يمثل التراث الثقافي أحد أهم موارد مصر التي تعزز مكانتها السياحية وتحقق التنمية الاقتصادية، والاستفادة الحقيقية من هذا التراث لا تقتصر على الحفاظ على المباني التاريخية والمواقع الأثرية، بل تتطلب رؤية متكاملة تحولها إلى موارد تنموية مستدامة، مع الحفاظ على قيمتها الثقافية وتؤكد ارتباط المواطنين بهويتهم الوطنية.
فتطوير استخدامات التراث المصري وسيلة لتنويع المنتج السياحي، ودعم اقتصاد المجتمعات المحلية، فيستدعى بدوره تعاون المؤسسات الثقافية والسياحية، ليحققا التكامل بين حماية التراث ومتطلبات التنمية.
إعادة توظيف المباني التاريخية بالفن والإبداع
تدعم الدولة حالياً توجه القطاع الخاص لتحويل المباني التاريخية في وسط القاهرة إلى أنشطة سياحية وثقافية وتجارية تتناسب مع قيمتها المعمارية والتاريخية.
فإعادة إحياء الفنادق الصغيرة والمقاهي وإقامة مشروعات فنية وثقافية في القاهرة الخدوية يؤكد ثراء هذه المناطق وإمكانية تحقيق عائد مادى مع الحفاظ على واجهتها وطابعها التاريخي.
فنجد من يقدم بأساليب مبتكرة تناسب أذواق الأجيال الجديدة المأكولات التقليدية كالبصارة والطعمية والكشري والفول، كجزء من التراث الثقافي المصري.
كما أن مبادرة دعوة مصورين وفنانين ومؤثرين عالميين للإقامة في الأقصر لنقل ورسم المناطق الأثرية بريشتهم وعيونهم ونشرها على منصاتهم الخاصة، وكذلك توفير التسهيلات الخاصة بالأعمال الفنية السينمائية ودعوة كبار شركات الإنتاج العالمية للتصوير في مصر، وهي فكرة جمعية السياحة الثقافية، تسهم في الترويج السياحى بشكل ابداعي ابتكاري.
التراث والهوية الوطنية وتنمية المجتمعات المحلية
تمتلك كل محافظة مصرية مقومات ثقافية مادية وغير مادية، فلدينا الاحتفالات بالموالد القبطية المسيحية لإحياء ذكري وفاة أو استشهاد أحد القديسين كمولد السيدة العذراء بدير درنكة بأسيوط ودير جبل الطير بالمنيا ودير المحرق بالقوصية وغيرها فيحتفل الناس بزفة الأيقونة وتتم الصلوات وسط مظاهر احتفالات مصرية.
وهناك الموالد الإسلامية منذ العصور الفاطمية مثل موالد الإمام الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة في القاهرة و السيد البدوى في طنطا والمرسي أبوالعباس في الإسكندرية وغيرها فيصاحبها انتعاش لحركة البيع والشراء وعروض الفنون الشعبية والحرف التقليدية وأنواع الأكلات المميزة.
وتمثل هذه الممارسات التراثية نموذجاً للتفاعل والتنوع الثقافي للمجتمعي المصرى بكل تنوعاته من الدلتا شمالًا إلى جنوب مصر في أسوان وحلايب وشلاتين ومن سيناء شرقًا إلى السلوم غرباً، والزائرين الأجانب حيث نتشر الملاهي الشعبية ومسارح الأراجوز وروايات السيرة الشعبية والغناء والإنشاد والموسيقى والرقصات، وتزدهر الحركة التجارية التي تساهم في توفير الدخل واتاحة العمل ودعم الشباب، مع الحفاظ على المهارات والممارسات المتوارثة.
تيسير الاستثمار والحماية القانونية والاستدامة البيئية
ويمكن حسن استغلال هذه الفرص بجذب مزيد من الاستثمار لتوسيع الاستفادة من هذا التراث الثقافي في كل ربوع مصر، بتبسيط إجراءات الترخيص لإعادة تنسيق المباني التاريخية ومنح امتيازات طويلة الأجل تتراوح بين 25 و50 عامًا، تساعد المستثمرين على استرداد تكلفة إعادة التأهيل مع ضمان حماية القيمة التاريخية والمعمارية في ظل ضوابط واضحة تحافظ على الأصول التاريخية.
وهنا يأتي دور مجلس النواب لتفعيل القوانين التي تحمي التراث وتمنع تشويهه، وضمان خضوع مثل هذه المشروعات للمعايير البيئية المرتبطة بترشيد استهلاك الطاقة والمياه. مع الاهتمام بالتدريب للحفاظ على الحرف التقليدية والمهارات المرتبطة بالتراث، وضمان انتقالها إلى الأجيال الجديدة.
فنجاح هذه المشروعات لا يعتمد على التمويل والتشريعات وحدهما، بل يحتاج أيضًا إلى كوادر مؤهلة قادرة على إدارة المواقع التاريخية وصيانتها وتقديم الخدمات السياحية والثقافية وتطوير المنتجات المحلية.
لذا فوجود رؤية متكاملة تجمع بين الحفاظ على التراث وتحويله إلى مورد تنموي يخدم الاقتصاد الوطني ويعظم عائده السياحى، لا يتطلب فقط تيسير الاستثمار وتفعيل الحماية القانونية والبيئية، ولكن الاستثمار في الإنسان وتمكين المجتمعات المحلية بما يحافظ على الهوية المصرية، ويوفر فرصًا للأجيال الحالية والمقبلة لتحقيق التنمية المستدامة.







