دول المنطقة تسترد تدفقات ما قبل الجائحة ومصر والمغرب يستقبلان 39 مليون زائر
يواصل الناس السفر فى أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى فى الفترات التى يكتنفها عدم اليقين والصراعات والصدمات الاقتصادية.
وتتكيف الشركات مع هذه الأوضاع، فيما تواصل المجتمعات المحلية الترحيب بضيوفها، ويظل الطلب على السياحة قادراً على الصمود بشكلٍ لافت.
ولهذا الصمود دلالة جوهرية بشأن هذه المنطقة، وتأكيدٌ على الجاذبية الدائمة لشعوبها وثقافاتها ومقاصدها السياحية.
حققت هذه القدرة على الصمود، نتائجَ ملموسة فى السنوات الأخيرة، إذ كانت منطقة شمال أفريقيا من بين أقوى المناطق أداءً فى قطاع السياحة على مستوى العالم؛ إذ استقبلت مصر 19 مليون زائر والمغرب 20 مليون زائر، فى عام 2025، وتجاوز عدد الوافدين الدوليين فى مختلف أنحاء المنطقة مستويات ما قبل الجائحة.
بيد أن أحد أهم جوانب هذه القصة لا يحظى فى كثير من الأحيان بالاهتمام الكافي، وهو أن جزءاً كبيراً من هذا الطلب مصدره أسواق محلية أو قريبة إقليمياً، بحسب ما نقلته مدونة «البنك الدولي».
فعندما تراجعت حركة السفر الدولي، أسهم المسافرون المحليون، وأبناء الجاليات المقيمة فى الخارج، والمسافرون الإقليميون فى دعم منشآت الأعمال، وحماية سبل كسب العيش، والحفاظ على نشاط المقاصد السياحية.
ففى المملكة العربية السعودية، ارتفع عدد الرحلات المحلية إلى 93 مليون رحلة فى عام 2025، متجاوزاً بذلك المستهدف المحدد فى رؤية 2030 البالغ 80 مليوناً، رغم التراجع الطفيف فى عدد الوافدين الدوليين.
كما سجلت هذه الرحلات نمواً إضافياً بنسبة 16% فى الربع الأول من عام 2026، محققة إنفاقاً بلغ 9.2 مليارات دولار على الرغم من التقلبات التى شهدتها المنطقة.
وفى المغرب، استأثر المقيمون بنسبة 28% من الليالى الفندقية، فى حين شكّل المغاربة المقيمون فى الخارج نحو نصف إجمالى عدد الوافدين.
وفى مصر، أشارت التقديرات إلى أن إنفاق السياح المحليين يبلغ نحو مليار دولار فى عام 2025، وهو ما يزيد على ثلث إجمالى الإنفاق السياحي، بينما استأثر الزوار السعوديون وحدهم بنصف إجمالى الوافدين العرب.
وحتى فى البلدان التى تشهد صراعات أو مستويات مرتفعة من عدم اليقين، أسهم المسافرون المحليون والإقليميون فى استمرار حركة الاقتصاد السياحي.
ففى سوريا، زادت أعداد الزوار الوافدين بأكثر من 80% فى عام 2025، ما ساعد على إعادة تنشيط الشركات المحلية وأشار إلى تجدد الثقة فى البلاد.
وتسهم السياحة بالفعل إسهاماً كبيراً فى النمو وخلق فرص العمل فى مختلف أنحاء المنطقة، غير أنها لا تزال دون مستوى الإمكانات التى يمكن أن تحققها.
وكلما تحدثت مع المسئولين الحكوميين والمستثمرين ورواد الأعمال، لا يظهر نقص فى الطموح، بل رغبة قوية فى التغلب على الحواجز التى تحول دون ازدهار الاستثمار وريادة الأعمال فى هذا القطاع.
فمن المدن التاريخية والدينية والمواقع التراثية إلى السواحل والصحارى والجبال، تزخر المنطقة بتجارب لا تضاهيها سوى قلة من المقاصد السياحية حول العالم.
ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من هذه الثروات غير مستغل على النحو الأمثل، ويتركز فى عدد محدود من المواقع، ويولد قيمة اقتصادية محلية أقل مما يمكن أن يحققه.الأهم من ذلك كله أن منافع السياحة لا تصل إلى عدد كافٍ من الناس، إذ تدعم السياحة نحو 12 مليون وظيفة فى مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمثل أحد القطاعات القليلة القادرة على خلق فرص عمل لمختلف مستويات المهارات.
وتسهم كل وظيفة مباشرة فى قطاع السياحة فى دعم وظيفتين إضافيتين تقريباً فى مجالات إنتاج الأغذية والنقل وتجارة التجزئة والصناعات الثقافية والإبداعية وغيرها من الخدمات المحلية.
وبالنسبة للنساء والشباب والمجتمعات المحلية فى المناطق الأقل نمواً، يمكن أن تمثل السياحة أحد أكثر المسارات المتاحة للالتحاق بسوق العمل الرسمي.
ويتطلب تحقيق ذلك تبنى نهج مختلف فى التفكير بشأن المقاصد السياحية. إذ تكمن قيمة السياحة فى النشاط الاقتصادى الذى تولده عبر سلاسل القيمة المحلية؛ وحين يجرى تخطيط المقاصد السياحية وإدارتها بوصفها منظومات اقتصادية متكاملة، فإنها تخلق سبل كسب عيش تتجاوز حدود القطاع نفسه.
ولا بد أن تعمل البنية التحتية والمهارات وسلاسل الإمداد المحلية وإمكانية الوصول إلى التمويل والخدمات الرقمية وإدارة المقاصد السياحية فى تكامل وتنسيق فيما بينها. فالمقاصد التى تنجح هى تلك التى تبنى روابط قوية بين قطاع السياحة والاقتصاد المحلى الأوسع نطاقاً.
ولكى يتمكن قطاع السياحة من تحقيق ما ينطوى عليه من إمكانات واعدة، لا بد من إتاحة الفرصة لمزيد من الأفراد ومنشآت الأعمال للمشاركة فى نموه.
فكثير من المنشآت التى تحقق أكبر أثر على المستوى المحلى تندرج ضمن فئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهى تسهم فى توفير فرص العمل للمجتمعات المحلية والإبقاء على الإنفاق السياحى داخلها.
ومع ذلك، قد يواجه أصحاب المشاريع السياحية الصغيرة عقباتٍ جمّة فى تأمين حقوق ملكية الأراضى أو العقارات، أو استيفاء متطلبات الترخيص المتعددة، أو الحصول على الموافقات من مختلف الجهات الحكومية، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى التمويل.
وتؤدى هذه التحديات إلى إبطاء وتيرة الاستثمار، والحد من النمو، وحرمان العديد من المنشآت الصغيرة من فرص العمل التى كان بإمكانها توفيرها لولا تلك العقبات.
وتشترك المقاصد السياحية الناجحة فى مختلف أنحاء العالم فى درس رئيسى واحد، مفاده أنه لا القطاع العام ولا القطاع الخاص قادران على تحقيق التحول المنشود بمفردهما.
فالحكومات تعمل على تطوير البنية التحتية، ووضع أطر السياسات، ورعاية الأصول الثقافية والطبيعية التى تهيئ الظروف اللازمة لنمو قطاع السياحة، بينما يجلب مستثمرو القطاع الخاص رأس المال والابتكارات والخبرات الفنية.
وتنشأ أعظم الفرص عندما تتضافر جهود القطاعين العام والخاص فى تطوير المقاصد السياحية، وتعزيز سلاسل القيمة، وإتاحة الفرص الاستثمارية التى لا يمكن لأيٍّ منهما تحقيقها بمفرده. وتضطلع المؤسسات الإنمائية بدور مهم فى هذا المجال.
ففى مجموعة البنك الدولي، يُنظر إلى قطاع السياحة باعتباره أحد القطاعات الخمسة ذات الأولوية لخلق فرص العمل، وهو ما يعكس قدرته الفريدة على توفير فرص العمل لمختلف مستويات المهارات وفى مختلف المناطق وعبر سلاسل القيمة المتنوعة.
ونحن ننظر إلى السياحة باعتبارها منصةً قوية للتشغيل وتحقيق النمو الشامل للجميع، ونواصل العمل مع البلدان لتهيئة الظروف المواتية للاستثمار، وتعزيز البيئات التمكينية، وتعبئة التمويل من القطاعين العام والخاص.
وبالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمى للسياحة، ينبغى على بلدان المنطقة التركيز على ثلاث أولويات رئيسية.
أولاً، النظر إلى المقاصد السياحية وإدارتها بوصفها منظومات اقتصادية متكاملة، بما يضمن أن تسهم الاستثمارات فى تعزيز الروابط عبر سلاسل القيمة بأكملها، وتهيئة المزيد من فرص العمل وفرص الأعمال على المستوى المحلي.
ثانياً، إزالة الاختناقات والعقبات التنظيمية والتشريعية، وتوسيع نطاق الوصول إلى التمويل، بما يتيح للشركات الأصغر حجماً الاضطلاع بدور أكبر فى نمو هذا القطاع.
ثالثاً، استخدام الموارد العامة بصورة إستراتيجية لحشد استثمارات رأس المال الخاص، والمساعدة فى تطوير شرائح سوقية جديدة، وإطلاق إمكانات النمو فى المقاصد السياحية والمناطق التى تتمتع بإمكانات كبيرة لكنها لا تزال غير مستغلة على النحو الأمثل.
لقد أثبتت بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالفعل ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع. أما المرحلة المقبلة، فتتمثل فى البناء على هذا النجاح بما يضمن أن تسهم السياحة فى خلق المزيد من فرص العمل فى عدد أكبر من المجتمعات المحلية، ودعم رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة، وتمكين مزيد من الناس فى مختلف أنحاء المنطقة من الاستفادة من الفرص التى يتيحها هذا القطاع.







