقة السابقة من سلسلة القيمة.
وفي هذا السياق، يلفت علاء أبو الخير، رئيس غرفة الصناعات المعدنية، إلى أن زيادة النشاط في قطاع التشييد يمكن أن تفتح المجال أمام استغلال الطاقات الإنتاجية القائمة في عدد من الصناعات، مؤكدًا أهمية فتح المجال أمام البناء وفق القوانين والأحوزة العمرانية، بما يمكن أن يدعم الناتج المحلي ويدفع الطلب على مجموعة واسعة من الصناعات المرتبطة بقطاع التشييد والبناء، سواء تلك المرتبطة به مباشرة مثل صناعات مواد البناء، وصناعة الأجهزة الكهربائية، وصناعة المفروشات والسلع المنزلية.. إلخ.
وتكشف هذه الرؤية عن جانب آخر في المعادلة: حماية صناعة الصلب لا تستهدف حماية منتج منفرد، وإنما الحفاظ على قاعدة صناعية يمكن أن ترتبط بها صناعات أخرى.
إن رسوم الوقاية هي أداة من الأدوات التي أقرتها منظمة التجارة العالمية لدرء الضرر من الممارسات التجارية الضارة في التجارة العالمية، وهي بذلك تقوم بتصحيح أسعار الاستيراد لتتواكب مع التكلفة الطبيعية للمنتج، وهذا الإجراء تتخذه كثير من دول العالم، ليس على منتج البيليت فقط بل على كثير من منتجات الصلب التي تتعرض لزيادة كبيرة وهائلة للواردات مما يسبب ضررًا للصناعة الوطنية.
الخلاصة: المعركة ليست على الـ13%.. بل على اتجاه الصناعة المصرية
تؤكد د. عالية المهدي أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن: “صناعة الصلب تُعد قطاعاً استراتيجياً لبناء اقتصاد صناعى قوى.. والإدارة الحكيمة للسياسة الصناعية تقتضى حماية صناعة الصلب من طوفان البيليت المستورد، باعتبارها ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومى، فلا قاعدة صناعية قوية بدون عدد من الصناعات الأساسية، ومنها صناعة الحديد والصلب. فإذا تم فتح الأبواب أمام البيليت المستورد المغرق، فسوف يلحق الضرر المباشر بصناعة الصلب الكبرى المتكاملة ونصف المتكاملة ذات الاستثمارات الضخمة، والموظفة لأعداد كبيرة من العمالة، ومن أكثر الصناعات تصديرًا، خاصة فى ظل وجود فائض طاقة كبير فى صناعة الصلب المحلية يقرب من 50٪، وفى ظل إغلاق معظم الأسواق الكبرى وجزء كبير من الأسواق الصغرى أبوابها أمام فائض منتجات الصلب الهائمة، باحثة عن أسواق فى العالم”.
وبالتالي فالقضية أكبر بكثير من رسم جمركي قدره 13%. إنها ببساطة معركة على سؤال استراتيجي: هل تستخدم مصر واردات الصلب لسد فجوة حقيقية في الإنتاج، أم تسمح بتحويل سوقها إلى منفذ لتصريف فائض عالمي بينما تمتلك هي نفسها طاقات إنتاجية غير مستغلة؟
ويؤكد جورج متى رئيس قطاع التسويق في مجموعة عز الصناعية ورئيس اللجنة الاقتصادية في الحديد العربي للصلب أن: “القضية ليست في رسم الـ13%، وإنما في نوع الصناعة التي نريدها لمصر؛ فليس منطقيًا أن نمتلك طاقات لإنتاج البيليت تفوق احتياجاتنا، ثم نستورد فائض العالم إلى سوقنا. حماية الصناعة المحلية ليست حماية لمصنع بعينه، وإنما حماية لسلسلة إنتاج كاملة وقيمة مضافة وفرص عمل وعملة صعبة.. مصر لا تحتاج إلى استيراد فائض العالم بينما لديها طاقات محلية لإنتاج البيليت؛ فندما يكون العالم أمام فائض صلب يتجاوز 600 مليون طن، فإن فتح السوق أمام البيليت المستورد ليس سياسة لخفض التكلفة، بل مخاطرة بتحويل مصر إلى منفذ لتصريف فائض الآخرين. المطلوب هو منافسة عادلة، لا منافسة مع فائض مدعوم”.
وهنا تحديدًا تتجاوز رسوم الحماية حدود السياسة التجارية لتصبح جزءًا من سياسة صناعية تستهدف تعميق التصنيع المحلي والحفاظ على القدرة الإنتاجية لواحدة من الصناعات الأكثر ارتباطًا بالأمن الاقتصادي للدولة.








