قال متعاملون في سوق المال إن الاستفادة من آلية البيع على المكشوف «الشورت سيلينج» في البورصة المصرية تتوقف على مدى جاهزية شركات السمسرة لتشغيلها، وقدرة المتعاملين على فهم مخاطرها وتكلفتها، في وقت تفرض فيه متطلبات الضمانات النقدية تحديات أمام أصحاب المحافظ الكبيرة الذين لا تتوافر لديهم سيولة كافية. وبينما تقترب السوق من تفعيل الآلية خلال الأسابيع المقبلة، يراهن العاملون على أن يسهم الإطار التعاقدي الجديد في تقليل الخلافات بين أطراف العملية، وتعزيز الشفافية بشأن تكلفة الاقتراض والعوائد المستحقة للمقرضين.
وأطلقت الهيئة العامة للرقابة المالية نموذجًا استرشاديًا للعقود بين شركات السمسرة والعملاء والمقرضين، لتنظيم التعاملات على الأوراق المالية المتاحة بنظام الإقراض المركزي لدى شركة مصر للمقاصة، وتحديد الالتزامات والمسؤوليات المرتبطة بإقراض الأسهم واقتراضها، وإدارة الضمانات وإغلاق المراكز المفتوحة. ويأتي ذلك بالتوازي مع استكمال شركات السمسرة متطلبات البنية التكنولوجية وتأهيل العاملين، وسط توقعات بأن تتركز الاستفادة الأولية من الآلية على الأسهم الأعلى سيولة وتداولًا حرًا.
المصري: البيع على المكشوف يعزز رواج المشتقات المالية
وقال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن توافر السيولة النقدية في حساب مستقل للعملاء يمثل التحدي الأبرز أمام تفعيل آلية البيع على المكشوف في البورصة المصرية، في ظل عدم إمكانية استخدام الأسهم المملوكة للعميل كضمانات في الوقت الحالي.
وأضاف أن تطبيق الآلية يعتمد حاليًا على توافر النقدية لدى المستثمر، وليس امتلاكه أسهمًا، حتى لو كانت قيمتها السوقية كبيرة، موضحًا أن التعديلات المرتقبة على اللائحة قد تسمح لاحقًا باستخدام الأسهم ضمن الضمانات، بما يمنح المستثمرين مرونة أكبر في التعامل مع الآلية.
وأوضح المصري أن البيع على المكشوف ليس آلية جديدة على السوق المصرية، إذ بدأ تطبيقه منذ عام 2019، لكن التعديلات التنظيمية الحالية تستهدف تطوير منظومة العمل به ورفع كفاءتها التشغيلية، ومعالجة بعض الجوانب التي تحتاج إلى ضبط في القواعد المنظمة، بما يسهم في تحسين آليات التنفيذ.
وأشار إلى أن النماذج التوضيحية والمواد التثقيفية المتعلقة بالبيع على المكشوف تمثل خطوة مهمة لتعريف المستثمرين بطبيعة الآلية ومزاياها ومخاطرها، مؤكدًا أهمية دور شركات السمسرة في توعية العملاء بكيفية استخدامها، حتى يكون المستثمر على دراية كاملة بالإجراءات والالتزامات المرتبطة بها قبل بدء التعامل.
ولفت إلى أن نطاق الأسهم المؤهلة للتعامل بالبيع على المكشوف لن يقتصر بالضرورة على الشركات المدرجة بالمؤشر الرئيسي «EGX30»، إذ يرتبط الاختيار بتوافر مجموعة من المعايير، تشمل السيولة وحجم الأسهم حرة التداول ومعدلات التذبذب السعري.
وأكد المصري أن البيع على المكشوف يُعد من أبرز أدوات التحوط التي يمكن أن يستفيد منها المستثمرون والمؤسسات في السوق، مشيرًا إلى أن فرص انتشاره تبدو أكبر مقارنة بالمشتقات المالية، نظرًا إلى اعتياد المتعاملين على شراء الأسهم وبيعها، بما يجعل التعامل مع الآلية أقرب إلى ممارساتهم التقليدية، وإن كان يبدأ ببيع الأسهم المقترضة بدلًا من شرائها أولًا.
وأضاف أن التعامل بالمشتقات المالية يتطلب من المستثمرين اكتساب خبرات جديدة في أدوات وعقود تختلف عن تداول الأسهم التقليدية، وهو ما قد يستلزم فترة أطول للتعرف على آلياتها واستخدامها مقارنة بالبيع على المكشوف.
وأشار إلى أن الإجراءات المنظمة لـ”الشورت سيلينج” تتسم بالوضوح، إذ تتيح للمستثمر تحديد كمية الأسهم التي يرغب في اقتراضها ومدة الاقتراض ومعدل الفائدة المناسب، بما يساعده على اتخاذ قراراته وفقًا لاحتياجاته الاستثمارية.
وشدد على أن التحدي الرئيسي يتمثل في اشتراط توافر السيولة النقدية كضمان، موضحًا أن المستثمر الذي يمتلك محفظة أسهم كبيرة قد لا يتمكن من الاستفادة من الآلية إذا لم تتوافر لديه النقدية المطلوبة، في حين يمكنه استخدامها حال امتلاكه رصيدًا نقديًا مؤهلًا وفقًا للقواعد المنظمة.
وتقوم الآلية على اقتراض المستثمر أسهمًا يتوقع انخفاض سعرها، ثم بيعها في السوق وإعادة شرائها لاحقًا لردها إلى المقرض. ويتحقق الربح من الفارق بين سعري البيع وإعادة الشراء بعد خصم تكلفة الاقتراض، بينما يتكبد المستثمر خسارة إذا ارتفع سعر السهم واضطر إلى شرائه بسعر أعلى، فضلًا عن تكلفة الاقتراض. وفي المقابل، يحصل مقرض الأسهم على عائد نظير إقراضها وفقًا للشروط المتفق عليها.
يعقوب: فهم مخاطر الآلية والتوقيت المناسب لاستخدامها شرطان لنجاح التجربة
وترى رانيا يعقوب، رئيس مجلس إدارة شركة ثري واي لتداول الأوراق المالية وعضو مجلس إدارة البورصة المصرية، أن رفع وعي المستثمرين بآلية اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع يمثل التحدي الأهم قبل تفعيلها رسميًا، رغم التقدم في تجهيز الكوادر البشرية لدى شركات السمسرة والعمل على تطوير الأنظمة التكنولوجية اللازمة للتداول.
وأضافت يعقوب أن الهيئة العامة للرقابة المالية، بالتعاون مع شركة مصر للمقاصة، نظمت برامج تدريبية مكثفة للعاملين بالشركات الحاصلة على ترخيص مزاولة النشاط، مع متابعة مدى جاهزية الكوادر البشرية للتعامل مع الآلية الجديدة.
وأوضحت أن شركات السمسرة تعمل بالتوازي على استكمال تجهيز البرامج التكنولوجية اللازمة، من خلال التفاوض والتعاقد مع الشركات المتخصصة في تطوير الأنظمة، بما يتيح تنفيذ العمليات وفقًا للضوابط المنظمة.
وأكدت أن جاهزية المستثمر نفسه تمثل العامل الأكثر أهمية في نجاح التجربة، إذ يتطلب استخدام البيع على المكشوف فهمًا لطبيعة الآلية والمخاطر المرتبطة بها، إلى جانب معرفة التوقيت المناسب لاستخدامها، محذرة من أن توظيفها بصورة غير مدروسة قد يكبد المستثمر خسائر.
وأشارت إلى أن تفعيل الآلية في التوقيت الحالي يكتسب أهمية في ظل التقلبات والاضطرابات التي تشهدها الأسواق العالمية، إذ تتيح للمستثمرين الاستفادة من الاتجاهات الهابطة للأسهم، بدلًا من اقتصار فرص تحقيق الأرباح على صعود الأسعار.
وأوضحت أن المستثمرين في السوق المصرية لم تكن لديهم في السابق آلية مباشرة للاستفادة من تراجع أسعار الأسهم، وهو ما يجعل الشورت سيلينج أداة جديدة للتعامل مع تحركات السوق، سواء من خلال الاستفادة من انخفاض الأسعار أو التحوط من مخاطر الهبوط.
وبموجب القواعد الجديدة المنظمة للآلية، يلتزم المستثمر المقترض بتقديم هامش ضمان نقدي لا يقل عن 50% من القيمة السوقية للأسهم المراد اقتراضها قبل بدء تنفيذ العملية، مع أحقيته في الحصول على عائد استثمار هذا الهامش المودع في الحسابات المستقلة.
أما تكلفة الاقتراض من عمولات ومصروفات، فلم تحدد لها الجهات الرقابية نسبة ثابتة، وتركتها للاتفاق التعاقدي بين العميل وشركة السمسرة وفقًا لآليات السوق، مع حظر تعديل هذه التكاليف لاحقًا من جانب الشركة دون موافقة كتابية صريحة من المستثمر، بما يضمن حماية حقوقه واستقرار مركزه المالي.
مسعود: استفادة أكثر للأسهم الأعلى تذبذبًا والأكبر تداولًا حرًا
وقال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية وعضو مجلس إدارة شركة مصر للمقاصة، إن الأسهم ذات معدلات التذبذب المرتفعة ونسب التداول الحر الكبيرة ستكون الأكثر استفادة من تفعيل آلية اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع بالبورصة المصرية.
وأضاف مسعود أن شركات السمسرة التي تقدمت للحصول على تراخيص مزاولة الآلية يفترض أن تكون قد استوفت متطلبات البنية التحتية اللازمة، فيما تتواصل برامج تدريب وتأهيل العاملين بالشركات الراغبة في الحصول على التراخيص، على أن يجتازوا الاختبارات المقررة قبل بدء ممارسة النشاط.
وأوضح أن توعية العملاء بكيفية استخدام الآلية تمثل أحد أهم عوامل نجاح التجربة، إذ يتعين على شركات السمسرة شرح طبيعة التعاملات ومخاطرها للمتعاملين، بما يساعدهم على اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة.
وأشار إلى أن متطلبات الضمانات وتكلفة اقتراض الأوراق المالية قد تحدان من انتشار الآلية في بدايتها، لتقتصر الاستفادة منها بصورة أكبر على كبار المستثمرين أو العملاء القادرين على توفير الضمانات المطلوبة.
وتوقع مسعود أن تشهد السوق إقبالًا من عدد كبير من شركات السمسرة على الحصول على تراخيص الشورت سيلينج، لكنه أشار إلى أن انتشار الآلية بين المستثمرين سيحتاج إلى فترة للتعرف على آليات عملها واكتساب الخبرة اللازمة لاستخدامها.
ولفت إلى أن نسب الضمانات المقررة قد تمثل عبئًا على بعض المتعاملين في بداية التطبيق، متوقعًا إمكانية إعادة النظر فيها مستقبلًا وفقًا لتطورات التطبيق وتقييم المخاطر، بما يساعد على توسيع قاعدة المستفيدين من الآلية.
ورجح أن يسهم تفعيل الشورت سيلينج في تقليل حدة التقلبات السعرية، من خلال إتاحة الفرصة أمام المستثمرين للاستفادة من انخفاض أسعار الأسهم، بما قد يدعم زيادة نشاط التداول خلال فترات الهبوط.
وأوضح أن الآلية تختلف عن المشتقات المالية، إذ تقوم على اقتراض الورقة المالية وبيعها ثم إعادة شرائها وردها إلى المقرض، بينما تشمل المشتقات أدوات تعاقدية مثل العقود المستقبلية والخيارات ترتبط قيمتها بالأصل محل التعاقد.
وأضاف أن الشورت سيلينج قد يوفر بديلًا إضافيًا أمام المستثمرين للتعامل مع الاتجاهات الهابطة، إلا أن فاعليته ستتوقف على مدى استيعاب المتعاملين لطبيعة الآلية، إلى جانب تكلفة الاقتراض والضمانات المطلوبة ومدى توافر الأسهم المؤهلة للتداول من خلالها.
حامد: وضوح تكلفة الاقتراض يزيد ثقة المستثمرين ويجذب المؤسسات الأجنبية
ومن جانبها، قالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن الدليل الاسترشادي الذي أعدته الهيئة العامة للرقابة المالية لتنظيم آلية الشورت سيلينج يمثل خطوة مهمة نحو وضع إطار واضح للعلاقة بين الأطراف المشاركة في العملية، ومعالجة أوجه الغموض التي واجهت التطبيق سابقًا.
وأضافت أن أبرز ما يميز الدليل هو تحديد الالتزامات والمسؤوليات لكل من شركات السمسرة والعملاء المقرضين والمقترضين، إلى جانب توضيح آليات احتساب تكلفة الاقتراض والعوائد والمصروفات المرتبطة بها، بما يعزز الشفافية ويحد من الخلافات بين الأطراف.
وأوضحت حامد أن السوق كان يواجه في السابق تحديات تتعلق بالتفاصيل التنفيذية لعمليات إقراض الأسهم، خاصة فيما يتعلق بتحديد تكلفة الاقتراض والعائد المستحق للمقرض وآليات استرداد الأسهم، وهو ما كان يثير تساؤلات لدى شركات إدارة الأصول بشأن كيفية التعامل مع طلبات اقتراض الأسهم المملوكة لعملائها.
وأشارت إلى أن الدليل الاسترشادي يتناول هذه الجوانب بصورة أكثر تفصيلًا، بما يتيح للمستثمر معرفة شروط إقراض الأسهم والعائد المتوقع والمدة المحددة للعملية، فضلًا عن توضيح دور شركة السمسرة في تعريف العميل بمزايا الآلية ومخاطرها، وإطلاعه على أسس احتساب المصروفات والعوائد المستحقة.
وأكدت أن وضوح القواعد والإجراءات منذ بداية التعامل يمثل عاملًا أساسيًا لتعزيز ثقة المستثمرين في الآلية، خاصة أن الشفافية بشأن العائد وتكلفة الاقتراض كانت من أبرز النقاط التي احتاجت إلى مزيد من التنظيم خلال الفترة الماضية.
ولفتت إلى أهمية تنظيم استثمار هامش الضمان النقدي خلال فترة الاقتراض، وفقًا للأدوات التي تحددها الهيئة، مع إطلاع العميل على أوجه الاستثمار والعائد الفعلي المحقق، وإضافة العائد إلى حسابه فور تحصيله أو وفقًا للشروط المتفق عليها.
وتوقعت حامد أن تتركز المرحلة الأولى من تطبيق البيع على المكشوف على الأسهم المدرجة بالمؤشر الرئيسي «EGX30» التي تتمتع بمعدلات سيولة مرتفعة، بما يسهل تنفيذ عمليات الاقتراض والبيع وإغلاق المراكز.
وأضافت أن تفعيل الآلية من شأنه تعزيز التوازن داخل السوق، إذ تتيح للمستثمرين الاستفادة من توقعات انخفاض أسعار الأسهم، في الوقت الذي تتطلب فيه عملية إغلاق المراكز المكشوفة شراء الأسهم مجددًا، وهو ما يضيف اتجاهًا آخر للتعاملات بخلاف عمليات الشراء التقليدية.
وأوضحت أن هذه الآلية قد تسهم في جذب مزيد من المؤسسات والصناديق الأجنبية، خاصة في فترات ارتفاع القلق لدى المستثمرين، إذ تتيح لهم التعامل مع تحركات الأسعار في الاتجاهين، بدلًا من اقتصار فرص الاستثمار على توقعات الصعود.
وأشارت إلى أن وجود آلية منظمة للبيع على المكشوف قد يساعد على تحسين كفاءة التداول وتعزيز التوازن بين قوى العرض والطلب، بما يدعم تطور السوق المصرية وتنوع الأدوات الاستثمارية المتاحة أمام المتعاملين.
وفي المقابل، لفتت حامد إلى أن التكاليف المرتبطة بتفعيل الآلية قد تمثل تحديًا أمام شركات السمسرة الصغيرة، في ظل احتياجها إلى تطوير البنية التكنولوجية وتوفير الأنظمة اللازمة للتداول، فضلًا عن تحمل تكاليف التشغيل والاستعانة بالكوادر المؤهلة لإدارة العمليات ومتابعة المخاطر.
وأضافت أن هذه المتطلبات قد تمنح شركات السمسرة الأكبر حجمًا ميزة نسبية في المراحل الأولى من التطبيق، نظرًا إلى قدرتها على توفير الاستثمارات اللازمة لتطوير الأنظمة وتدريب العاملين، في حين قد تحتاج الشركات الأصغر إلى وقت أطول لتجهيز بنيتها التشغيلية.
وأكدت أن نقص الكوادر المدربة على التعامل مع الأدوات المالية الجديدة يمثل تحديًا إضافيًا أمام السوق، موضحة أن تأهيل العاملين يتطلب برامج تدريبية متخصصة لضمان فهم آليات الاقتراض والبيع وإدارة المخاطر المرتبطة بها.
وأشارت إلى أن لجنة التدريب بالاتحاد المصري للأوراق المالية تعمل على تنظيم دورات تدريبية لرفع كفاءة العاملين بالسوق، في ظل الحاجة إلى توسيع قاعدة المتخصصين القادرين على التعامل مع الآليات الجديدة، بالتوازي مع جهود الهيئة لتطوير الإطار التنظيمي.
وأكدت حامد أن تنظيم البيع على المكشوف يمثل خطوة مهمة لتطوير سوق المال المصرية، مع توقعات بأن يسهم تطبيقه بصورة واضحة ومنظمة في جذب مزيد من المؤسسات الأجنبية وتوسيع نطاق الأدوات المتاحة للمستثمرين.







