الإعفاءات والاقتصاد غير الرسمي وضعف الامتثال تقيد نمو الإيرادات
أكد تقرير حديث للبنك الدولي، أن الإصلاحات التي شهدتها السياسة والإدارة الضريبية في مصر، أسهمت في تحديث المنظومة، لكنها لم تنعكس في صورة زيادة مستدامة وملحوظة في حصيلة الضرائب مقارنة بحجم الاقتصاد.
وأظهر التقرير الذي شمل تقييم برنامج عمل مجموعة البنك في مصر خلال الفترة المالية 2015–2025، أن نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت من 12.6% في السنة المالية 2015 إلى 12.7% في 2025، بزيادة لا تتجاوز 0.1 نقطة مئوية خلال نحو عقد، رغم تنفيذ عدد من الإصلاحات الرئيسية، في مقدمتها تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الضريبية، والتحول التدريجي إلى الإقرارات الإلكترونية.
وأوضح أن الحكومة وضعت تعبئة الإيرادات المحلية ضمن أولوياتها لتعزيز الاستقرار المالي وتوفير مساحة أكبر للإنفاق التنموي، واعتمدت في بداية فترة التقييم على إدخال ضريبة القيمة المضافة إلى جانب مجموعة من الإجراءات الرامية إلى توسيع الوعاء الضريبي.
أشار التقرير إلى أن مجموعة البنك الدولي دعمت إدخال وتطبيق ضريبة القيمة المضافة بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، من خلال ثلاث عمليات لتمويل سياسات التنمية المالية خلال الفترة من 2016 إلى 2018، بهدف توسيع قاعدة الإيرادات وتعزيز الحيز المالي المتاح للإنفاق التنموي.
وحقق تطبيق ضريبة القيمة المضافة أثرًا إيجابيًا أوليًا لمرة واحدة خلال 2016–2017، إلا أن هذا الأثر لم يتحول إلى زيادة مستدامة في الإيرادات الضريبية خلال السنوات التالية.
وأرجع التقرير، محدودية النتائج إلى مجموعة من القيود الهيكلية، أبرزها اتساع نطاق الإعفاءات الضريبية، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، وضعف مستويات الامتثال، وهي عوامل حدّت من قدرة النظام الضريبي على تحويل اتساع الوعاء النظري إلى إيرادات فعلية.
ولفت إلى أن الإعفاءات أدت إلى تقليص حجم النشاط الاقتصادي الخاضع للضريبة فعليًا، بينما أبقى الاقتصاد غير الرسمي جزءًا من النشاط الاقتصادي خارج نطاق التسجيل والامتثال الكامل، في حين حد ضعف الامتثال من قدرة الإدارة الضريبية على تحصيل الإيرادات المستحقة.
وأوضح أن هذه التحديات لم تقتصر على ضريبة القيمة المضافة، بل امتد أثرها إلى جهود تعبئة الإيرادات المحلية بصورة عامة، ما أسهم في اتساع الفجوة بين حجم الإصلاحات المنفذة والنتائج الفعلية على مستوى الحصيلة.
ولم تقتصر الإصلاحات على تغيير هيكل الضرائب، وإنما امتدت إلى تحديث الإدارة الضريبية وتبسيط إجراءات التعامل مع الممولين.
أشار التقرير إلى أن برنامج «القطاع الخاص 2019» دعم تبسيط إجراءات تقديم الإقرارات الضريبية، إلى جانب التوسع في الإقرارات الإلكترونية، مع استهداف زيادة عدد الشركات التي تقدم إقرارات ضريبة الدخل السنوية إلكترونيًا.
وأكد أن التحول الرقمي لم يستهدف مجرد استبدال الإقرارات الورقية بأخرى إلكترونية، بل سعى إلى تحسين إجراءات التعامل مع الممولين، ورفع كفاءة الإدارة الضريبية، وتعزيز القدرة على متابعة الالتزامات وتحسين مستويات الامتثال.
ومع ذلك، خلص التقرير إلى أن تحديث الإدارة الضريبية لم يكن كافيًا بمفرده لتعويض القيود الناتجة عن الاقتصاد غير الرسمي والإعفاءات وضعف الامتثال.
وشهد الجزء الأخير من فترة التقييم، تحولًا في توجهات الإصلاح الضريبي نحو معالجة الإعفاءات والمزايا التي تتمتع بها الشركات المملوكة للدولة العاملة في الأنشطة التجارية.
وأوضح التقرير أن بعض الشركات الحكومية كانت تتمتع بإعفاءات من الضرائب والرسوم، إلى جانب مزايا أخرى مرتبطة بالوصول إلى الموارد والخدمات، وهو ما قد يؤثر في تكافؤ الفرص بينها وبين شركات القطاع الخاص.
وأبرز التقرير وجود فجوة بين المستهدفات التي صاحبت بعض
مراحل الإصلاح والنتائج المحققة فعليًا.
وأشار إلى أن الإصلاح المالي الأول توقع زيادة الإيرادات الضريبية بنحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة تطبيق ضريبة القيمة المضافة، بينما استند برنامج صندوق النقد الدولي، الذي أُقر في ديسمبر 2022، إلى تطوير استراتيجية متوسطة الأجل للإيرادات تستهدف رفع نسبة الضرائب إلى الناتج بنحو نقطتين مئويتين على المدى المتوسط.
وأكد التقرير ضرورة قراءة هذه المستهدفات في سياقها الزمني؛ إذ ارتبط مستهدف الـ2.5% بالتوقعات المصاحبة لتطبيق ضريبة القيمة المضافة، في حين جاء هدف النقطتين المئويتين ضمن استراتيجية متوسطة الأجل لتعبئة الإيرادات.
وخلص التقرير إلى أن التحدي الرئيسي أمام السياسة الضريبية المصرية لم يكن غياب الإصلاحات، وإنما محدودية قدرتها على تحقيق زيادة مستدامة في الإيرادات.
ويرى التقرير أن المرحلة المقبلة تتطلب تركيزًا أكبر على توسيع الوعاء الضريبي، وتقليص الإعفاءات، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، ورفع مستويات الامتثال، بالتوازي مع استمرار تحديث الإدارة الضريبية والتحول الرقمي.
ويمثل استهداف إعفاءات الشركات الحكومية التجارية ضمن برنامج «GROWTH DBF» أحد أبرز التحولات في هذا الاتجاه، إذ يسعى إلى توسيع القاعدة الضريبية وتحسين حياد النظام الضريبي بين الشركات الحكومية والخاصة.








