“تبدو الصين متقدمة في الروبوتات بشرية الشكل، إذ أسهمت شركاتها بأكثر من 97% من الشحنات العالمية خلال النصف الأول.”
رغم مرور أكثر من 50 عاماً على وفاة هيلين كيلر، فإن ذكراها لا تزال حاضرة في النقاشات حول الذكاء الاصطناعي.
وكثيراً ما يُستشهد بالإنجازات التي حققتها الكاتبة الأمريكية، التي كانت صماء وكفيفة، في مجال التواصل، باعتبارها دليلاً على أن اللغة هي أفضل سبيل لتطوير آلات تضاهي البشر في الذكاء.
ورغم الشكوك الواسعة في البدايات، أثبتت النماذج اللغوية الكبيرة، وهي التكنولوجيا التي تستند إليها الغالبية العظمى من استثمارات الذكاء الاصطناعي اليوم، أنها قادرة على استيعاب العالم الواقعي أكثر مما توقعه منتقدوها.
فالكمبيوتر لا يستطيع أن يغمس قدميه في مياه المحيط، لكنه قادر على جمع ما يكفي من الأنماط من النصوص المنشورة عبر الإنترنت ليحاكي فهماً لما يعنيه أن تبتل قدماك.
واهتمامنا بالنماذج اللغوية الكبيرة ليس جديداً، بل يمتد إلى تاريخ طويل من الربط بين اللغة والذكاء.
الذكاء لا يتطور بالكلمات وحدها
لكن حين حكت كيلر عن اللحظة الشهيرة التي اكتشفت فيها «الماء»، كانت تصف تجربة تجاوزت حدود الكلمات. فبينما كانت معلمتها آن سوليفان ترسم حروف الكلمة على كفها، شعرت كيلر في الوقت نفسه بـ«شيء بارد رائع» ينساب على يدها. لم تكن تتعلم الربط بين الكلمات فحسب، بل كانت تربط اللغة بإحساس جسدي مباشر.
هذه النقطة مهمة، خاصة مع دخول ما يُعرف بعصر «الذكاء الاصطناعي المادي»، الذي تروّج له شخصيات، من جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، إلى الرئيس الصيني شي جين بينج.
ففي المرحلة المقبلة من الثورة التكنولوجية، حين تنتقل الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى التفاعل مع العالم الحقيقي، يصبح من الأصعب تجاهل حدود النماذج اللغوية الكبيرة.
فمعرفة كل ما كُتب عن استخدام عيدان الطعام أو ربط شريط الحذاء شيء، والقدرة فعلياً على تناول الطعام بنفسك والخروج من المنزل شيء آخر.
سبق وكتبتُ أن أكبر عقبتين أمام تطوير روبوتات بشرية الشكل ذات فائدة عملية هما اليدان، أي امتلاك المهارة الحركية اللازمة لأداء المهام الدقيقة، و«الدماغ»، أي نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على تحويل ما تتعلمه إلى أفعال في العالم الحقيقي.
وإذا أمكن حل هاتين المعضلتين، فقد يفتح ذلك الباب أمام سوق تتوقع «مورجان ستانلي» أن تصل قيمتها إلى 5 تريليونات دولار بحلول 2050. لكن ماذا لو كان التحديان مترابطين أكثر مما كنا نعتقد؟
وجد علماء أحياء، بعد دراسة لأحافير أشباه البشر، أن تطور مهارة استخدام اليدين لدى الرئيسيات سار جنباً إلى جنب مع تطور أدمغتها على مدى أجيال.
وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء لم يتشكل بمجرد مراقبة العالم، بل أيضاً من خلال التفاعل معه جسدياً، وفق دراسة نشرتها دورية «نيتشر» العام الماضي.
المهارة اليدوية.. الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي
قد لا يختلف الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام في الآلات كثيراً عن مسار تطور الذكاء لدى البشر، بحسب ما قاله لي جونجهي ريو، الرئيس التنفيذي لشركة «آر إل ورلد»، الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي المادي، والتي لديها مكاتب في سيول وسان فرانسيسكو وطوكيو.
تطور شركته نماذج أساسية تهدف إلى تمكين الروبوتات من استخدام أصابعها الخمسة بمهارة، فيما يرى ريو أن تطوير أدمغة الروبوتات وأيديها، من برمجيات ومكونات مادية، يجب أن يسير جنباً إلى جنب.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت الشركة تعاونها مع «إنفيديا» لتطوير معيار جديد لقياس قدرة الروبوتات على التعامل مع الأشياء بمهارة.
ويقول ريو إن النماذج اللغوية الكبيرة تجيد فهم ما يحيط بها والتخطيط للمهام، لكنها لا تزال عاجزة عن أداء الأعمال التي تتطلب مهارات يدوية دقيقة، ما يجعلها عديمة الفائدة في قطاعات واسعة من سوق العمل.
ومن وجهة نظره، يثير ذلك شكوكاً حول الادعاءات الأخيرة بأن العالم بلغ بالفعل مرحلة الذكاء الاصطناعي العام، وهو الهدف المفترض الذي يشير إلى تطوير أنظمة قادرة على أداء مهام ذات قيمة اقتصادية بمستوى يضاهي البشر.
ليس ريو وحده من يرى ذلك. فقد اعتبر محللون في شركة «كوريا إنفستمنت آند سيكيوريتيز»، في تقرير عن القطاع صدر في وقت سابق من هذا العام، أن امتلاك الروبوتات مهارات يدوية تضاهي البشر، ولا سيما القدرة على التحكم بالأيدي الروبوتية، يمثل «العنصر الأخير اللازم لتحقيق الذكاء الاصطناعي العام».
وأشاروا إلى أن اليدين ترتبطان بـ25% من القشرة الحركية في الدماغ و30% من القشرة الحسية، ما يجعلهما أساسيتين في قدرة البشر على إدراك المعلومات من العالم المحيط والتفاعل معها.
لكن حتى فيما يتوقع الخبراء باستمرار اقترابنا من تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، تتأخر تقديراتهم للموعد الذي ستتمكن فيه الآلات من إنجاز مهام جسدية بسيطة.
ففي استطلاع مستمر منذ سنوات وشمل مئات الباحثين في الذكاء الاصطناعي، توقع المشاركون في 2016 أن تتمكن الآلات من طي الملابس أو تركيب أي مجموعة من مكعبات «ليغو» بكفاءة تفوق البشر بحلول 2022 و2025 تقريباً، على التوالي.
لكن في أحدث نسخة من الاستطلاع، الصادرة في 2024، تأجل الموعد المتوقع لتحقيق هاتين القدرتين إلى 2030 و2031.
العالم الحقيقي يكشف حدود الروبوتات
هذا منطقي، فقد أشار أحدث تقرير لمؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد إلى أن أصعب الاختبارات أمام الذكاء الاصطناعي لا تزال تلك التي تتطلب منه أداء مهام في العالم الحقيقي، حيث يصعب التنبؤ بالظروف المحيطة وتترتب على الأخطاء عواقب مادية.
وعندما قارن الباحثون أداء الروبوتات داخل المختبرات الخاضعة للرقابة بأدائها في بيئات منزلية تحاكي الواقع، وجدوا فجوة كبيرة بين الحالتين. تقدم هذه النتائج صورة أكثر واقعية لقدرات الروبوتات، وهي مشكلة يعزوها باحثون مثل ريو إلى افتقارها للمهارات الحركية الدقيقة.
تدق هذه النتائج أيضاً جرس إنذار للصين، فمع إدراك بكين للتحولات الديموغرافية التي تواجهها البلاد، وضعت الذكاء الاصطناعي المادي ضمن أولوياتها.
وتبدو الصين بالفعل متقدمة في مجال الروبوتات بشرية الشكل، إذ أسهمت شركاتها بأكثر من 97% من الشحنات العالمية خلال النصف الأول من هذا العام، وفق شركة «سمارت أناليتكس جلوبال» الأمريكية. لكن خلف العروض المبهرة، تتضح محدودية القدرات الفعلية لهذه الروبوتات.
ويتيح ذلك فرصة أمام آخرين لمعالجة أصعب التحديات التي تحول دون تحويل الروبوتات إلى أدوات مفيدة عملياً. ومن المرجح أن تكشف هذه الجهود أكثر فأكثر حدود الاعتماد على مجرد زيادة حجم النماذج اللغوية.
كما أن حماسة المستثمرين الشديدة تجاه هذه النماذج تثير مخاوف من تدفق الأموال بوتيرة تفوق التقدم العلمي. فقد رأى 76% من باحثي الذكاء الاصطناعي الذين شملهم استطلاع العام الماضي أن توسيع نطاق الأساليب الحالية للذكاء الاصطناعي من غير المرجح، أو من المستبعد جداً، أن يقود إلى تحقيق الذكاء الاصطناعي العام.
ولعل أوضح دليل على حدود اللغة هو أننا لم ننجح حتى الآن في الاتفاق على تعريف واضح للذكاء الاصطناعي العام.
وفي نهاية المطاف، قد يشبه الطريق نحو تطوير ذكاء يضاهي البشر وقادر على التعامل مع العالم الحقيقي تجربة كيلر نفسها: فالكلمات وحدها قد لا تكفي، بل قد يتطلب الأمر اللمس أيضاً.








